|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
أصـوات
فـي الـبريـة الأحد 2/3/2003
ترتفع أصوات كثيرة ضد
الحرب الأمريكية البريطانية المحتملة ضد العراق. فبالإضافة إلى أصوات الملايين
الذين خرجوا في شوارع عواصم ومدن العالم، فإن أصواتاً كنيسية رفيعة المستوى تتعالى
يوماً بعد يوم يجدر الإشارة إليها حتى يعرف القاريء الكريم بأن العالم المسيحي يقف
ضد هذه الحرب غير المبررة ولا الضرورية والتي تشن باسم سياسات لاأخلاقية مبنية على
المصالح.
وفي طليعة هذه
الأصوات نجد صوت قداسة البابا الذي لم ينفك منذ شهور بتكرار طلب الصلاة لنهاية
سلمية لهذا الصراع وتفادي نشوب الحرب. فبعد إيفاد مبعوث رسمي يمثلة إلى العراق
بشخص الكاردينال روجيه أتشيجاراي الذي قابل صدام حسين، فإن قداسة البابا بدأ
بتحركات على المستوى الدبلوماسي، فقد استقبل كل من طارق عزيز ثم توني بلير رئيس
وزراء بريطانيا وطالبه أن يفعل كل ما يمكنه لتنجب الحرب، كما أنه التقى وزير
خارجية ألمانيا يوشكا فيشر ورئيس وزراء اسبانيا خوسيه ماريا ازنار بالإضافة إلى
أمين عام الأمم المتحدة السيد كوفي عنان. وآخر نداء صريح قوي أطلقه البابا يوم
الأحد الماضي أثناء صلاة الملاك في ساحة القديس بطرس أمام آلاف الحجاج، فقد دعى
إلى تكريس يوم أربعاء الرماد الذي يصادف الخامس من آذار وبداية زمن الصوم
الأربعيني، للصلاة والصوم لأجل السلام في العالم وخاصة في الشرق الأوسط والعراق
والأرض المقدسة.
فقد جاء في كلمته:
"منذ شهور والعالم يعيش حالة قلق بسبب خطر اندلاع حرب تلوح في الأفق تهدد
منطقة الشرق الأوسط، وتغذي النزاعات المتزايدة منذ بداية الألفية الجديدة".
وأضاف قداسته: "من واجب المؤمنين، مهما كانت ديانتهم، أن يعلنوا بأننا لن
نحصل على السعادة إذا كنا نحارب بعضنا بعضاً، وأن مستقبل البشرية لن يكون آمناً مع
الإرهاب واستخدام منطق الحرب. ونحن المسيحيون مدعوون بصورة خاصة لأن نكون حراساً
للسلام في الأماكن التي نعيش ونعمل فيها، نحن مطالبون بالحذر لكي لا يقع ضميرنا
فريسة للأنانية والتضليل والعنف".
ولهذا بالذات دعى
قداسة البابا الكاثوليك كافة في جميع أنحاء العالم "لتخصيص يوم الخامس من شهر
آذار الحالي الذي يصادف أربعاء الرماد وبداية زمن الصوم الأربعيني، للصلاة والصوم
من أجل السلام، وخاصة في الشرق الأوسط". وقد أضاف: "علينا أن نتضرع إلى
الله لنيل هبة ارتداد القلوب وتغيير وجهات النظر لاتخاذ قرارات صحيحة لحل النزاع
الحالي بالطرق السلمية". وطلب بأن ترفع الصلاة الحارة "في جميع المزارات
المريمية بصلاة السبحة الوردية، وكذلك في الرعايا والعائلات، فعليها يعتمد خير
الجميع". وطالب بأن يرافق هذه الصلوات "الصوم الذي يعبر عن التوبة
والتكفير عن كل حقد وعنف يصيب العلاقات البشرية. فإن المسيحيين يشاركون في عادة
الصوم القديمة مع اخوتهم وأخواتهم من الديانات الأخرى، والتي تعلمهم التجرد من
الكبرياء والاستعداد لقبول عطايا الله ونعمه الغزيرة، وخاصة نعمة السلام".
ومن بين الأصوات
التي ارتفعت متحدة مؤخراً صوت غبطة البطريرك ميشيل صباح بطريرك القدس للاتين
والبطريرك روفائل بيداويد الأول بطريرك الكلدان الكاثوليك في بغداد والكاردينال فينكو بوليك رئيس أساقفة سراييفو الذين وقعوا على رسالة "لا
للحرب" باسم هذه المدن الثلاث التي عانت من أهوال الحرب.
وجاء نداءهم قوياً: "إن صوتنا ضعيف، ولكنه يعبر عن
أصوات شعوبنا التي عانت من أهوال الحرب، الاضطهاد والظلم، التي حلت في بلادنا ومدننا
لدرجة أنها أصبحت رمزاً للألم، ليس فقط في الأعوام الماضية ولكن في أيامنا هذه
أيضاً". وقد اضافوا: "ليست كل مدننا مقدسة مثل القدس، وليست مدناً
كاثوليكية كذلك، ولكنها بالتأكيد مدن شهيدة. ونحن الذين عشنا وما زلنا نعيش مآسي
الحرب، نريد أن نقول للعالم بأسره، وخاصة لعظماء الأرض: لا تسلكوا طريق الحرب
لأنها طريق بلا مخرج. إن السلام هو الطريق الوحيدة التي يجب أن نسلكها، فإنها
الاتجاه الإجباري الذي يقود إلى الأمن والطمأنينة.لا يوجد عنف ولا إرهاب ولا حرب
إلا ويجلب معه عنف آخر، حقد وبغض، دمار ودماء، آلم وموت".
وكان نداءهم عاماً: "نتوجه لجميع الناس، المؤمنين
وغير المؤمنين، الرجال والنساء، ذوي الإرادة الحسنة، وخاصة لمن بيدهم السلطان
ويتحملون مسؤولية القرار بشأن مستقبل البشرية، لكي يحكموا العقل ويستعملوا الحكمة
ويسلكوا طريق الحوار متذكرين بأن "الحرب مغامرة بدون رجعة" ومع البابا
نقول أيضاً: "الا للحرب! فالحرب دائماً هزيمة للبشرية". وأنهوا الرسالة
بصرخة قوية: "لا تتركوننا وحدنا، لأن العالم اليوم بحاجة لبناء هذا الأمل
ويعيش على هذا الرجاء".
كما أن كافة الكنائس في جميع أنحاء العالم أصدرت بيانات
ضد الحرب وتقوم بجهود حثيثة لمنع وقوعها، ولو أردنا أيرادها لاحتجنا لمجلدات،
لكننا نذكر بعضها على السبيل المثال لا الحصر:
-
أصدر كاردينال بريطانيا الكاثوليكي أوكنور بياناً
مشتركاً مع رئيس أساقفة كانتربري الجديد تساءلوا فيه عن الشرعية الأخلاقية لمثل
هذه الحرب.
-
زار وفد من رؤساء الكنائس الأمريكية برفقة المطران
رياح أبو العسل، مطران القدس للأنجلكان، ويتنظيم من "كنائس معاً في بريطانيا
وإيرلندا"، رئيس وزراء بريطانيا توني بلير والعديد من السياسيين والقادة
الدينيين، وأعربوا عن قلقهم الشديد لوقوع الحرب المحتملة.
-
أصدرت منظلمات مسيحية مسكونية مثل مجلس الكنائس
العالمي في جنيف، ومجلس كنائس الشرق الأوسط في قبرص واتحاد الكنائس الوطنية في
الولايات المتحدة، وعبروا جميعهم عن قلقهم البالغ حول النزاع الحالي.
-
وحتى أسقف الكنيسة الأرمنية في بريطانيا انضم إلى
الركب وعبر عن نفس المخاوف في بيان شديد اللهجة: "لماذا نتهور نحو حرب بينما
يمكننا أن نسير نحو السلام؟" كما أنه ربط بين مثل هذه الحرب المحتملة ضد
العراق والصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يدور رحاه في الأرض المقدسة.
-
أصدر مركز السبيل المسكوني للاهوت التحرير نداءاً
قوياً يبدأ بهذا التساؤل: "يظهر أن شعار السيد بوش "ابتغي الحرب واسعى
إليها" والكتاب المقدس يقول: "ابتغي السلام واسعى إليه" فلمن ينبغي
أن نصغي؟".
وبالرغم من كل هذه الأصوات النبوية فإن طبول الحرب ما
زالت تقرع وأصواتها ترتفع قوية، وكأني بهذه الأصوات تصيح في برية هذا العالم
الأخرس الأصم الأعمى فلا من يرى ولا من يسمع، وكأنه مصاب بمس من الشيطان كذلك
الشاب الذي أحضره والده عند تلاميذ يسوع ليطردوا منه الشيطان فلم يستطيعوا، ولما
حضر يسوع طلب منه الوالد أن يشفي ابنه ففعل بكلمة واحدة: "اخرس واخرج
منه"، فارتمى أرضاً وكأنه ميت. فسأل التلاميذ يسوع لماذا لم يتمكنوا من طرده؟
فقال لهم يسوع إن مثل هذه الشياطين لا يخرج إلا بالصوم والصلاة. يظهر أن القصة
تتكرر، فإن الشيطان الذي يركب العالم وقادته لا يمكن طرده إلا بالصوم والصلاه كما
يطلب منا قداسة البابا.
يبدو
أن هناك احتمالات ضئيلة: إما أن يتدخل الله بأعجوبة ويرحمنا ويمنحنا السلام الذي
نبتغيه ونسعى إليه، وإما أن يسرع قداسة البابا ويزور بغداد كما طالبته بذلك في
حديث سابق ويطرح حلاً سلمياً، وإما أن يرتفع صوت الشعوب في ثورة شعبية سلمية
وينقلبوا على قادتهم، وإما أن يرضخ صدام والقيادة العراقية ويتنحى عن الحكم ويسلك
طريق المنفى... وإلا فإن الحرب الماحقة الساحقة قادمة وشيكة لا محالة، وستبقى كل
هذه الأصوات النبوية أصواتاً في البرية.
الأب رائـد عـوض أبـو ساحلية