|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
لا خـارطـة ولا طـريــق! الأحد 25/5/2003
لست متشائماً بل واقعياً لأني أطلقت هذاالتصريح الخطير في
الوقت الذي يراهن فيه الكثيرون على وجود خارطة للطريق ستوصل خلال سنتين إلى حل
النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وإقامة الدولة المستقلة. وعندي من الأسباب والدوفاع
التي تؤيد ما أقول:
إن الناظر إلى الواقع يرى
بوضوح بأن الخارطة الجغرافية لفلسطين التاريخية قد تقلصت وتشرذمت وها هي تتشتت
وتتلاشى، فبعد النكبة فقدنا 78% من الأرض وهدمت مئات من القرى التي لم يبق لها
وجود، وبعد النكسة فقدنا ما تبقى واستبيح الكل وتقطعت الأوصال بمصادرة الأراضي
وتجريف الممتلكات وزرع المستوطنات كالخلايا السرطانية التي تتكاثر وتتوسع يوماً
بعد يوم، وشق الطرق الإلتفافية.. وآخر صرعة ما يتم إقامته من جدار واقٍ أو فاصل
أكل ويأكل آلاف الدونمات فارضاً حقائق جديدة على أرض الواقع.. إن كل هذا شوه خارطة
فلسطين وجعل أي حل غير جذري بالرجوع إلى حدود الرابع من حزيران 1967 خلق لدولة
مقطعة الأوصال دون تواصل جغرافي سيصعب على طلابنا رسم خارطتها لأنها ستكون بلا "منظر
ولا محضر" بل جزرأ معزولة متباعدة. إن هذا الوصف سيجعل مسألة حل قضية
الإنسحاب والحدود والمستوطنات والقدس من المسائل المعقدة جداً لا بل من المتاهات
المحيرة التي سيصعب حلها.
وإن الناظر إلى الأراضي
المحتلة حالياً يعرف بجلاء مدى صعوبة الحركة بسبب الحواجز العسكرية واغلاق الطرق
وتجريفها مما حول كل قرية ومدينة ومخيم إلى سجن كبير معزول. فإذا كانت الطرق مغلقة
فإن سبل العيش تكون معقدة، فكيف يمكن أن نسير على طرق شاقة وشائكة؟ حقاً إنها طرق
وعرة متعرجة صاعدة معقدة، وهذا يدل على صعوبة الطريق التي ينبغي سلوكها. فإذا
انعدمت الخارطة وإذا تعقدت الطرق فإن المسيرة تتعطل. وهنا استحضر لعبة
"الأسهم والكنز" التي يلعبها الكشاف، فإنهم باتباعهم للأسم والتعليمات
التي يجدونها في الطريق يصلون إلى الكنز المخفي، وتجدهم يتسابقون في ذلك وينجحون
في اتمام المهمة بالسرعة الممكنة. أما في حالتنا فإننا لا نعرف نقطة البداية ولا
نتسابق على سلوك الطريق واتباع الأسهم واحترام التعليمات وأخشى بأننا لن نصل إلى
نهاية الطريق، إلى الكنز الكبير الذي يسعى الجميع إليه أي تحقيق السلام المنشود.
وحتى لا نبقى في هذه المتاهة
بلا خارطة وبلا طريق، فإنه من المفروض أن تتوضح الأمور:
1)علىالطرفين القبول بالخارطة
المرسومة (الإنسحاب إلى حدود 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية عليها) واتباع الطريق
المؤدية إلى تحقيق هذا الهدف (إيقاف العنف، العودة إلى طاولة المفاوضات، تنفيذ
الاتفاقيات دون مماطلة ولا تأخير، بناء جسور الثقة بمبادرات حسن نية).
2)على الدول العظمى مساعدة
الطرفين لا بل إلزامهما باحترام المراحل التدريجية وذلك عن طريق إنشاء هيئة رقابة
عليا لا بل أداة تنفيذ ملزمة، لأن ترك الأمور على عاتق الطرفين فقط سيجعلهما
يغرقان في التفاصيل المملة التي ستعيق الحركة إلى الأمام وإضاعة الوقت وتكرار مأزق
اتفاقيات أوسلو الذي فشل لعدم لمس ثمار السلام.
3)إن سياسة الخطوة خطوة
واستحقاق المراحل خطيرة جداً، لذلك من الأفضل تقصير المسافات واختصار المراحل
"فخير البر عاجله" فبما أن نقطة الوصول معروفة فلماذا المماطلة أو
التأجيل؟ كما أنه من صالح الطرفين أن تنتهي اللعبة بأسرع وقت ممكن ومرة واحدة
وللأبد خوفاً من اليأس والملل والتعب وتحاشياً للعقبات والمفاجئات والكثير من
المنغصات التي قد تحدث في الطريق.
4)إن الخارطة بصيغتها الحالية
صعبة التنفيذ لأنها تتطلب من كل طرف من الطرفين مسؤوليات وواجبات تكون في كثير من
الأحيان تعجيزية ومستحيلة، لذلك لا بد من وضع آلية تنفيذ إلزامية تفرضها المجموعة
الدولية على أن تكون عادلة وفعالة، وهنا قد نصطدم بإرادة القيادة السياسية من جهة
وموافقة الشعب من جهة أخرى، لذلك لا بد من موافقة القيادة السياسية على هذه الآلية
ومن ثم يتبع الشعب عندما يرى أن الأمور تتقدم إلى الأمام وتأتي بثمار تحسين الحياة
اليومية والحالة المعيشية.
ولأن هذه الأفكار جيدة
وجميلة ولكنها طوباوية، فإني لست مقتنعاً بتوفر القيادة السياسية، سواء الدولية أو
الإسرائيلية والفلسطينية، القادرة على تطبيق خارطة الطريق التي أعلنتها اللجنة
الرباعية، فإني أرى بأنها ستظل حبراً على ورق للأسف الشديد، وبأن الوقت سيمر سدى
والجهود ستبذل هباء، فإنني أدعو إلى اختراق سريع، يقلب كل شيء رأساً على عقب ويحدث
نقلة نوعية في هذا الجدل البيزنطي العقيم، ويتلخص بالعودة إلى بدء الصراع والرجوع
إلى خارطة فلسطين التاريخية التي نعرفها جميعاً ونستطيع أن نرسمها عن ظهر قلب،
ونتبع طريقاً سهلة بسيطة ونقول للعالم، بأن الأرض كلها لله، وإن الأرض واسعة، وبما
أن إرادة الله شاءت أن نكون هنا على نفس هذه الأرض فلماذا نجزئها ونقطع أوصالها
ونتناحر عليها، فإنها تكفي لجميع سكانها وأبنائها، ولنعلنها "أرضاً واحدة
لشعبين وثلاث ديانات" ونقيم "دولة واحدة لشعبين" وتكون الشريعة
السائدة هي المساواة الشاملة والكاملة دون تمييز لدين أو عرق أو جنس أو لغة أو لون
أو رأي أو طبقة إجتماعية.
وسيقول الجميع إن هذا الحل
أكثر تعقيداً مما سبق لا بل مستحيل التطبيق، وأقول بأنه بسيط وممكن التحقيق إذا
توفرت الإرادة الصالحة والنية الحسنة وإذا تم الاتفاق على المبدأ الأساسي
فالتفاصيل اللاحقة تتبع. فالمهم في هذا الطرح أنه يجعل من فلسطين التاريخية وحدة
جعرافية وتاريخية وديمغرافية ونموذجاً رائعاً في العيش المشترك بين الديانات
والحضارات ومركزاً للإشعاع الديني والإنساني.
وهذا
ما تقترحه جمعية تم تأسيسها في 15 ابريل 2003 في سويسرا من قبل يهود ومسيحيين
ومسلمين تهدف إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين / إسرائيل تضمن
حقوقاً وواجبات متساوية لكل مواطنيها بدون أي تمييز على
أساس الدين أو الجنس أو الجنسية أو العرق أو اللغة.
وقد نص نظامها (أنظر النص في: http://go.to/samipage ) على ضرورة إحداث تغييرات
جذرية في النظام القانوني الحالي لضمان تلك المساواة واحترام مبدأ عدم التمييز.
ومن بين تلك التغييرات:
-
توحيد الأنظمة القضائية والقانونية استناداً على مبدأ فصل الدين عن الدولة. وهذا
يتضمن إلغاء جميع المحاكم والقوانين الدينية، خصوصاً في مجال قانون العائلة، وخلق
محاكم مدنية، وتبني قانون عائلة موحد يحترم مبدأ عدم التمييز، وإنشاء سجل مدني،
وتنظيم زواج مدني إلزامي مع إمكانية إقامة مراسم دينية لاحقة.
-
إنشاء نظام تعليمي يضمن اندماج كل مواطنيه. وهذا يتضمن إنشاء مدارس حكومية
ابتدائية وثانوية وعليا موحدة وبرامج تعليمية تحترم مبدأ عدم التمييز، مع أمكانية
تأسيس مدارس خاصة، بشرط أن تحترم مبدأ عدم التمييز.
-
اتخاذ إجراءات لدمج المواطنين بهدف المصالحة بين الجماعات المختلفة. وتتضمن هذه
الإجراءات إنشاء مقابر موحدة يحق لأي شخص أن يدفن فيها، مع إمكانية إقامة مراسم
دينية خاصة، وفتح المقابر الدينية الحالية بحيث يحق لأي شخص أن يدفن
فيها مهما كانت ديانته، وذلك أخذاً بمبدأ عدم التمييز.
هذا
ولم يمضي على تأسيس هذه الجمعية أكثر من شهر واحد حتى أصبح عدد أعضائها 130 عضوا.
وكل يوم ينضم إليها أعضاء جدد. وهذا يثبت أن إقامة دولة واحدة في فلسطين / إسرائيل
هو السبيل الوحيد للوصول للسلام في المنطقة ولإنهاء حلبة الصراع الذي يعصف بمئات
القتلى وآلاف الجرحى الأبرياء من الجانبين.