|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
رفقاً
بمرضانا أيها الأطباء الأجلاء الأحد
9/2/2003
يؤثر عالم الألم والمرض في الجميع خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص عزيزين
على قلبنا، لا بل أنه من الصعب فهم هذا العالم إلا إذا اختبره المرء في جلده حيث
يصبح ضعيفاً بحاجة إلى حكمة الأطباء وعناية المستشفيات ورأفة الأهل ورحمة السماء.
أقول هذا ونحن نحتفل باليوم العالمي للمريض، والذي يقع في الحادي عشر من شباط من
كل عام.
وأمام واقع الألم والمرض، وبهذه المناسبة في كل سنة، يصدر قداسة البابا
رسالة موجهة للمرضى بشكل خاص ولكل المهتمين بهذا المجال بشكل عام. لذلك سنتطرق إلى
موضوع هذه الرسالة على الخصوص وسأشارك ببعض الأفكار التي تراودني منذ زمن بعيد حول
هذا الموضوع، مع الشكر والاحترام والتقدير لكل الأيدي البيضاء، لملائكة الرحمة في
مستشفياتنا وعياداتنا من أطباء وممرضين وممرضات الذين يصلون الليل بالنهار في خدمة
الأخوة المرضى والمتألمين وهم يقدمون من وقتهم وعلمهم ومحبتهم وأعصابهم في هذه
المهنة الشريفة والشيقة والشاقة بنفس الوقت.
نبدأ بالقول بأن من المعضلات الوجودية العويصة التي تراود خلد الفلاسفة
والحكماء واللاهوتيين مسائل تدور حول ثلاثة محاور: الشر والألم (المرض) والموت.
وأمامها يبقى الإنسان في حيرة من أمره متسائلاً صارخاً "لماذا؟". إن
جوابنا على هذه التساؤلات ليس سهلاً ولا نهائياً لأنه يفوق إدراكنا العقلي ويناقض
قبولنا البشري ويصطدم من الرغبة في السعادة والحياة والرفض للألم والمرض والموت.
نحن نقول بأن الله خلق الإنسان ورأى بأن كل شيء كان حسناً جداً، ولكن الإنسان
بعصيانه لأوامر الله قد مال عن طريق الخير إلى الشر بارتكابه للخطيئة فكان عقابه
"موتاً تموت" وكذلك "بالألم تلدين البنين" بالاضافة إلى
"بعرق جبينك تأكل خبزك". لا نستطيع أن نفهم هذه القضايا إلا إذا نظرنا
إليها بعيون الإيمان وفي ظل الصليب وعلى ضوء القيامة، وإلا لكنا من أشقى الناس لأن
أيامنا تغدو عذاب وحياتنا تتبخر مثل السراب.
إن السيد المسيح رأى هذا الواقع وأخذ على عاتقه أن يصلح ذات البين بين
الأرض والسماء وبين الإنسان والله، لذلك كتب عنه "حمل أوجاعنا وشفى
عاهاتنا" كما أنه "شفى كثيراً من المرضى والمصابين بمختلف العلل"
هو القائل "ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى". فكانت رسالته كما
ورد في مطلع الإنجيل "روح الرب نازل عليَّ لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني
لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وافرج عن المظلومين وأعلن
سنة رضا عند الرب".
وبالفعل فقد قام السيد المسيح باجتراح المعجزات والأعاجيب، فنجده في إنجيل
اليوم يشفي حماة بطرس التي كانت طريحة الفراش محمومة، فدنا منها فأخذ بيدها
وأنهضها، ففارقتها الحمى وأخذت تخدمهم. كما نقرأ في الإنجيل عينه "وعند
المساء بعد غروب الشمس، أخذ الناس يحملون إلى يسوع جميع المرضى والممسوسين.
واختشدت المدينة بأجمعها على الباب. فشفى كثيراً من المرضى المصابين بمختلف العلل،
وطرد الشياطين ولم يدعها تتكلم لأنها عرفته". وهنا نرى بأن يسوع لم يهتم بصحة
الجسد فحسب عن طريق الشفاء من الأمراض ولكنه اهتم بصحة النفس أيضاً عن طريق طرد الأرواح
الشريرة والشياطين من الممسوسين وبذلك كان يريد أن يخلص الإنسان نفساً وجسداً
قلباً وقالباً. ونجد في إنجيل القديس مرقس روايات لشفاءات تشمل جميع العلل التي
يمكن أن يصاب بها الإنسان من العمى والطرش والخرس والشلل والعرج والكسح والنزف
والبرص وحتى الموت أيضاً. وبهذا يمكن أن نقول بأنه كان طبيب النفوس والأجساد
القادر على كل شيء لدرجة أن الجموع كانت تندهش وتتعجب مما كان يحدث قائلة "ما
رأينا قط مثل هذا الرجل من قبل".
هذا ما ورد عن السيد المسيح في الإنجيل وليس له مثيل في التاريخ، فليس عند
الكثرين موهبة الشفاء، ولكن الكنيسة تكمل عمله الخلاصي عن طريق العناية بالمرضى
والمتألمين، وحتى ولو أنها لا تستطيع أن تقوم بمثل ما كان يقوم المعلم من الأعاجيب
إلا أنها تضرب للعالم مثالاً رائعاً يحتذى في عالم المحبة وخدمة أفقر الفقراء والمنبوذين
والمصابين بالعاهات المزمنة والإعاقات العقلية والجسدية المستديمة والمسنين
والعجزة وحتى مرضى الأمراض المعدية مثل البرص والإيدز. وقد كانت الأم تريزا في
الهند، وتكمل المشوار راهباتها في جميع أنحاء العالم، خير تلميذات للمعلم الذي كان
يشفق على المرضى وتتحرك أحشاؤه حزناً وتغرورق عيونه بالدموع أمام الألم والموت.
أما في رسالة قداسة البابا يوحنا بولس لهذه السنه بمناسبة يوم اليوم
العالمي للمريض والذي سيعقد هذه السنة في واشنطن، فإن هناك رسالة حنان من ذلك
الشيخ الجليل الذي يعاني من الأمراض والآلام ويشارك من قلبه الأبوي الكبير أمثاله
من المسنين بحكمته وتوصياته وصلواته وبركته. وها نحن نراه يحذر من أن ثقافة الموت
تبزغ بدلاً من حضارة المحبة، وهو يقصد بالخصوص "عن الأطفال الذي يقتلون في
أرحام أمهاتهم قبل أن يولدوا بسبب تشريعات إباحة الاجهاض، المسنين الذي يعانون من
أمراض مستديمة مستعصية الذين يقتلون بحجة "الموت الرحيم"، الكثير من
المهمشين في المجتمعات المادية والاستهلاكية، كما يقصد أيضاً السجناء الذين يحكم
عليهم بعقوبة الاعدام..." ويرى البابا أن مثل هذا المجتمع "موسوم بختم
ثقافة الموت، ولذلك فهي نقيض لرسالة الإنجيل". لذلك فهو يؤكد بأن رسالة المسيحي في مجال الصحة تقوم على
الدفاع عن الحياة، وخاصة المهددة بالخطر، فمن الضروري أن يتصرف بموجب ضميره
الأخلاقي طبقاً لتعاليم الكنيسة.
وهو يضيف "بأن المستشفيات المسيحية والمراكز الطبية المختلفة يجب تكون
مراكز تدافع عن الحياة وتزرع الأمل وتنمي الأخلاق الطبية والمهنية وذلك من خلال
اللجان الطبية والأخلاقية، تدريب العاملين في المجال الصحي بحيت يتفانون في خدمة
ومحبة المرضى والاهتمام بحاجاتهم الملحة والعطف على عائلاتهم المتألمة وبالخصوص
العناية بالفقراء منهم والمهمشين. إن العمل الطبي التقني يجب أن ترافقة شهادة مجانية
للإيمان عن طريق المحبة، آخذين بعين الاعتبار أن الحياة هي هبة مجانية من الله،
وعلى الإنسان أن يقبلها ويحافظ عليها ويدافع عنها".
وأمام هذه المباديء السامية فإننا نتساءل: أين نحن من خدمة المحبة هذه
لأعضاء مريضة ومتألمة من مجتمعنا؟ لماذا تحولت هذه المهنة الشريفة والإنسانية إلى
تجارة تقاس فقط بمقاييس الربح للأطباء والمستشفيات والصيدليات ومصانع الدواء
ومراكز تصنيع الأجهزة الطبية، والخسارة للمريض والمتألم في جيبه وأعصابه وحتى
حياته حيث أصبح العلاج من نصيب الأغنياء فقط أما الفقراء فيجب أن يزدادوا فقراً
إذا لم يتمكنوا من دفع كشفية الطبيب وأجرة العملية وفاتورة المستشفى وثمن الأدوية
لكي يتمكن الطبيب من زيادة حسابه في البنك وركوب السيارة الفارهة وبناء قصره
الفاخر ويسمح لنفسه ولأولاده بإجازة في أوروبا وأمريكا على حساب آلام البشر؟
المعذرة لهذه القسوة والتعميم، فأنا أعرف الكثيرين الذين يتمتعون بالروح
المهنية العالية المصحوبة باللمسة الإنسانية الرقيقة بالإضافة إلى الأخلاق الطبية
الشريفة، ولكني أقول واتكالي على الله، بأن مهنة الطب أصبحت تجارة مربحة وهذه هي
القاعدة، أما عمل المحبة وخدمة المريض ومساعدة الفقير فقد أصبحت شواذ القاعدة
للأسف الشديد. لذلك أصرخ في وجه أطبائنا: ماذا فعلتم بقسم أبقراط؟ رفقاً بمرضانا
يا أطباءنا الأجلاء؟
الأب
رائــد عـــوض أبو ساحلية