SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

خـير الأمـور أوسطها    الأحد 23/2/2003

 

لا أحد يعرف قيمة الصحة إلا إذا عرف المرض واختبر الألم. ولا أحد يعرف طعم النعمة إلا إذا وقع في التجربة والخطيئة. ولكن من منا لم يرفع صلاته الحارة وتضرعه إلى الله طالباً الشفاء الجسدي له أو لشخص عزيز عليه؟ ولكن لماذا هذا الاهتمام الشديد بصحة النفس والإهمال فيما يتعلق بصحة النفس؟

 

المشكلة الحقيقية هي إن الإنسان، وبسبب التقدم العلمي والتكنولوجي والطبي، أصبح يعتمد على نفسه ويعتقد بأنه قادر على كل شيء وكأنه لا يحتاج إلى معونة الله إذ أصبح يشعر بالاكتفاء الذاتي، لذلك أهمل الاهتمام بأمور الروح وبصحة النفس، لا بل فقد الحس بالخطيئة، وأصبح "يعمل السبعة وذمتها" وينام مرتاح البال لا يؤنبه ضمير، لأن ضميره في حقيقة الأمر نائم أو "متمسح" أو بالأحرى ميت.  وهذه بليه عصرنا  كما كان يقول البابا بيوس الثاني عشر: "إن أكبر خطيئة في عالم اليوم أنه فقد معنى الخطيئة" وهذا نجاح في عمل الشيطان الذي يجمل الخطيئة للإنسان ويوسوس في رأسه بأن مفهوم الخطيئة من اختراع الرهبان لذلك فهو يغريه ويغويه وكأني به يقول له "كل واشرب وتنعم فغداً تموت" أو يقول له "ليس هناك إله ولا عقاب ولا حساب فتنعم في الدنيا دون رادع من دين ولا وازع من ضمير".

 

كان لأم طفلة صغيرة ولدت بتشوه في جهازها العصبي أفقدها الإحساس بالألم. وفي أحد الأيام، سمعت الأم طفلتها تضحك وتصيح في الحجرة المجاورة، فذهبت إليها لترى سبب ضحكتها، فوجدت ابنتها تعض طرف إصبعها بضروسها حتى سال منه الدم. وعندما كانت الطفلة ترى منظر الدم يسيل من إصبعها، كانت تضحك وتصيح مبتهجة.

 

إن فقدان الإحساس بالألم يشبه فقدان الإحساس بالخطيئة، فقد قال أحد الكتاب في هذا الصدد: "إن شعورنا وإحساسنا بالخطيئة مرتبط بشعورنا وإحساسنا بوجود الله". فكلما كنا أقرب إلى الله أصبحنا أكثر إدراكاً لخطيئتنا. والعكس صحيح: فكلما ابتعدنا عن الله كان إدراكنا لخطيئتنا أقل، لأن بعد المسافة بيننا وبين الله يقلل من درجة المواجهة الضرورية لنميز ونتحقق من حالنا الحقيقية.

 

إن نظرة سريعة إلى عالمنا المعاصر الذي يدعي التقدم، ترينا أنه سابح في مثل هذه الحالة من فقدان الشعور بالألم والظلم لا بل أصبح عديم الشعور والإحساس. إن خطيئة هذا العالم أنه وضع الإنسان في المرتبة الأولى فجعل من نفسه سيداً مطلقاً على البشر والحجر وعلى الأرض والسماء، فاختلط الحابل بالنابل، فانقلبت المقاييس واختلطت الموازين فاختل التوازن وانعدم الوزن، فأصبح "الأنا" هو الأول، "والآخر" هو الثاني" أما "الله" فأصبح الثالث والأخير. وخير دليل على ما أقول ما نراه من تعنت وتسلط القوي على الضعيف والغني على الفقير، وغلبة المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وأولوية الحياة الدنيا على الآخرة، والاهتمام المبالغ بالسياسة والاقتصاد والتجارة على حساب الأخلاق والدين. وما يقال عن الأفراد يقال عن الدول والمؤسسات. فإن ما يحاك في المحافل الدولية ضد العراق والموقف مما يحدث في فلسطين خير دليل على أن "شريعة الغاب" عادت إلى الظهور من جديد في عصر يتشدق بحقوق الإنسان وحماية الضعيف والدفاع عن المسكين والفقير.

وسط كل هذا تطالعنا قراءات هذا الأحد التي يقول فيها الرب في سفر أشعيا النبي: "هاءنذا آتي بالجديد، أجعل في البرية طريقاً وفي القفر أنهاراً"، إذ أن الله سبحانه وتعالى يعاتب الإنسان بقوله: "أنت استعبدتني بخطاياك، وأسأمتني بآثامك. أنا الماحي معاصيك لأجلي، وخطاياك لا أذكرها".  وعند هذا اللطف الإلهي الذي يعيد الإنسان إلى صورته الأولى كما جبله في البدء فإنه يجب أن نعبر عن عرفان الجميل ونعود بقلوبنا وأفكارنا وأعمالنا عن الشر ونسلك طريق الخير "الشعب الذي جبلته لي، فهم يحدثون بحمدي". أين نحن من هذا الكلام؟ هل نحدث فعلاً بحمد الله أم أننا نستمر في تصلبنا وتعصبنا وانتهاكنا للحرمات واستباحتنا لدماء الأبرياء؟

 

والموقف الآخر هو صرخة الإنسان الذي يعود إلى رشده فيعترف بذنبه ويطلب من الرب الشفاء: "إني قلت، يا رب حنانك إشف نفسي، فإني خطئت إليك".  عندئذ ينال التهنئة والتعزية من الله: "طوبى لمن يعتني بالمسكين، في يوم السوء ربه ينجيه، يحفظه المولى ويحييه ويسعده في الدنيا ولا يسلمه إلى شهوة معاديه، يسنده الرب على سرير الألم".

 

أما السيد المسيح في الإنجيل المقدس فقد قدم لنا تعليماً واضحاً صريحاً بهذا الخصوص: فقد شفى وحل من الخطيئة المقعد "يا بني، غفرت لك خطاياك"، ثم شفاه من مرضه المزمن "أقول لك، قم فاحمل فراشك واذهب إلى بيتك. فقام فحمل فراشه لوقته، وخرج بمرأى من جميع الناس، حتى دهشوا جميعاً ومجدوا الله وقالوا: "ما رأينا مثل هذا قط". لقد بين السيد المسيح بأن شفاء النفس هو أهم من شفاء الجسد، فالجسد زائل مائت والنفس حية أبدية.

 

وقد سبق للسيد المسيح أن حذر ممن يقتلون النفس والجسد في تعليمه التالي: "لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعون قتل النفس، بل خافوا الذي يقدر على أن يهلك النفس والجسد جميعاً في جهنم". وكان يقصد من يكون حجر عثرة لغيره وسبب تجربه توقعه في الخطيئة وتسبب له الهلاك الأبدي قبل الجسدي. وكأنه يقول بأن قتل النفس أفدح من قتل الجسد، وأن القتل على أنواع، فهناك قتل بالسلاح وهناك قتل بالكلام وهناك قتل للسمعة كما هناك قتل للمستقبل عند إغلاق الآفاق وقطع الأرزاق والاستسلام للفشل والاخفاق وقتل الرجاء والأمل.

 

ونصل إلى النتيجة التوفيقية، "فخير الأمور أوسطها": فكما أن المرء يهتم بجسده ويغذيه ويداويه ويعتني بجماله وصحته وراحته، فكذلك عليه أن يهتم بنفسه ويحرس على نموها وانتعاشها وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه كما يقول المثل: "ساعة لربك وساعة لقلبك" دون مبالغة أو زيادة ولا نقصان "فما زاد عن حده انقلب إلى ضده".

 

ويا ليت عالمنا يفطن إلى هذين البعدين ولا يسير نحو الهلاك كما هو الحال الآن متناسياً بأن البعد الأفقي "أرض- أرض" يجب أن لا ينسينا البعد العامودي "أرض- جو"، لأن "مولود الجسد يكون جسداً، ومولود الروح يكون روحاً".

 

                                                                   الأب رائد عوض أبو ساحلية