|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
انتهت السنة الدراسية وبدأت العطلة الصيفية، ونجد أن الأطفال لا يعرفون كيف
يقضون فترة العطلة التي تصبح مملة عليهم وعلى أهلهم. ويزيد الوضع الحالي الضاغط من
المشكلة لأن كل قرية ومدينة محاصرة وشبه معزولة، ولا يوجد فيها من البنى التحتية
ولا الامكانيات المادية لكي توجه طاقات الأولاد في أمور مفيدة، خوفاً من أن يبقوا
فريسة الملل أو تضييع الوقت أو الكسل، فيقضونه أمام التلفاز أو في الحارات
والطرقات. لهذا رأيت أنه من واجبي المشاركة في تحليل هذا الموضوع وتقديم بعض
الحلول.
يجب أن ندرك بأن الأطفال يتعرضون لضغوطات
كبيرة وكثيرة تؤثر على نفسيتهم وسلوكهم، فقد لاحظ الجميع عدم قدرتهم على الانضباط
في الدوام المدرسي وشيوع بعض حالات التسيب، وعدم قدرة الأهل على ضبطهم وتوفير
الأجواء المناسبة للدراسة أو فرص ووسائل الترفيه، لا بل عدم معرفة ماذا يفعلون بأبنائهم،
وهذا العجز نابع من عوامل كثيرة أهمها الأوضاع الصعبة وظروف الحصار والاغلاق
المفروض على معظم المدن والقرى والمخيمات، وقد يكون العامل المادي سبب اضافي يحرم
الأهل من سد حاجات أبنائهم، حتى الضرورية، ولا يتيح للأطفال من عيش طفولتهم مثل
باقي أطفال العالم.
وبما أن معظم الطلاب يحبون العطلة كونها
تريحهم من الأجواء المدرسية حيث النظام والمناهج والامتحانات والدوام اليومي
وملاحقة المعلمين والأهل، لذلك فمن الواجب التفكير بأسلوب جديد أكثر ابداعاً
واختلاقاً في فترة العطلة الصيفية يكون مشوقاً ومسلياً ومفيداً بنفس الوقت. ولكن
من يقوم بمثل هذه المبادرات في غياب سياسة وطنية شاملة؟ هنا يرجع الأمر إلى قدرة
ومبادرة كل قرية ومدينة ومدرسة وكنيسة ومسجد وجمعية ونادي في تلبية هذه الحاجة،
ويعتمد على عدد من ذوي الرغبة في تحمل مثل هذه المسؤولية الجسيمة والصعبة ولكن
المهمة بنفس الوقت. وأرى بأنه بسبب الظروف الحالية فإن الحاجة أكثر إلحاحاً لكي لا
نستسلم للواقع بل نحاول تغييره وعدم تضييع الفرصة لجعل هذا الوقت الثمين مناسبة
لتعليم وترفيه أبنائنا وبناتنا.
أعرف جيداً بأن النشاطات غير المنهجية أصعب
بكثير من البرامج المدرسية العادية لأنها تتطلب أفكاراً ابداعية وقدرة على اختراع
الوسائل والبرامج الجديدة المختلفة، بالإضافة إلى توفير المسؤولين وخاصة المتطوعين
الذين يتحملون المسؤولية ويضحون بوقتهم في الخدمة التي كثيراً ما تكون مجانية. من
هنا تأتي أهمية تنمية روح التطوع والمبادرة والابداع والمجانية، وهذا ما ينقصنا
كثيراً في عالم مادي حيث أصبح الإنسان لا يفكر إلا بنفسه. وهذه قيم من المهم زرعها
في الجيل الصاعد الذي سيتحمل مسؤولية القيادة في المستقبل، فمثل هذه النشاطات تبرز
وتعزز القيادة والتنظيم والعمل الجماعي والتعاون والتخطيط وروح الفريق.
والآن نأتي إلى الجانب العملي: ماذا نفعل؟ اذا اتفقنا على
المبدأ لا بد من الانتقال إلى التطبيق. فكثيراً ما تكون الأفكار في واد والأعمال
في واد آخر. وقد اقتنعت بأن العمل يجب أن يكون هادفاً وليس فقط من أجل العمل، لذا
فإن كثيراً من النشاطات الصيفية تكون فقط لتجميع الأطفال لتضييع الوقت دون
الانتباه إلى أهمية المتابعة القريبة للأفراد والمجموعات الصغيرة وتحقيق الأهداف
المرسومة. فأنا أقترح بعدم الوقوع في خطر القيام بالنشاط من أجل النشاط، ولا
المبادرة إلى إقامة التجمعات الكبيرة فقط، بل التركيز على المجموعات الصغيرة جداً ذات
الأهداف المحددة التي تلبي مواهب وقدرة كل طفل ورغبته، لذا فمن المفيد طرح الكثير
من الأفكار على الأهل وأطفالهم لكي يختاروا منها ما يناسبهم. إن هذا الطرح يتطلب
جهداً اضافياً في التحضير والتخطيط ولكنه يعطي نتائج إيجابية في النهاية، لأن
النشاطات المحضرة جيداً تنجح دائماً أكثر من العشوائية والعفوية.
من الضروري التركيز على النشاطات الابداعية في
النوادي والمخيمات الصيفية والتجمعات الشبابية، وليس فقط الألعاب الحرة: فيمكن عقد
دورات لتعليم عزف الآلات الموسيقية، يمكن تشكيل جوقات الأغاني الوطنية
والفلكلورية، يمكن إحياء التراث الشعبي من رقص فلكلوري ودبكة، يمكن عقد دورات
لتعلم الرسم والتمثيل والتصوير والكمبيوتر، وفي المجال الرياضي يمكن تشكيل الفرق
الرياضية لمختلف الألعاب والتركيز على المهارات الجماعية والفردية. يمكن تعليم
الأشغال اليدوية بالورق والكرتون والتطريز. يمكن تنظيم الرحلات الاستكشافية للمحيط
الذي يعيش فيه الأولاد، وزيارة الأمكان الأثرية والمقدسة وهي كثيرة في بلادنا،
يمكن تشجيع حملات النظافة في الشوارع والمقابر والمرافق العامة، يمكن القيام
بالأشغال التطوعية من طراشه ودهان للمدارس والمنشئات العامة... وهناك الكثير من
الأفكار والمبادرات التي تتلائم مع كل منطقة وبيئة وعمر وحاجة محلية.
وفي نفس النطاق، يكثر في هذه الأيام الحديث عن
لقاءات التعارف والحوار بين الأديان، والتبادل الثقافي بين القرى والمدن وحتى
الدول، وهناك برامج للتربية على السلام واللاعنف وحل النزاعات بالطرق السلمية تقوم
بها مؤسسات أهلية معنية بخلق أجواء جديدة لتخطي نتائج الصراع الحالي والتمهيد
للمرحلة القادمة، فإن كل هذه النشاطات مهمة يجب تشجيعها في العطلة طبقاً لاهتمام
كل طفل أو شاب. وتعجبني المبادرات الكثيرة لتنظيم رحلات إلى دول أخرى للأطفال
والشباب لكي يتعارفوا على زملاء لهم وينقلوا لهم ثقافتهم ومشاكلهم وهمومهم
ويتحدثوا عن واقعهم وبذلك يصبحون سفراء لبلادهم ورسل سلام، يجب تشجيع مثل هذه
المبادرات أيضاً، بحيث تتم في الخارج وفي الداخل، فمن الجميل دعوة الأطفال والشباب
لقضاء بعض الوقت هنا ليختبروا واقعنا المرير ويشاركوا ما نعيشه من آلام، ويمكن أن
يتم ذلك عن طريق برامج التوأمة الموجودة بين الكثير من مدننا وقرانا ومخيماتنا
ومدن أخرى في العالم.
وفي هذا المجال أود المشاركة في مبادرتين نقوم
بها هذه الصيفية: فقد أوفدنا خلال هذا الأسبوع عدداً من العائلات التي لديها
أطفالاً معاقين إلى إيطاليا وفرنسا لقضاء أسبوعين ضمن برنامج رائع نظمه المضيفون
بهدف الترفيه عن هذه العائلات التي تعاني من صعوبة الوضع بالإضاقة إلى اهتمامها
الخاص بأبناء ذوي حاجات خاصة. كما أننا سنستضيف أكثر من مجموعة من المتطوعين
ليعقدوا دورات ترفيهية وثقافية وفنية لأولادنا مثل تعليم الأشغال اليدوية والتمثيل
والرقص بالإضافة إلى دورات للغة الفرنسية والإنجليزية، وسيكون لدينا مجموعة من
الكشاف سيقمون بأعمال تطوعية وفعاليات ترفيهية للشباب... تصوروا بأننا سنستضيف
مجموعة من المهرجين الإيطالين الذي يلقبون أنفسهم "مهرجون من أجل
السلام".... هناك الكثير من الإمكانيات المشابهة لأن شعوباً كثيرة تتعاطف
معنا وتتفهم صعوبة الظروف التي يعيشها أطفالنا.
وأخيراً، لا بد من التركيز على المرافق العامة التي توفر امكانية ترفيه
وتسلية وتثقيف للأولاد، مثل المناطق الخضراء والحدائق العامة والملاعب المهيأة
وبرك السباحة بالإضافة المكتبات ومختبرات الكمبيوتر... وهذا ما ينقصنا حتى في
المدن، فإن البنايات تأكل الأخضر واليابس، ولا أحد يفكر ويخطط لمثل هذه المرافق،
لذلك يلعب الأولاد في الطرقات والحارات.
يمكن أن تكون العطلة الصيفية نعمة ونقمة: نعمة إذا أحسنا استخدامها في
تنمية مواهب أطفالنا، وكان لدينا الحس بالمسؤولية لتربيتهم السليمة؛ ونقمة إذا
تنصلنا من هذه المسؤولية تركناهم فريسة الملل والكسل والشلل. وجميل الاهتمام
بالأطفال بحسب قول السيد المسيح: "دعوا الأطفال يأتون إليَّ ولا تمنعوهم لأن
لمثل هؤلاء ملكوت السموات".