|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
قيــامتــه
وقيــامتـنــا الأحد
20 نيسان 2003
لقد تعودنا أن نردد مراراً وتكراراً: ميلاده ميلادنا وفصحه فصحنا وقيامته
قيامتنا. فما معنى هذا الكلام وخاصة في هذا المقام؟
أما ميلاده فيصبح ميلادنا عندما لا يكون عيد الميلاد حدثاً عابراً
واحتفالاً من الاحتفالات، بل حدثاً شخصياً بحيث نولد لحياة جديدة ونتجدد قلباً
وقالباً، ونرجع إلى الطفولة لا بل نعيش طفولة مستمرة بما تحمل من براءة وطهارة
وبساطة وشفافية بحسب قول المعلم "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات".
أما فصحه فيصبح فصحنا عندما نعبر معه من الحزن والألم والموت إلى الفرح
والسعادة والحياة. فمعنى الفصح الانتقال من حالة إلى أخرى: من العبودية إلى
الحرية، من الظلمة إلى النور، من الليل إلى النهار، من الخطيئة إلى النعمة، من
ظلمة القبر إلى مجد القيامة.
وقيامته تصبح قيامتنا عندما لا نيأس ولا نفقد الأمل بل ننهض بعد السقوط
ونكافح من أجل النجاح بعد الفشل ونستبدل الكسل بالعمل، ونؤمن إيماناً يقيناً بأننا
أبناء الحياة التي تتجدد مع إشراقة شمس كل يوم جديد، فمثل هذه الحياة مغامرة
مستمرة وسعي إلى المستقبل بدلاً من البقاء في وحلة الماضي.
إن هذا اليقين نابع من إيماننا الوطيد بأن السيد المسيح لم يبق رهينة الموت
بل انتصر بقيامته على الموت وفتح لنا بذلك الأمل بالحياة الظافرة، فلم يكن للموت
عليه من سلطان، كما يقول الكتاب: "قد ابتلع النصر الموت، فأين يا موت نصرك؟
وأين يا موت شوكتك؟ إن شوكة الموت هي الخطيئة، وقوة الخطيئة هي الشريعة. فالشكر
لله الذي آتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح".
بموته وقيامته، كشف السيد المسيح سراً من أسرار حياة الأفراد والجماعات
والشعوب: طريق المجد يمر عبر طريق الآلام. ألم ينبثق نور المسيح القائم من وسط
ظلمة القبر؟... هذه سنة الحياة وسنة التاريخ.
إن هذا اليقين يفتح لنا باب الأمل بأن الشدائد والصعوبات التي نمر بها ليست
أبدية ولن يكون لها الكلمة الآخيرة بل هي مرحلة مؤقتة لا بدَّ منها وستنتهي لا
محالة، لا بل أنها ضرورية لأن الألم يصهرنا وينقينا كما تصهر النار الذهب فتجعله
أكثر نقاءً ولمعاناً وقيمة. فإن الصعاب هي مصانع الرجال، أليس كذلك؟
إن شعبنا الذي يرزح تحت حراب الاحتلال من عقود لا يفقد الأمل لأنه يعلم علم
اليقين بأنه على حق ويطالب بالعدالة والانصاف، فما يعانيه من عذابات وما يدفعه من
دماء هي ضريبة الحرية المرجوة. وإن قيامة السيد المسيح تشحذ همتنا إلى مواصلة
الطريق الصاعدة نحو الجلجلة وارتقاء صليب الفداء لنيل الخلاص من الظلم واستعادة
الحقوق السليبة. فالألم والموت ليس نهاية المسيرة وإن كانت كأسه مريره فإن للمجد
والخلود الكلمة الأخيرة.
قد يقول البعض بأن هذا كلام جميل يبعث على الأمل ويشحذ الهمم ولكن إلى متى؟
وقد يتساءل البعض عن موعد النهاية السعيدة لهذا المسلسل الدرامي ذو الأحداث
الدموية؟ ونقول، صبراً يا اخوان، فلا بد من نهاية لهذه الأحزان، وإن شاء الله
ستكون قريبة الأوان، فهي أكيدة مهما طال الزمان! فمن كان يحلم بنهاية الشيوعية في
الاتحاد السوفيتي بعد سبعين سنة من القبضة الحديدية؟ ومن كان يفكر بانهيار سور
برلين وقد تم ذلك في ليلة وضحاها؟ ومن كان يعتقد بأن زوال نظام التمييز العنصري في
جنوب أفريقيا ممكن بعد أكثر من قرن من النضال؟ وأخيراً، من كان يصدق بسقوط نظام
صدام في العراق بعد ربع قرن من الظلم والطغيان؟ والحبل على الجرار! فهذا هو الدرس
الذي نتعلمه من التاريخ، بأن لكل بداية نهاية، وأن الظلم لا يدوم، وأن الغلبة للحق
وليس للقوة، ومن كان واقفاً فليحذر من السقوط، فسيكون سقوطه عظيماً.
إذن، في وسط دوامة الألم والمعاناة، نقف لنصغي إلى صوت الأمل والحياة. ومن
وسط دوامة الألم والمعاناة نوجه إلى العالم أجمع رسالة الأمل والحياة. وننتظر
اليوم الذي نستطيع فيه أن نجلس على مائدة الشعوب لنساهم في صنع الحياة، لنا ولغيرنا
وللعالم أجمع. هذا هو قدرنا وهذه هي رسالتنا. من وسط دوامة الألم والمعاناة نرفع
رؤوسنا شامخة ونصرخ عشقنا للحياة، لأننا أبناء الحياة ونؤمن بالحياة.
قيامته الأكيدة هي عربون قيامتنا العتيدة بإذن الله، فما من شيء يعجز الله،
فإنه على كل شيء قدير! فنحن على موعد مع الفجر، على موعد مع الحياة والحرية
والقيامة.
لا تخافوا يا اخوتي. الألم ميلاد، ميلاد المؤمن، ميلاد الجماعات، ميلاد
الشعوب. نعم... قيامته قيامتنا. والمجد لك، أيها المسيح الذي حطم قيود الموت
وانطلق ظافراً من الأعماق.
الأب رائـد عـوض أبـو ساحلية