|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الظروف صعبة على الجميع ولكنها أصعب على أعزائنا كبار السن والعجزة وذوي
الحاجات الخاصة، وذلك لعدم توفر أي نوع من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي أو
التقاعد، مما يجعلهم تحت رحمة أولادهم الذين يكونون عادة في حالة من العوز بسبب
البطالة أو مسؤوليات إعالة عائلاتهم. إننا نعيش في دائرة مفرغة من الفقر المتزايد
يوماً بعد يوم.
وبما أن لكبارنا في السن دين علينا بسبب ما قدموه من أجلنا طوال حياتهم من
تضحية وتعب وشقاء من أموالهم وصحتهم وعرق جبينهم، فإنه من الواجب التفكير بهم لكي
نعوضهم عن ذلك بعرفان الجميل أولاً ولكن بعناية مادية ونفسية وجسدية تضمن لهم
شيخوخة كريمة هانئة خاصة لهؤلاء الذين يعانون من الأمراض المستعصية أو الهرم
والشيخوخة المتأخرة مما يتطلب عناية خاصة كثيراً ما تكون صعبة ومرهقة. فما هو
العمل؟!
لا أشك بأن مجتمعنا ما زال بخير، والحمد لله، لأن الترابط الأسري موجود وهو
من القيم الأساسية وخاصة في القرى، ولكني ألاحظ تزايد ظاهرة عيش الكثير من المسنين
في بيوتهم لوحدهم وقد تكون في كثير من الأحيان غير صحية تفتقر إلى النظافة، وبسبب
قلة مصادر الدخل وحتى انعدامه فإنهم يعيشون حياة فقيرة بكل معنى الكلمة، وبسبب قلة
من يزورهم فإنهم يعانون من وحدة قاتلة وكثيراً من يتعرضون لأزمات نفسية حادة أو
الاصابة بالجلطات التي تودي بحياتهم وأحيان يموتون على أسرتهم دون أن يشعر بهم
أحد.
وهنا أتساءل ما هو الحل؟ ومن هو المسؤول؟ لا شك بأن المسؤولية الأولى تقع على
عاتق الأهل وخاصة الأولاد والبنات، وهي مسؤولية الدولة إن وجدت وخاصة وزارة الشؤون
الاجتماعية، وقد تكون مسؤولية الجمعيات الخيرية والنوادي التي تهتم بكبار السن،
وقد تكون مسؤولية الكنائس والجوامع والمؤسسات الدينية لأنها تجسد مبدأ الرحمة
بالعناية بالمرضى والعجزة والفقراء والمحتاجين... ولكن من المستحيل تغطية كل
الحالات وتلبية كل الحاجات في الظروف الراهنة لأننا نمر بظروف استثائية حيث الأمور
غير مستقرة ولا يوجد المؤسسات الكفيلة بمثل هذه العناية لأن الحاجات الطارئة
متزايدة.
ومع ذلك فإن هناك الكثير من المؤسسات الاجتماعية والهيئات الدينية التي
أخذت على عاتقها العناية بهذه الحالات الانسانية، إذ أن الكثير من ملاجيء العجزة
متوفرة وخاصة في مدينة القدس، ولكن العقلية السائدة ترفض إرسال المسنين إلى مثل
هذه المؤسسات إلا إذا استعصى الأمر وكان الحل الأخير لتأمين بعض من تقطعت بهم
السبل ولم يبق من أهلهم من يعتني بأمرهم. وهنا نسجل أصدق آيات الاعجاب والاحترام
والتقدير لكل العاملين في هذا المجال الانساني من الطراز الأول لأن الرسالة التي
يقومون به صعبة جداً ورائعة جداً.
أطرح هذا الموضوع للتفكير والنقاش لسببين: الأول أني تأثرت في المدة
الأخيرة لموت إحدى المسنات على سريرها لوحدها في غرفتها المنعزلة بعيداً عن الأهل،
كما وموت أحد المسنين حرقاً وهو يستدفيء أمام مدفأة الغاز ولم يجد من يسعفه ولا
حتى زوجته المريضة أيضاً والطاعنة في السن. والثاني أني سأستضيف في رعيتي مجموعة
من المسنين الذين سيأتون لقضاء يوم الأحد في قريتنا ويحضرون قداس الأحد ويلتقون مع
غيرهم من المسنين حيث سيقدم لهم الطلاب بعض الفقرات الفنية المسلية ووجبة الغداء
وذلك لكي يخرجوا من جو الملجأ الذي يعيشون فيه ليل نهار.. وهنا أغتنم الفرصة لأطرح
بعض الأفكار الابداعية التي يمكن الأخذ بها على مستوى الحارة أو القرية أو
المدينة:
يمكن تكليف بعض الطلاب الكبار بالسن بمتابعة
العناية بعائلة من المسنين بحيث يصبحون "ملائكتهم الحراس" ويزورونهم ولو
مرة واحدة في الأسبوع ويقموا لهم بعض الخدمات مثل تنظيف البيت أو تحضير الأكل أو
شراء الدواء أو مرافقتهم في نزهة أو زيارة للأصدقاء أو احضارهم للصلاة.. إن هذه
المبادرة البسيطة تخلق حساً بالمسؤولية وتزرع روح التطوع عند الشباب والشابات
وتشعرهم بأنهم يمكن أن يقدموا شيئاً مفيداً للآخرين.
يمكن فتح بيت للعناية النهارية للمسنين بحيث
يحضرون يومياً أو في بعض الأيام من الأسبوع ويجدون من يهتم بأمرهم ويحضر لهم وجبة
ساخنة ويوفر لهم العناية الطبية ووسائل الراحة والترفيه والتسلية، مما يخرجهم من
جو العزلة والوحدة ويتيح لهم مكان لقضاء الوقت وتبادل الحديث مع أصدقاء الطفولة،
كما يشجع روح التطوع بين الشباب والشابات وخاصة النساء اللواتي يمكن أن يتبرعن بجز
من وقتهن للاشراف والخدمة.
إن مثل هذا المشروع يمكن أن يتحول أيضاً إذا
اقتضت الحاجة إلى بيت للمسنين بحيث يكون عددهم قليلاً ويفر لهم العيش معاً في نفس
اطار الحارة أو القرية أو المدينة ولا يسلهخم عن محيطهم وأهلهم. وهنا ينبغي توفر
عناية مستمرة من قبل موظفين عندهم الرغبة والموهبة في الخدمة ولكن أيضاً يفتخ
المجال للتعاون والتضامن والتطوع بين من يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك والوقت
الكافي ولو كان بسيطاً. بطبيعة الحال، يتطلب الأمر ميزانية سنوية لادارة مثل هذا
المشروع، وهنا نقول بأنه ينبغي الثقة بالعناية الإلهية فالله الذي يعتني بالطيور
وزنابق الحقول قادر على توفير ما هو ضروري لمثل بيوت الرحمة هذه فأهل الخير
كثيرون، لا بل أن مثل هذه الخدمة تحفز الكثيرين على التبرع ومد يد العون دون تردد
لأنهم سيكونون على ثقة بأن أموالهم تصرف لأهداف نبيلة.
وأنهي حديثي هذا بدعوة من القلب بأن يصار على
التفكير بهذه الموضوع في الدوائر الرسمية المعنية بالأمر، وأن لا يؤجل لما بعد لأن
الحاجة ملحة وضرورية. كما أنه ينبغي العمل على وضع نظام حديث للضمان الاجتماعي
والتأمين الصحي للمسنين يشمل الجميع دون تمييز، فلا تتحول فترة الشيخوخة إلى
مرحلة مرارة للمسنين ولأهلهم الذين
لا يتمكنون العناية بهم لضيق الحال، فمن حق الإنسان الذي يتعب ويشقى في شبابه
ورجولته أن يرتاح في شيخوخة ويمون قرير العين. فكما يقول المثل "الدهن في العتاقي"
أي أن هؤلاء هم كنز ما ضينا وذخر مستقبلنا فلا ينبغي أن يتحولوا إلى هم أو عبء على
أنفسهم أو على غيرهم بل يعيشوا هذه المرحلة من حياتهم بملئها بكل الفخر والاعتزار
والفرح والارتياح.
وهنا أذكر السيد المسيح الذي كان يشفق على
المرضى فيجول في القرى والمدن يفعل الخير ويشفي المرضى ويطرد الشياطين ويبريء
إلإنسان من كل مرض وعله، هو الذي انحنى على حماة بطرس المحمومة فمد لها يدها
وأنهضها فتعافت فقامت تخدمهم. وإن الكنيسة تسير على خطى المسيح في هذا المجال
وتحاول تخفيف الآلام والوحدة بفتح المستشفيات والمياتم والملاجيء وتخدم أفقر الفقر
وترى وجه سيدنا يسوع المسيح في شخص كل إنسان وخاصة المحتاجين والفقراء والمرضى
والمسنين "فكل ما فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الصغار فلي قد فعلتموه".