|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
ما
بعد امتحانات التوجيهي! الأحد
30/6/2003
تنفس طلبة التوجيهي الصعداء عند نهاية الامتحانات، وارتاح أهلهم واساتذتهم
لأن حالة من الطواريء كانت تسود في كل بيت لديه طالب أو طالبة يقدمون التوجيهي...
وقد راعني رؤية حالة الهلع من الامتحانات، مما دفعني للتفكير في الموضوع وفتحه
للنقاش لأني لأول مرة منذ سنوات تبعت عملية الامتحانات وراقبت مواقف الطلاب والأهل
والأساتذه، وها أنا أتابع عملية ترقب النتائج بفارغ من الصبر، ولسان حالي يدعو
الرب بأن لا يضيع تعب هؤلاء الطلاب، متذكراً كلمات القديس بولس في رسالته إلى أهل
قورنتس الثانية: "فاذكروا أنه من زرع بالتقتير حصد بالتقتير، ومن زرع بسخاء
حصد بسخاء" أي أن النتائج تأتي على قدر الاجتهاد.
لهذا أود المشاركة في بعض الملاحظات العابرة وأقدم بعض الاقتراحات الجديدة
علها تفيد:
إن امتحانات التوجيهي تعزز طريقة الدراسة للامتحان وليس للفهم والحياة ولا
تنمي التفكير والابداع عند الطالب. فالطالب يعمل على حفظ المادة عن ظهر قلب ويذهب
إلى قاعة الامتحان وهمه أن تكون الأسئلة من المادة لكي يجيب عليها بنقاط سريعة
للحصول على العلامة، لذلك فهو يرتبك عندما يخرج السؤال عن المادة ويخاف من فقدان
علامات السؤال ويخرج من قاعة الامتحان في حالة نفسية يرثى لها، فعلى هذه العلامات
يعتمد مستقبله، وهذا الامتحان يقرر سير حياته. وأنا أتحدى إذا كان الطالب قادر على
الاجابة عن نفس الأسئلة بعد أسبوع أو شهر من الامتحان، فقد ذهبت كل هذه المعلومات
في عالم النسيان، لأنه حفظها عن ظهر قلب ولم يفهمها ويستوعبها ويناقشها لكي يستفيد
منه. بصريح وقصير العبارة، إنها "مثل الهم على القلب".
وبسبب هذه العقلية التي تقوم على الحفظ "والبصم" فإن عقلية الغش
تأتي أتوماتيكياً، فبما أن الطالب يدرس من أجل العلامة فهو مستعد للتضحية بالأخلاق
الحميدة والقيم السامية في سبيل الحصول على أعلى علامة ممكنة، لذلك يسمح لنفسه
بالغش بكافة الطرق والوسائل ويستعمل الحيل والخدع واللف والدوران لكي يبرهن على
قدرته في الاحتيال... وهنا يدخل عامل الحسد والغيرة، إذ أن بعض الطلاب يتفوقون على
غيرهم في هذا المجال، فيذهب الصالح بعروة الطالح، فتنتهك العدالة: فبأي حق يجوز
لمن لم يدرس الحصول على نفس نتائج من يدرس ويجتهد ويتعب ويسهر الليالي؟ ويندرج في
نفس هذا الباب قضية التساهل في المراقبة من مدرسة لمدرسة ومن قاعة لقاعة... فكل
العملية مصطنعة وبوليسية، تماماً مثل لعبة القط والفأر، فعندما يغيب القط يلعب
الفأر ويأخذ راحته في الغش، وهنا علامات تساؤل كثيرة أهمها: كيف نربي على الأمانة
والاخلاص والضمير؟
كثيراً ما يحدث تذمر على الأسئلة: فالبعض يقول
بأنها سهلة وآخرون يقولون بأنها صعبة جداً وأعلى من مستوى الطلاب، والبعض يقول
بأنها من المادة ومتوقعة وآخرون يقولون بأنها من خارج المادة وغير متوقعة، البعض
يقول بأنها قصيرة والوقت المحدد للاجابة كاف لحلها، وآخرون يقولون بأنها طويلة ولم
يستطعوا إنهاءها... وقد حدث كل هذا
خلال امتحانات هذه السنة. فأنا أقترح في هذا المجال وضع الأسئلة من الأسئلة التجريبية
التي عادة ما توضع للطلاب قبل الامتحانات النهائية، فمن الممكن جمع أسئلة عدد كبير
من أساتذة نفس المادة من مدارس مختلفة، وبالتالي تحل كل الاشكالات وتلبي كل
الاحتياجات والمستويات.
والأدهى من هذا كله، أن هذه الأمتحانات تتويج
لمسيرة سنوات طويلة من الدراسة في المدرسة منذ نعومة أظفار الطالب، وامتحان كهذا
يقرر مصيره ومستقبله. فكثيراً ما تحدث مفاجآت سارة أو ضارة، وكأني بها لعبة
"اليانصيب" فقد يرتبك طالب ويغلط في إجابة سؤال، وقد تأتي الأسئلة على
غير ما توقع الطلاب أو كانت صعبة قليلاً، فإن مصير الكثيرين يضيع رغم أنهم قد
يكونوا من المتفوقين أثناء مسيرتهم التعليمية. فالسؤال المطروح هنا: هل مثل هذا
الامتحان يقرر مستوى ومصير الطالب؟ أم هل هناك طرق أخرى لتقييم مستواه واجتهاده
ودراسته في السنوات السابقة؟ قد يقول البعض بأن "الشاطر شاطر من دار
أبوه"، بمعنى أن المجتهد يحصد ما تزرع يداه، فكثيراً من يحصل الأذكياء
والمجتهدون على نتائج قريبة من تلك التي يحصلون عليها في مدارسهم، صحيح، ولكن هناك
ظلم يقع بحق الكثيرين بسبب حصر التقييم على نتيجة الامتحان، تماماً كقول الشاعر:
"عند الامتحان يكرم المرء أو يهان".
لا شك في أن هناك المزيد من الملاحظات حول امتحان التوجيهي، ولكني أريد أن
أصل إلى" بيت القصيد" وأطرح السؤال التالي: "ألا يوجد أسلوب آخر
لتقييم مستوى الطالب؟" وأصل إلى النتيجة: "ألم يحن الوقت لاعادة نظر
شاملة في هذه الامتحانات؟"، وهنا أسمح لنفسي بطرح بعض الاقتراحات للنقاش دون
اصدار حكم اعتباطي عام بالاعدام للمنهاج والأسلوب والامتحان:
1) لو كنت وزيراً للتربية والتعليم لربطت بين
نتيجة الطالب أثناء تحصيله الدراسي في الصفوف الثانوية وبين سلسلة من الامتحانات
الشفهية والكتابية التي يمر فيها الطالب قبل انهاء مرحلة الدراسة، آخذاً بعين
الاعتبار تنمية كل قدراته العقلية والفكرية والتحليلية والابداعية بالاضافة إلى
التركيز على شخصيته وقدرته على الحوار والتعبير عن الذات في قياس معارفه، انطلاقاً
من المبدأ التربوي، بأن التعليم ليس كمية المعرفة التي يحصل عليها الطالب بل
القدرة على المعرفة ومعالجة قضايا الحياة.
2) لو كنت وزيراً للتربية والتعليم، لما حصرت
امتحان التوجيهي على المادة الموجودة في الكتب التي يدرسها الطالب في المدرسة بل
لوسعت الاطار ليشمل كافة مجالات المعرفة المرتبطة بهذه المادة وما يدور في فلكها
بحيث يتحول الطالب من حافظ للمعلومات إلى باحث عن المعلومات مما يفتح مداركه ويعزز
عنده روح الفضول والبحث والابداع والحوار والمشاركة والكتابة والتقديم وعرض
النتائج ومعالجة قضايا المعرفة.
3) لو كنت وزيراً للتربية والتعليم، لألغيت
امتحان التوجيهي بصورته الحالية واستبدلته بنظام متكامل يتوج مرحلة الدراسة وخاصة
الصفوف الثانوية، فتتحول المدرسة إلى خلية نحل، الكل فيها يعمل ويقوم بوظيفته خير
قيام، فلا تكون الدراسة "مثل الهم على القلب" كما قلنا" بل
"متعة للقلب والعقل والجسد" فيتحق النمو الشامل للإنسان على مثال السيد
المسيح الذي يقول عنه الإنجيل بأنه "كان ينمو ويترعرح في الحكمة والنعمة
والقامة أمام الله والناس".
4) لو كنت وزيراً للتربية والتعليم، لغربلت
الطلاب في المراحل الأعدادية والثانوية بحيث لا يصل إلى المرحلة النهائية إلا من له
القدرات الأكاديمية، وبالتالي تحويل بقية الطلاب، إلى التخصصات والمجالات المهنية
والتمريضية والتجارية والزراعية، كل واحد طبقاً لقدراته ومواهبه الخاصة، فلماذا
ندع آلاف الطلاب ينهون المراحل التعليمية كافة ويقدمون امتحان التوجيهي ثم نزج
بمعظمهم في الجامعات ومن ثم إلى البطالة بينما يبقى أكثر من نصفهم في مرحلة الصفر
قبل البحث عن مجال عمل أو تخصص في مهنة...؟!
بصريح العبارة: يجب نفض المناهج والأساليب
الدراسية وقلبها رأساً على عقب، لأنها بوضعها الحالي لا تفي بالغرض المطلوب ولا
تخرج أجيالاً مبدعة لمستقبل مزهر بل ببغاوات تعيد ما تتلقنه في المدرسة في
امتحانات عقيمة ثم تفقد الذاكرة وتدخل في عالم النسيان.
وبما أني لن أصبح وزيراً للتعليم، والحمد لله،
فإني أدعو ذوي السلطة والشأن، إلى المبادرة ودراسة مثل هذه الأفكار الثورية وغيرها
وطرحها على بساط البحث والنقاش إذا أردنا أن نتقدم إلى الأمام وإلا سنبقى حيث نحن
إن لم نرجع إلى الوراء؟ وكان الله بعون طلاب التوجيهي من هذه "الحصبة"
التي لا بد منها!