SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

السلاح الأخير في معركة السلام      الأحد 1/6/2003

 

أنهينا بالأمس شهر أيار المخصص لإكرام سيدتنا مريم العذراء بصلاة السبحة الوردية، وقد كان لها في هذه السنة طابعاً خاصاً لأن قداسة البابا قد أعلن هذه السنة "سنة الوردية" وطلب من جميع المسيحيين أن يخصصوا صلواتهم من أجل السلام ومن أجل العائلة، فقد ورد في رسالته حول "مسبحة العذراء مريم":

- أحداث تاريخية مهمة في العالم استدعت إعادة الاهتمام بصلاة الوردية. وأولها استدعى الطلب الملح من الله لكي يهبنا نعمة السلام. لذلك عرضت الوردية على أنها "صلاة من أجل السلام".

- أحداث 11 سبتمبر وما خلفته في العالم، جعلت من عملية استكشاف الوردية تعني الغوص والتأمل في سرّ ذاك الذي هو "سلامنا" و"الذي جعل من الجماعتين جماعة واحدة".

- لا يمكننا أن نتلو الوردية دون أن نشعر أنفسنا ملتزمين بشكل خاص لخدمة السلام، وبالذات أن يكون عندنا اهتمام خاص نحو أرض يسوع، التي لا تزال تتألم، ولها معزة خاصة في قلوب المسيحيين.

 

وقد كرر قداسة البابا هذا الطلب يوم الأحد الماضي في ساحة القديس بطرس أمام جموع غفيرة من المؤمنين، وذكر بشكل خاص الأرض المقدسة: "بالرغم من العنف الشديد الذي يعصف في العالم ويغضب الله ويشوه وجه الإنسان، نطلب من الله أن يؤدي البحث عن حلول عادلة عن طريق الحوار إلى التوصل للسلام والوفاق بين الشعوب".

 

هذه الأفكار النابعة من قداسة البابا تدل على مدى اهتمامه البالغ بما يحدث في الأرض المقدسة التي يسميها "أرض يسوع" ومدى رغبته في أن يتحقق فيها السلام المنشود، لذلك فإنه يرى بأن السلام لا يتحقق عن طريق العنف والحرب، بل باستخدام طرق السلام، كما أنه يرى بأن البشر عاجزون عن تحقيق السلام بقواهم الشخصية والبشرية دون العون الإلهي، فهو يدعو إلى استخدام السلاح الأقوى، أي سلاح الصلاة.

 

وهذا ليس غريباً على المسيحيين الذين تعودوا اللجؤ إلى الله بشفاعة سيدتنا مريم العذراء في كل شدة وضيق، وخاصة وقت الحروب، فأثناء الحرب العالمية الأولى، يوم 13 أيار سنة 1917، ظهرت السيدة العذراء في مدينة فاطمة البرتغالية  لثلاثة أطفال وطلبت منهم أن يصلوا المسبحة الوردية كل يوم: "صلوا المسبحة الوردية كل يوم لكي تحصلوا على السلام في العالم ونهاية الحرب". واستمرت في الظهور لهم ست مرات في الثالث عشر من كل شهر، وفي أحد الظهورات قالت أيضاً: "استمروا في صلاة المسبحة كل يوم لتكريم سيدة الوردية لكي تحصلوا على السلام في العالم وعلى نهاية الحرب، لأن سيدة الوردية وحدها القادرة على مد يد المساعدة". وبالفعل فما انتهت سنة 1917 حتى انتهت الحرب العالمية الأولى، ففي ظهورها الأخير بتاريخ 13 تشرين أول قالت للأطفال: "أنا سيدة الوردية، أريد أن يواصل الجميع وبشكل دائم على صلاة المسبحة كل يوم".

 

إذن فإن صوت قداسة البابا هو صدى لصوت السيدة العذراء، وما زال النداء ساري المفعول، فبعد أن لجأ البشر لجميع أنواع الأسلحة في حروبهم الدموية، فإنهم استنفذوا كل الطرق والوسائل لأحلال السلام في العالم، لذلك فإن السلاح الأخير والوحيد والأكثر فعالية هو سلاح الله، كما يقول لنا القديس بولس في نص رائع جميل من رسالته إلى أهل أفسس: "وبعد فتقووا في الرب وفي قدرته العزيزة، تسلحوا بسلاح الله لتستطيعوا مقاومة مكايد إبليس، فليس صراعنا مع اللحم والدم، بل مع أصحاب الرئاسة والسلطان وولاة هذا العالم، عالم الظلمات، والأرواح الخبيثة في الجو، فخذوا سلاح الله لتستطيعوا أن تقاوموا في يوم الشر وتظلوا ثابتين وقد تغلبتم على كل شيء".

 

ويدلنا القديس بولس على أنواع الأسلحة التي يجب أن نتسلح بها: "فانهضوا إذن وشدوا أوساطكم بالحق، والبسوا درع البر وشدوا أوساطكم بالحمية لاعلان بشارة السلام، واحملوا ترس الإيمان في كل حال، فبه تستطيعون أن تخمدوا جميع سهام الشرير المشتعلة. اتخذوا لكم خوذة الخلاص وسيف الروح، أي كلمة الله". وينهي كلامه بالحث على الصلاة: "أقيموا كل حين أنواع الصلاة والدعاء في الروح، ولذلك تنبهوا وأحيوا الليل مواظبين على الدعاء لجميع القديسين".

 

وكان القديسين بولس قد حث في موقع آخر في رسالته إلى تلميذه طيموطاوس على الصلاة من أجل الملوك وسائر ذوي السلطات لأن بأيديهم الحل والربط: "فأسأل قبل كل شيء أن يقام الدعاء والصلاة والابتهال والشكر من أجل جميع الناس، ومن أجل الملوك وسائر ذوي السلطة، لنحيا حياة سالمة مطمئنة بكل تقوى ورصانة، فهذا أمر حسن عند الله مخلصنا". ويضع شروطاً محددة لكي تكون الصلاة مقبولة: "فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان، رافعين أيدياً طاهرة، من غير غضب ولا خصام".

 

وأخيراً، فإن القديس يعقوب الرسول يؤكد على قوة الصلاة وفعاليتها: "ليصل بعضكم لبعض، لأن صلاة البار تعمل بقوة عظيمة، فقد كان إيليا بشراً مثلنا فصلى طالباً بإلحاح ألا ينزل المطر، فلم ينزل على الأرض ثلاث سنوت وستة أشهر، ثم عاد إلى الصلاة، فأمطرت السماء وأخرجت الأرض غلتها".

 

خلاصة القول: إذا كنا قد استعملنا كل الأسلحة البشرية ولم نتوصل إلى نتيجة سوى القتل والدماء والدمار وزيادة الحقد والبغض والكراهية، فلماذا لا نلجأ إلى السلاح الأكثر فعالية والأقل كلفة وتدميراً، أي سلاح الصلاة وخاصة صلاة المسبحة الوردية بشفاعة أمنا مريم العذراء، طالبين منها السلام لبلادها: "يا بنت هذه البلاد وأم سائر العباد، الشر قد طغى وزاد فامنحي السلام".

 

ويمكننا أن نتوجه بالخصوص إلى سيدتنا مريم العذراء "سلطانة فلسطين" بالصلاة المشهورة التي نرددها مراراً وتكراراً: "نلتمس منك أن تلقي نظرة عطوفاً على هذه البلاد الفلسطينية التي تخصك أكثر من سائر البلاد، لأنك باركتها بميلادك فيها، وبفضائلك وأوجاعك، ومن هذه البلاد منحت الفادي العالم... فاسهري إذن بعناية فريدة على وطنك هذا الأرضي وبددي عنه ظلمات الضلال والظلم وامنحيه السلام".

                                                                    الأب رائــد عــوض أبـو سـاحليـة