|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
مـاذا
فعلنا بقـوس قـزح؟! الأحد
16/3/2003
وسط التحضيرات للحرب على العراق والاشاعات بدنو اندلاعها، فإني أتساءل عن
جدواها خاصة وأنها ستكون غير تقليدية بسبب الحشود الضخمة والتقنية العسكرية
المتقدمة، مما يدل دون أدنى شك بأنها ستكون مدمرة ودموية ومكلفة وقد تكون نتائجها
كارثية ليس فقط على العراق والشعب العراقي بل على المنطقة بأسرها وخاصة على الشعب
الفلسطيني. لا يمكن تبرير هذا التحرك المحموم نحو الحرب إلا بجنون الإنسان أو
بتدحل الشيطان في مصير العالم.
أما جنون الإنسان فمستمر للأسف منذ بدء الخليقة عندما قتل قائين أخاه
هابيل، وقد بلغ ذروته بتطوير أنواع السلاح الذي وصل إلى أعلى درجات التقنية في
التدمير، مما يدل على أن الإنسان استعمل عقله وذكاءه في خدمة مصالحة الأنانية
مشهراً مخالبه وأنيابه ومبرهناً على نزعته العدوانية التي تفوق الحيوان في كثير من
الأحيان، فاستخدم ذئبيته "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان" وجعل من العالم
الذي من المفترض أن يعمره ويبنيه ساحة حرب تسودها "شريعة الغاب".
ويتساءل الكثيرون عن علة هذا الانحراف في السلوك الانساني ويقدمون تفاسير
مختلفة، فمنهم من يقول بأن الإنسان مفطور على العنف، وآخرون يقولون بأن المجتمع
يقود إلى العنف، وعلماء النفس يفسرون بأنها غريزة حب الحياة وغيرهم يتحدثون عن
"شهوة الموت"، وآخرون يقولون بصراع البقاء للأقوى حيث القوي يأكل
الضعيف. وعلماء الاجتماع يقولون بالأنانية ومصالح الذاتية، أما السياسيون فيقولون
بغريزة حب التسلط والسيطرة. وعلماء الاقتصاد يقولون يغريزة حب التملك والجشع
والطمع "الإنسان الذي لا يشبع ولا يقنع". والبعض يعزو الأمر إلى الصراع
الدائر والمحتدم بين الخير والشر.
ونحن المسيحييون نقول بأن الإنسان مجروح وساقط في الخطيئة. وكل هذه
التفسيرات تشير إلى حتمية العنف والنزاعات والحروب، وكأن الإنسان لا يمكنه الهرب
من قدره المحتوم "لا حول له ولا قوة" أمام نزعاته وشهواته العدوانية التي
تسيطر عليه وتتحكم به وتجره إلى الهاوبة.
أما أنا فوجدت بأن الله في الكتاب المقدس يخير الإنسان ويضع بين يديه كل
الاحتمالات وعليه أن يستعمل عقله ويحكم ضميره ويختار: "أنظر، إني قد جعلت
اليوم بين يديك الحياة والخير، والموت والشر، بما أني آمرك اليوم أن تحب الرب
إلهك، وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا وتكثر ويباركك الرب
إلهك". لا بل أن الله يستحلف الإنسان بأن يحسن الاختيار: "وقد أشهدت
عليكم اليوم السماء والأرض بأني قد جعلت بين أيديكم الحياة والموت، البركة
واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت وذريتك". وهذا دليل على أن الله لا يريد
أن يموت الإنسان وأن يغرق في بحر من الحروب والشرور "أطلبوا الخير لا الشر
لتحيوا، ويكون الرب الإله معكم". وكذلك الأمر بالنسبة للصراع الجاري حول
العراق، فإن كلمة واحدة من أصحاب القرار يمكن أن تلغي الحرب وأهوالها وكلمة واحدة
يمكن أن تشعلها وتصلي المنطقة وشعوبها بنيرانها. وسنرى لمن ستكون الغلبة"
للمنطق أم للجنون؟! للإنسان أم للشيطان!؟
فإذا كانت الكلمة الفصل للأنسان، فلماذا يختار الشر لا الخير اللعنة لا
البركة الموت لا الحياة؟ وهنا يدخل التفسير الثاني: تدخل الشيطان. ولا أريد أن
أعلق كل شرور العالم على شماعة الشيطان، ولكن يظهر بجلاء أنه يقوم بعمله أحسن
قيام، فإن لم يكن ذلك بنفسه مباشرة فعن طريق الإنسان، وبالتالي فهو مبسوط مرتاح
فهناك من يقوم بالمهمة بدلاً عنه. وهذه هي الطريقة الفعالة التي اخترعها بأن يوهم
الناس بأنه غير موجود ويقنعهم بعدم وجود الخطيئة.
ففي إنجيل الأحد الأول من الزمن الأربعيني نقرأ رواية تجربة الشيطان للسيد
المسيح في البرية بعد صومه أربعين يوماً وأربعين ليلة. وقد عرض عليه ثلاث تجارب
تلمس أوتاراً حساسة في نفس الإنسان:
فالتجربة الأولى هي تجربة الطعام أو "شهوة الجسد": فبعدما صام حتى جاع، عرض عليه الشيطان:
"إن كنت ابن الله، فمر أن تصير هذه الحجارة أرغفة" فأجابه السيد المسيح:
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". وهذه
التجربة ما زالت ماثلة أمام أعين البشر، وحتى في النزاع الحالي: أمريكا تريد
السيطرة على بترول العرب والعراق، فهي مستعدة إلى تحويل العراق إلى رماد في سبيل
الحصول على الذهب الأسود وثروات الهلال الخصيب. السيد المسيح لم يقع في التجربة
وانتصر على الشيطان، فهل سيقع فيها الأمريكان؟!
والتجربة الثانية هي تجربة الإيمان: فقد مضى ابليس إلى المدينة المقدسة وأقامه
على شرفة الهيكل وقال له: "إن كنت ابن الله، فألقِِ بنفسك إلى الأسفل، فإنه
مكتوب: "يوصي ملائكته بك لئلا تصدم رجلك بحجر" فأجابه يسوع: "مكتوب
أيضاً: "لا تجربن الرب ألهك". كان ابليس يريد أن يزعزع إيمان السيد
المسيح بالله، وفي هذه الأيام فإن معسكري الحرب والسلام أمام نفس التجربة: فالبابا
يدعو إلى الصلاة والصوم من أجل منع الحرب، وبوش كذلك يصلي ويطلب من الله أن ينيره
ليتخذ القرار الصائب. والجميع ينتظر ليرى من سينتصر! أعتقد جازماً بأن الله لا يريد الحرب على الاطلاق،
وثقتنا بالله مستمرة رغم كل ما سيحدث، فإنه سيد التاريخ ومدبر الكون وخالق البشر،
وإن الله أدرى بخلقه. إن الشيطان أيضاً يؤمن بالله ولكنه يرتعد، لذلك يحاول أن
يزعزع ثقتنا به، ولكننا به واثقون وعليه متوكلون!
التجربة الثالثة هي تجربة حب التملك والتسلط: "ثم مضى به ابليس إلى جبل عالٍ جداً،
وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها، وقال له: "أعطيك هذا كله إن جثوت لي
ساجداً" فقال له يسوع: "إذهب عني يا شيطان! فإنه مكتوب: "للرب إلهك
تسجد، وإياه وحده تعبد". وهذه التجربة وارادة أيضاً، فإن وراء هذه الأزمة حب
المال والثروة، حب التملك وغريزة التسلط من قبل طرفي النزاع: فصدام متشبث بالسلطة
منذ أكثر من عقدين ويتصرف بثروات العراق في اشعال الحروب هنا وهناك، كما أن بوش
يقف على قمة هرم السلطة في أقوى دولة تسيطر على العالم وكالأخطبوط يريد أن يمد
أذرعه لالتهام خيرات العالم معتمداً على قوته العسكرية، وهنا يكمن فخ القوة الذي
وقعت فيه كل دول العالم الغنية التي لا تشبع ولا تقنع بل تريد أن تزداد غنى وقوة،
وبذلك ترتد عن الخالق وتتعلق بالمخلوقات، وبدلاً من الاعتماد على قوة الله تعتمد
على قوة المال والسلاح، بالرغم أنه مكتوب علىالدولار الأمريكي "بالله
نثق" ولكن يظهر بأنهم "بالمال يثقون"!
بعد هذه التحليل لأسباب ودوافع العنف والنزاعات والحروب، فإننا نجد أنفسنا
بين جنون الإنسان وتدخلات الشيطان، وكأن الله غائب عن الشاشة ولا مكان له في هذه
الساحة، لذلك أنهي بعرض موقف إلهي واضح وصريح لأنه إله سلام لا إله حرب. ففي
القراءة الأولى المأخوذة من سفر التكوين نجد الله يعد نوحاً وبنيه بعد الطوفان
بأنه لن يوقع الدمار بالأرض بعد اليوم بل يقيم عهداً معهم: "ها أنا مقيم عهدي
معكم ومع نسلكم من بعدكم، ومع كل ذي نفس حية معكم، من الطير والبهائم ووحوش الأرض
التي معكم، كل ما خرج من التابوت من جميع حيوان الأرض. وأقيم عهدي معكم، فكل ذي
جسد لا ينقرض أيضاً بمياه الطوفان، ولا يكون أيضاً طوفان ليتلف الأرض". وكانت
علامة العهد قوس القزح: "هذه
علامة العهد، الذي أنا جاعله بيني وبينكم، وبين كل نفس حية معكم، مدى الأجيال
الدهر: تلك قوسي جعلتها في الغمام، فتكون علامة عهد بيني وبين الأرض، فظهرت القوس
في الغمام، فذكرت عهدي الذي بيني وبينكم، وبين كل نفس حية في كل جسد؛ فلا تكون
المياه أيضاً طوفاناً لتهلك ذي جسد".
هذا كلام جميل رائع من الله وعهد منه مع الإنسان، ولكن يظهر بأن الإنسان
يريد أن يفرط هذا العهد وينقضه، وقد نسي قوس قزح ويريد أن يغرق الأرض ليس بمياه
الطوفان بل بطوفان الحرب والدمار والدماء. فماذا فعلنا بقوس قزح؟!
الأب رائـد عـوض أبو ساحلية