|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
من
الديماغوجية إلى البرغماتية الأحد
6/7/2003
حضر أحد المسؤولين الكبار إلىالقرية، دعي الناس لحضور الندوة، حضر من حضر
من الوجهاء والمهتمين والفضوليين، استمعوا للكلام الجميل والمعسول، أثنوا عليه
كثيراً قبل أن يودعوه شاكرين على حضوره، رجع الناس إلى بيوتهم، ورجعت وأنا أقول في
نفسي: "وماذا بعد؟ هل فهم الناس هذا الكلام؟ ماذا استفادوا؟ ماذا
سيعملون؟". كلام يطيره الريح، لقد شبعنا من الكلام، لقد تخرقت طبلة آذاننا من
كثرة الكلام، لهذا أقول: "كفانا كلاماً" وأتساءل: "ألم يحن أوان
العمل؟"، الخصب اليوم للكلمة الفعل! أليس كذلك؟
أنا لا أنكر بأن الكلام نعمة كبيرة، لأنه وسيلة رائعة للتعبير عن الذات
وتوصيل الأفكار والتواصل بين الناس. تخيلوا لو كان جميع الناس لا يتكلمون! ولكني
أعتقد بأن الكلام نقمة عظيمة أيضاً، خاصة كثرة الكلام لا بل الثرثرة الفارغة، كمن
يطحن في الهواء أو يغربل في الماء ويكتب على الرمل! رحم الله جبران حين كتب في
قصيدته الشهيرة "المواكب": أعطني الناي وغني، وأنس ما قلتَ وقلتَ، إنما
النطق هباء فأفدني ما فعلت. فليس من غرائب الصدف أن يخلق الله للإنسان أذنين
ولساناً واحداً، فإنه يريد بذلك أن يقول لنا: يجب أن نصغي مرتين قبل أن نتكلم مرة
واحدة، وليس العكس! أليس طريفاً أن يقع اللسان داخل الفم تحميه الأسنان كالحصن
المتين وتغلقه الشفتين كالباب المكين!
وهنا أصل إلى بيت القصيد: هناك تضخم في الكلام، والكثير منه زيادة ليس فيه
فائدة، بينما يجدر بأن يكون الكلام ما قل ودل، وأن يكون لكل مقام مقال، دون زيادة
أو نقصان. فإننا نشاهد عالمنا العربي ومجتمعنا المحلي يعيد ويزيد نفس التعابير من
أجيال حول ما حدث ويحدث في فلسطين، ولا أحد يحرك ساكنا، كما أننا انزلقنا في نفس
الفخ من المماحكات وتضييع الوقت في المناقشات والمفاوضات والمهاترات والمزايدات،
بينما نرى الطرف الآخر يخطط ويعمل ويحتل ويصادر ويبني ويطور ويفرض الأمر الواقع
أمام أعيننا وأعين العالم ولا أحد يحرك ساكناً.
وهذا بالضبط ما أريد أن أصل إليه: فالديماغوجية، الثرثرة والشعارات،
أوصلتنا إلى الحالة التي نحن فيها من الهوان والضعف، مثل من "يزرع البحر
مكاثي" أو من "يأخذك إلى
البحر ويرجعك عطشان"، بينما البراغماتية بنت دولة بالحنكة والحيلة والقوة،
وكأنهم يقولون لنا: "قولوا ما تريدون ونحن نفعل ما نشاء" أو "الكلاب
تنبح والقافلة تسير".
لهذا يجب الإنتقال من الديماغوجية إلى البرغماتية، وأعني بهذا أننا يجب أن
نتفق على الأهداف ونوحد الخطاب، وهذا مفهوم ولا خلاف عليه، فالجميع يريد زوال
الاحتلال واسترجاع الحرية والاستقلال واقامة الدولة وتحقيق الأمن والازدهار، ولكن
الجميع أيضاً يختلف على الاستراتيجية لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، فالبرغماتية، هي
تحديد الاستراتيجية واتخاذ الوسائل الضرورية للوصول للهدف المنشود، بعيداً عن
الخلافات في الرأي، فكل واحد يستطيع أن يحتفظ برأيه وهو حر بذلك لا بل هذا ضروري،
ولكن المهم أن نمد أيدينا ونضعها على المحراث ونشمر عن أذرعنا ونحرث الأرض، ولا نوفر
جهداً في سبيل تحقيق النتائج بالسرعة الممكنة.
البراغماتية تعني:
-
التمسك
بالأهداف الاستراتيجية واتخاذ الخطوات العملية لتحقيقها على أرض الواقع وليس في
الهواء... فيمكن بناء القصور في عالم الخيال، ولكن ما الفائدة إن لم تتكلل
بالأفعال؟
-
اتخاذ
القرارات الصائبة وتطبيقها بدلاً من أن تبقى حبراً على ورق توضع في الملفات التي
يغطيها الغبار وتدخل في عالم النسيان.
-
التخطيط
السليم ضمن رؤية واضحة للمستقبل والتنفيذ الدقيق وانهاء العمل كما يجب ومتابعة
النتائج وقطف الثمار.
-
العمل
ضمن المعقول والمقبول، أي "إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع" أي طلب
"الممكن وليس المستحيل"، وبكلام آخر "عدم الخوف من أن نحلم أحلاماً
عريضة ولكن مع الإرادة والشجاعة والعزم والتصميم لتحويل الحلم إلى حقيقة".
-
التعاطي
مع الأمور طبقاً للظروف والأوضاع والتغيرات، انطلاقاً من المبدأ "خذ
واعطي" والمثل "إللي ما بيجي معاك تعال معه" أي استعمال نوع من
الدبلوماسية الذكية عندما لا تأتي الرياح كما تشتهي السفن.
-
التركيز
على الأمور الجوهرية وليس الثانوية ضمن رؤية شمولية وليست جزئية للأمور، وليس
"كمن يطيش على شبر ماْء"، فيجب النزول إلى العمق والنظر إلى الأفق دون
قصر نظر ولا اكتفاء بالجزئيات التافهة رغم أهمية التفاصيل.
-
الاهتمام
بالنتائج النهائية وضرورة الوصول إلى الهدف المنشود دون الخوف من المغامرة
والمجازفة ومواجهة الصعوبات وتخطي العقبات، فعندما يكون الهدف نبيلاً وشريفاً تهون
دونه كل التضحيات، فلا بد من دفع الثمن.
وفي حالتنا، أستطيع أن أستخلص العبر التالية عندما أدعو إلى البرغماتية:
-
الانتقال
من مرحلة الجدل السياسي العقيم إلى رص الصفوف وتوحيد الجهود وحشد الطاقات في سبيل
تحقيق الهدف النبيل الذي يسعى إليه الجميع.
-
ابتكار
الوسائل الإبداعية لتحريك الأمور وعدم تضييع وقت اضافي في المهاترات، فكل يوم يمر
تزداد آلامنا وتتبدد آمالنا وتفتر همتنا وقد تضعف عزيمتنا ونحن في الطريق.
-
البدء
الفوري بالبناء الصلب الثابت المكين لدولة المستقبل التي نحلم بها على أساسات
سليمة وضمن مؤسسات ديمقراطية نزيهة فعالة لكي يشعر الناس بالفرق ويقطفون ثمار
السلام ويشعرون بالفرق والتغيير، ولا نقولن بأننا سلطة ولسنا دولة بعد، فهذا ما
خرب بيوتنا في فترة ما بعد أوسلو.
-
أن
نأخذ ما يقدم لنا ونحتفظ به ونطالب بكامل الحقوق وعدم التنازل عنها، طبقاً للمقولة
الشهيرة "خذ وطالب" شريطة أن لا نكرر أغلاط مرحلة أوسلو والانتفاضة
الثانية، إذ أننا ضيعنا ما أخذنا ودمرنا ما بنينا، وها نحن نبدأ مجدداً من الصفر!
صدق من قال "خير لك أن تضيء شمعة بدلاً
من أن تلعن الظلام" وأنا أقول "خير لنا أن نحافظ على شعلة الأمل مضيئة
في القلوب ونشمر عن سواعدنا ونبدأ بالعمل الدؤوب بدلاً من أن نضيع وقتنا ونصدع رأسنا
بثرثرة الكلام".
الأب
رائــد عـوض أبو سـاحلية