SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

ملحمـة جـلجـامـش الجـديـدة    الأحد 5/4/2003

 

يذكرني ما يحدث في العراق من مآسي بحضارة هذا البلد التي تعود إلىآلاف السنين والتي تتعرض لهجوم وحشي دون رحمة ولا وازع من ضمير. ويذكرني بملحمة جلجامش التي تعود إلى أكثر من 3500 سنة قبل الميلاد، فعدت إليها لكي أفهم ما يجري من ملاحم يسطرها الإنسان العراقي، جلجامش الجديد، في تلك الأرض العريقة كما يشير أسمها "العراق".

 

إن بطلا الملحمة هما جلجامش وأنكيدو يعملان معاً على إزالة الشر من الأرض، فيقتحمان السبل المسدودة، ويجتازان غابة الأرز الموحشة، ولا يحجمان عن اقتحام الصعاب: "سيحمي أحدنا الآخر" يخاطب جلجامش صديقه أنكيدو "وإذا ما سقطنا في النزال، فسنخلف من بعدنا إسماً خالداً". وللقضاء على العفريت (خمبابا) رمز الشر يقتسمان العمل بينهما. وعندما يرقد انكيدو طريح الفراش تنهمر الدموع من جلجامش، ويتألم جداً لأنه يرى صاحبه العزيز الذي أحبه حباً جماً يصارع الموت، وعندما مات مضى محاولاً المستحيل لانقاذ صديقه أو إرجاع الحياة إليه، فيعبر الجبال ويقطع البحار حتى يحصل على نبات الحياة الجديدة وعندما يجد النبات، يحمله ليس لأنكيدو وحده بل ليشرك بالحياة جميع الناس، رغم أن الحية سرقت النبات على ضفة النهر عندما ذهب ليشرب ويستريح.

 

إنسان جلجامش يبحث عن الخلود ويحب الحياة لا الموت: فإن وجود الموت حقيقة لا يمكن لأحد التنكر لها، وحتمية الموت مفروضة على كل إنسان، ولكن هذا الإنسان يحب الحياة ويسعى إلى الخلود حتى ولو مات، كما نرى في هذا الوصف البديع للموت: "إن الموت قاسٍ لا يرحم. هل بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد؟ وهل ختمنا عقداً يدون إلى الأبد؟ وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر؟ وهل تبقى البغضاء في الأرض إلى الأبد؟ وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام؟ والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها. ولم يكن دوام وخلود منذ القدم. وما أعظم الشبه بين النائم والميت، ألا تبدو عليهما هيئة الموت؟!"

 

للأرض والوطن منزلة رفيعة في قلب إنسان وادي الرافدين قديماً. فإن أوروك مدينة عظيمة جميلة، وضع الحكماء السبعة أسسها، أسوارها متينة وآجر بنائها من الفخار، ثلثها سكن وثلثها بساتين، والثلث الآخر لسهل الري، بالإضافة إلى المعبد. لا ريب ان وصفاً كهذا يجعلها مفخرة بين المدن القديمة. ولكي يعرف أنكيدو التمدن تقوده المرأة إلى مدينة أوروك فهي أسمى مثال للرقي والحضارة. أما تعلق بجلجامش بمدينته فشديد، لأنه ابنها وسليلها، وهي له بمثابة الميناء، والوطن، لذا كان حقه على بلاده، فنراها تكرمه وتتغنى بعظمته. وما قلناه عن أروك يمكن تعميمه على سومر وأور وأريدون وغيرها من أمهات مدن العراق المشرق القديم وأمثالها اليوم من بغداد والموصل والبصرة وكركوك وكربلاه والنجب وتكريت وبابل: "يا سومر، أيها البلد العظيم! يا أعظم بلد في العالم! لقد غمرتك الأضواء المستديمة والناس من مشرق الشمس إلى مغربها هم طوع شرائعك المقدسة، إن شرائعك سامية لا يمكن إدراكها".

 

كما أن الإنسان في ملحمة جلجامش كامل الحكمة والبطولة والجمال، إنه اجتماعي ذو أساس راسخ متين، ركناه الصداقة والتعاون، متعلق بأرضه وشعبه، يبذل الكثير في سبيل إسعاد الآخرين، ضعيف أمام الموت ولكنه يرفض مصير البشرية "أن يصير تراباً"، ويأبى أن يضطجع فلا يقوم، ولا يرضى أن تستأثر الآلهة وحدها بالحياة والخلود، لذا نراه يقارع الشر، شعاره في ذلك: "الموت في النزال خير من الموت على الفراش!"، يناضل ولا يهدأ، فالحياة عقيدة وجهاد، لا يقبل بأقل من الكشف عن لغز الحياة وسر الموت ويتساءل أبداً عن طريق النجاة فيقول: "أين الطريق؟.. أين الاتجاه إليه؟ دلني على الطريق إليه، فإذا استطعت الوصول إليه فحتى البحار سأعبرها، وإذا تعذر بلوغ مرادي فسأظل أجول في الصحاري!".

 

نكتفي بهذا القدر من الوصف لما كان عليه جلجامش في قديم الزمان، ونعود إلى يومنا هذا، ونرى بجلاء شبه اليوم الحاضر بالأمس الغابر: فشعب العراق الصامد الصابر لا يهاب الحرب والموت في وجه الشر ويسطر اليوم أعظم الملاحم التي ستدخل التاريخ من باب البطولة والخلود. إنه لا يقبل بالرضوخ والخضوع لما يقدم له تحت ذريعة الحرية والديمقراطية. وحتى لو كانت النتيجة فقدان المعركة فلا يهاب من تجشم الصعاب ومقارعة الخصم، حتى إذا اصطدم بالمستحيل، الموت، ثارت ثائرته، فيقارع الصعاب محاولاً قهر كل ما يحول دون اكتمال إنسانيته، وقربته "ملأى بالماء النقي على الدوام، وقلبه مضطرب لا يهجع حتى يحمل نبات الحياة والخلود إلى مدينته فيشرك به جميع الناس".

 

وهذا هو الفرق بين قوة الشعب الذي يدافع عن أرضه ووطنه وقوة الغزاة الذين يعتمدون على تفوقهم العسكري، ويأتون من وراء البحار يروجون لديمقراطية ستفرض بالقوة الغاشمة. وهذا هو الفرق بين حضارة عريقة جذورها ممتدة في أعماق التاريخ، وحضارة كرتونية مبنية على التقنية الحديثة المشبعة بقيم الطمع والجشع ورائحة المال والتجارة والبترول بعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية.

 

ومهما كانت النتيجة، فإن العراق سيبقى للعراقيين، ويبقى إنسان ما بين الرافدين هو الخالد أبداً، وسيظل دجلة والفرات يسيلان بين السهول والروابي ويصبان في شط العرب، لأن الغزاة العابرين بدباباتهم وطائراتهم سيمرون ويرحلون ويلعنهم التاريخ حتى ولو ربحوا معركة سطروها بدماء الأبرياء. ومهما بلغ القتل وسفك الدماء والدمار من وحشية، فإن حضارة العراق ستظل شامخة مثل النخيل الذي يعانق عباب السماء.

 

منذ آلاف السنين، والإنسان – أياً كان وأنى كان – ينشد الخلود، باحثاً عن الحياة، كإنسان جلجامش، لا توقفه إغراءات صاحبة الحانة، ولا تصده إحباطات واقع مهما قسا واحتدم، يستاءل عن الطريق، وفي الوقت عينه يسعى فيه، بانياً الحياة والخلود، فلا يضل، ولا يلجأ إلى حلول سطحية، وواقع تخديرات مشتتة، فالهدف الأسمى يستحثه، لن يرضى بأقل منه: حياة عظيمة، خالدة، أبدية. وسيبلغ الهدف، رغم الصعاب والآلام والتضحيات، فالمعاناة والتألم والبذل والسخاء والعطاء وسائل ومحفزات وتجارب حياتية، وبلوغ القمم إنما بالتعب والمراس والسعي المستمر. وسيبلغ الهدف لا محالة، فيعم الخير الكون بأسره، فلن يبق العراق والعراقيون رهن حرب وظلم المعتدين ولن يبق العالم والبشرية رهينة تجار الأسلحة وعبث العابثين. فإن الثورة تولد من رحم الأحزان، والنصر والحرية هي مصير الإنسان.

 

                                                                             الأب رائــد عـوض أبو ساحلية