SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

مـوقـف الفـاتيـكان المشـرف    الأحد 8/6/2003

 

يتساءل الكثيرون عن موقف الكنيسة الكاثوليكية من الصراع الحالي في الشرق الأوسط وخصوصَا موقف الفاتيكان والكنائس الأمريكية الكاثوليكية، خاصة وأن هناك اعتقاد بالغموض أو الجهل أو عدم الصراحة والشجاعة، مما يدفع إلى اتهامها بالتحيز لإسرائيل أو الأصولية على غرار بعض المسيحيين البرتستنت الأمريكيين، أو الخوف من اتخاذ موقف صريح واعلانه خشية من الاتهام بمعاداة السامية، هذه التهمة التي تلصق بكل من يجرؤ بالحديث من قريب أو بعيد عن اليهود أو عن إسرائيل.

 

لا أريد الدفاع عن موقف الكنيسة ولكن لا بد من توضيح الأمور، وسأفعل ذلك من خلال موقفين صدرا مؤخراً: الأول عن الفاتيكان لدى استقبال قداسة البابا لسفير إسرائيل الجديد عوديد بن هور الذي قدم أوراق اعتماده في الثالث من حزيران، فماذا قال له البابا يوحنا بولس الثاني؟ إن خطاب الترحيب يبين بوضوح المعرفة العميقة لمجريات الأحداث والموقف الصريح للكرسي الرسولي والالتزام بالعمل من أجل السلام.

 

فقد عبر البابا عن التزام الكنيسة بالعمل من أجل السلام في العالم وخاصة في الأرض المقدسة: "إن حضورك اليوم شهادة على رغبتنا المشتركة للعمل لبناء عالم ينعم بالسلام والأمان، ليس فقط في إسرائيل والشرق الأوسط، بل في جميع أنحاء العالم ولجميع الشعوب في كل مكان".

 

وقد شدد على دور المجتمع الدولي في تحقيق هذه المهمة: "إننا لا نقوم بهذه المهمة لوحدنا بل بمساعدة المجتمع الدولي، وخاصة في هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، فالعائلة البشرية تشعر بالحاجة الملحة لتجاوز العنف والإرهاب والقضاء على التعصب وعدم التسامح، والدخول في عصر جديد من العدل والمصالحة والتناغم بين الأفراد والجماعات والأمم".

 

الحاجة للسلام أكثر ألحاحاً في الأرض المقدسة: "لا يوجد مجال للشك بأن الشعوب والأمم لها الحق بالعيش في أمان. ولكن يقابل هذا الحق واجب أساسي وهو احترام حقوق الآخرين. لذلك، فكما أن العنف والإرهاب لا يمكن أن يكونا مقبولين لتحقيق المكاسب السياسية، كذلك الأمر فالرد على العنف بالعنف لا يمكن أن يؤدي إلى سلام عادل وشامل. لا بد من التنديد بأعمال العنف والإرهاب لأنها جرائم بحق البشرية. لكل دولة الحق بالدفاع عن نفسها ضد الإرهاب ولكن يجب ممارسة هذا الحق من خلال احترام الحدود الأخلاقية والقانونية للغايات والوسائل".

 

ويعبر البابا عن دعمه للحل القائم على دولتين مستقلتين: "على مثال أعضاء الجماعة الدولية الآخرين، فإن الكرسي الرسولي مقتنع بأن هذا الصراع سيحل فقط من خلال اقامة دولتين مستقلتين ذات سيادة. وكما قلت سابقاً لأعضاء السلك الدبلوماسي: "إن الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني مدعوان للعيش جنباً إلى جنب، ويتساوان بالحرية والسيادة والاحترام المتبادل. فمن الضروري أن يظهر الجانبان علامات واضحة لتصميمهما لتحقيق هذا التعايش السلمي".

 

ويؤكد البابا على ضرورة معالجة جميع القضايا العالقة: "من الطبيعي أن يتم التعامل مع جميع القضايا والصعوبات بطريقة عادلة وفعالة: مسائل اللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات الإسرائيلية، على سبيل المثال، معالجة مسألة الحدود وتحديد وضع أقدس الأماكن المقدسة في مدينة القدس يجب أن تكون موضع حوار مفتوح ومفاوضات صادقة. لا ينبغي اتخاذ أي اجراء أحادي الجانب... ولا ينبغي أن يؤدي أي فشل لاحباط الجانبين أثناء الحوار والمفاوضات".

 

وقد استرجع قداسته التذكير بالاتفاق الأساسي بين الفاتيكان ودولة اسرائيل الذي تم التوصل إليه قبل ثمان سنوات وأقيمت بموجبه علاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل والكرسي الرسولي، وطالب باحترام بنوده وخصوصاً مسألة حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من عدم الحصول على تأشيرات الدخول والإقامة حتى بين رجال الدين وخاصة العرب منهم، ناهيك عن عدم قدرة الكثيرين من الوصول إلى الأماكن المقدسة حتى أثناء الأعياد: "إني مسرور بأن اتفاقاً قريباً يمكن التوصل إليه يتعلق بالمسائل المالية والاقتصادية، ولكن أملي بأن يؤدي هذا الجو من التعاون والصداقة إلى معالجة الصعوبات الأخرى التي يواجهها المؤمنون الكاثوليك في الأرض المقدسة بشكل يومي. الكثير من هذه المشاكل، مثل وصول المسيحيين إلى الأماكن المقدسة، عزل وآلام الجماعات المسيحية، تناقص عدد المسيحيين بسبب الهجرة، كلها مرتبطة بشكل أو بآخر، بالصراع الحالي الذي لا ينبغي أن يحبط مساعينا الآن للعمل على إيجاد حلول لمواجهة هذه التحديات".

 

وقد ختم قداسته خطابه بتذكر رحلة الحج إلى الأرض المقدسة التي قام بها أثناء اليوبيل الكبير لعام ألفين، وقال بأنها كانت: "رحلة حج مبنية على الأمل بأن القرن الحادي والعشرين سيقود إلى مزيد من التضامن بين شعوب العالم، مقتنعين بأن النمو والعدالة والسلام لن تتحقق إلا إذا حصل عليهاالجميع".

 

كان بودي أن أعرض لموقف الكنائس الكاثوليكية الأمريكية من خلال الرسالة التي بعثها رئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك للرئيس جورج بوش قبيل رحلته إلى الشرق الأوسط لحضور قمتي شرم الشيخ والعقبة، ولكني أترك الأمر لحديث الأحد القادم، وأتوقف هنا مع بعض الملاحظات الختامية على ما ورد سابقاً من موقف الفاتيكان:

-    متابعة الكرسي الرسولي لمجريات الأحداث أولاًً بأول من خلال التقارير التي ترفع إليه عن طريق القاصد الرسولي المقيم في القدس، وعن طريق الكنائس الكاثولكية في الأرض المقدسة وخاصة غبطة البطريرك ميشيل صباح. ولم يبق البابا مكتوف الأيدي فقد عبر عن قلقه أكثر من ثمانين مرة خلال السنوات الثلاث الماضية وطلب الصلاة من أجل السلام وأرسل المبعوثين وقام بالكثير من المبادرات خاصة أثناء أزمة حصار كنيسة المهد.

-    هناك مواقف أساسية لا تتغير تقوم على أساس الشرعية الدولية، الحل عن طريق الحوار والتفاوض، ايجاد حل لقضية القدس والأماكن المقدسة، احترام حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وضمان الأمن لإسرائيل، دعم الحضور المسيحي في الأرض المقدسة ومحاربة الهجرة...

-    أعتقد بأن هذا الموقف المشرف يمكن أن يتعزز لو حاول الكرسي الرسولي استخدام نفوذه الروحي والأدبي والمصداقية التي يتمتع بها قداسة البابا على المستوى العالمي، وذلك بطرح مبادرة عملية يرعاها الفاتيكان وتؤيدها الكنائس المختلفة ويدعمها المجتمع الدولي. إن مثل هذا الموقف سيعطي مصداقية جديدة للعملية السلمية في الوقت الذي لا يثق فيه سكان المنطقة بوساطة الأمريكان وجدية إسرائيل وتردد الأوروبيين. كما أنها ستدعم الحضور المسيحي في الأرض المقدسة وترفع من معنويات المسيحيين الذين يشعرون بأنهم متروكين "لا حول لهم ولا قوة" لذلك فإنهم يلجأون إلى الهجرة أو يشعرون بالغربة.

الأب رائــد عــوض أبـو سـاحلية