|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
ماذا لو يذهب قداسة البابا إلى بغداد؟ الأحد 16/2/2003
أخذ شبح الحرب يهيمن على العالم ويستحوذ على عقول الناس، فحيثما تجلس أصبح
الناس يسألونك: "متى تحدث الحرب؟ ولم يعودوا يسألون: "هل ستحدث
الحرب؟" وكأن الأمر أصبح ً محسوماً وحتمياً. وأخذوا يتكهنون بمواعيد اندلاعها
ويروجون الشائعات عن كافة الاحتمالات. وبينما تتصاعد الأصوات النشاز التي تقرع
طبول الحرب، ترتفع أصوات نبوية تعارض اندلاعها وتحذر من عواقبها، لأنها لا ترى
مبرراً حقيقياً لها غير أعذار اعتباطية ومصالح سياسية واقتصادية لا يمكن أن تندرج
إلا في زاوية الهيمنة الأمريكية الجديدة على العالم.
ومن بين هذه الأصوات النبوية نجد صوت قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي
ما انفك منذ أكثر من عقد عن المطالبة برفع الحصار عن العراق، وها هو الآن يوفد
مبعوثاً خاصاً عنه زار بغداد بشخص الكاردينال الفرنسي روجيه ايتشجاراي الذي يلقب
برجل المهمات الصعبة أو المستحيلة، كما أنه استقبل يوم الجمعة السيد طارق عزيز في
حاضرة الفاتيكان لكي يؤكد من جديد على معارضة الحرب واللجوء إلى القوة لحل
النزاعات، كما أنه دعى مراراً وتكراراً إلى إقامة الصلوات والتضرعات من أجل
السلام. ونرى بأن الدبلوماسية الفاتيكانية تتحرك في كافة الاتجاهات لمنع حدوث
الحرب وتجنيب المنطقة من ويلاتها.
ويبدو أن أصوات طبول الحرب المتعالية يوماً بعد يوم تحاول خنق هذا الصوت
النبوي متجاهلة بذلك بأنه يمثل أعلى سلطة دينية وروحية وأخلاقية في العالم، لأن
السياسة ليس لها دين ولا أخلاق. وبينما تتوالى الحشود العسكرية والقوات الأمريكية
والبريطانية بالتوافد إلى الخليج فإننا نرى بأن ساعة الصفر قد حانت وسيكون الوقت
متأخراً جداً لوقف عقارب الساعة إلى الوراء، فعندما تشتعل فتيلة الحرب سيصعب
اطفاؤها وستغوص بغداد والمنطقة في الفوضى والدمار في معمعة لا يحمد عقباها ولا
يعرف مجراها ولا يمكن التنبؤ بمصيرها ولا بنهايتها، فعندما يشعل مجنون حريقاً
نحتاج إلى مائة عاقل لكي يطفيه.
لذلك فأنا أقول واتكالي على الله، لماذا لا يحرج قداسة البابا يوحنا بولس
الثاني العالم ويستبق الأحداث ويتوجه بطائرة إلى بغداد بزيارة تضامن مع أهل العراق
ويرسل رسالة واضحة لكل دعاة الحرب بأن للجنون حد ونهاية؟ وهناك أكثر من سبب يدفعنا
إلى طرح هذه المبادرة واطلاق هذه الصرخة:
-
لا
نريد أن تكون هذه الزيارة تأييداً للنظام العراقي ولا حماية للرئيس صدام بل درعاً
واقياً للشعب العراقي بمسيحييه ومسلميه، فهذا الشعب قد عانى الأمرين منذ الحرب
العراقية الأيرانية، وخلال حرب الخليج الأولى بعد احتلال الكويت، وبعد ذلك أثناء
الحصار الجائر المضروب على الشعب باسم الأمم المتحدة والذي راح ضحيته أكثر من
مليون طفل بسبب نقص الدواء والغذاء. أما آن لهذا الشعب أن ينعم بالراحة والهدوء
والسلام!
-
لا
نريدها صفعة للولايات المتحدة وحلفائها ولكل دعاة الحرب بل صرخة في ضمير العالم
لكي يصحى من غفوته وغفلته فيعود إلى رشده ويسترجع هدوءه ويستعيد استقراره لأن
الفوضى والبلبلة والضجة والغليان تسود العالم وكأننا في دوامة جارفة تقود الجميع
إلى الهاوية.
-
لا
نريدها رحلة حج فقط لمسقط رأس إبراهيم الخليل في مدينة أور الكلدانيين التي ما برح
قداسته يحلم بزيارتها في عام اليوبيل ولكنه اكتفى باحتفال على شرف ابراهيم في
حاضرة الفاتيكان قبل حجته التاريخية على خطى موسى في مصر وإثر يوحنا المعمدان في
الأردن وعلى خطى السيد المسيح في الأرض المقدسة وعلى خطى القديس بولس في سوريا
واليونان.. لا بل نريد أن يذهب ويشدد أكثر من مليون مسيحي كلداني يعيشون في العراق
ويتكلمون اللغة الكلدانية القريبة من اللغة الأرامية التي تكلمها السيد المسيح، وأن
يشد من أزر هذه الكنيسة العريقة التي بدأت تستنفذ مواردها المادية والبشرية بسبب
هجرة أكثر من ربع مليون من أعضائها خلال العشرين سنة الماضية.
-
لا نريدها
رحلة سياحية إلى بلاد ما بين النهرين مهد الحضارة الأشورية والبابلية والإسلامية
حيث ما برحت آثارها تستقطب الباحثين والمغامرين، فقداسته شيخ جليل عليل يحتاج إلى
الراحة.. ولكننا نريد أن يستخدم ثقله الروحي والأخلاقي ووزنه اللاهوتي والكنسي لكي
يجلب أنظار العالم إلى مأساة شعب يتألم ويلقن رجال السياسة درساً روحياً وأخلاقياً
ويعلمهم كيف تحل النزاعات ويقول بصوت عالٍ بأن الحرب لا تجلب إلا الدمار ولا تزرع
إلا الموت ويعلن بملء فمه بأن الإنسان أغلى من البترول والثروة والمال.
ولكي لا تكون رحلته فقط حجاً أو سياحة، ولكي
لا تفهم على أنها دعم للنظام العراقي وصدام أو معارضة للأمريكان والانجليز وبوش
وبلير، فإن وضع خطة محكمة واطلاق مبادرة عملية خير دليل وبرهان على أنه رجل خير
وواسطة سلام وصاحب رؤية ثاقبة. ومن هنا نقترح بأن يحمل في جعبته مبادرة سلام ويحصل
على بيان التزام ويوجه رسالة للحكام:
-
أما
مبادرة السلام فيمكن أن تكون دعوة إلى مؤتمر دولي يكون في حاضرة الفاتيكان حول
القضية العراقية بالعموم والقضية الفلسطينية بالخصوص ومعالجتها بالطرق السلمية
ويحضره جميع الأطراف المعنية بما في ذلك بوش وصدام وشارون وعرفات.
-
أما
بيان الالتزام بأن تتعهد جميع الأطراف، على رأسها صدام حسين، بعقد النية الحسنة
لحل كل الخلافات العالقة بطرق الحوار والتفاوض انطلاقاً من مصالح الشعوب.
-
أما
الرسالة للحكام بأن يتقوا الله في شعوبهم ولا يهدروا مواردهم الطبيعية والبشرية
وينفقوا الأموال والثروات على السلاح ويطرحوا فكرة الحرب جانباً وأن لا يلجأوا
إليها أبداً، وبالتالي يعملوا على نزع السلاح ليس فقط من الدول الضعيفة والفقيرة
ولكن أيضاً من الدول الغنية والقوية. إنها صرخة قوية "لا للحرب ولا
للسلاح".
وخوفاً من أن تكون الزيارة مسرحية عابرة ينتهي
مفعولها لدى عودة البابا إلى حاضرة الفاتيكان وعندها تعلن حرب الأمريكان، فإننا
نقترح بأن يبقى قداسته في بغداد المدة الكافية لكي تتخذ كل التدابير العملية لعقد
هذا المؤتمر الدولي وابداء العراق استعداده لنزع كل أسلحته وانسحاب القوات
الأمريكية من محيط العراق وايقاف كل الاستعدادات للحرب المحتملة.
ولكي تكون الرسالة قوية وأكثر فعالية فإننا
ندعو قداسته لدعوة كل رؤساء الأديان في العالم إلى لقاء في بغداد على غرار لقاء
أسيزي يمكن أن نسميه "خيمة ابراهيم" ويقومون هناك بعقد حوارات دينية عن
العدل والسلام ويرفعون الصلوات بمختلف اللغات والطقوس ويعلنون مصالحة تاريخية بين
الشرق والغرب تضع حداً لصراع الحضارات والثقافات بين الغرب الذي يدعي المسيحية
والشرق الذي يتمسك بالإسلام، وبذلك يبرهنون للعالم بأن الأديان يمكن ويجب أن تكون
حاملة لواء البشرية والمدافعة عن إنسانية الإنسان، خوفاً من تركه في أيدي سياسات
هوجاء.
تقولون إني أحلم، نعم، ولكني واقعي، فأنا أرى
بأن عالم الساسة غير قادر على حل هذه الأزمة المتفاقمة، ولا حتى الأمم المتحدة
قادرة على تغيير مجرى الأحداث المتسارعة نحو الحرب، لذلك فإن مفاجأة سارة مثل هذه –
والبابا قادر على مثل هذه المفاجاءات فقد زار مدينة سرايفو أثناء الحرب – يمكن أن
تقوم بنقله نوعية وتحول مجرى هذا النزاع وتوجهه نحو الطريق السليم الذي يجب أن
يقود إلى تجنب الحرب وفتح آفاق حل سلمي للأزمة.
الأب
رائــد عــوض ابـو سـاحليـة