|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
هدم الحواجز.. وبناء الجسور... الأحد
20/7/2003
استوقفتني القراءة الثانية من قراءات هذا الأحد وهي مأخوذة من رسالة القديس
بولس الرسول إلى أهل أفسس الفصل الثاني، حيث يقول: "أيها الأحباء، أما الآن،
فأنتم الذين كانوا بالأمس أباعد، قد جعلتم في المسيح يسوع أقارب بدم المسيح. فإنه
سلامنا. فقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة، وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما،
أي العداوة، وألغى شريعة الوصايا وما فيها من أحكام، ليخلق في شخصه من هاتين
الجماعتين، بعدما أحل السلام بينهما، إنساناً جديداً واحداً، بالصليب الذي قضى به
على العداوة". ويكمل الرسول بقوله: "جاء وبشركم بالسلام، أنتم الذين
كنتم أباعد، وبشر بالسلام الذين كانوا أقارب، لأن لنا به جميعاً سبيلاً إلى الرب
في روح واحد".
إن القراءة الأولية لهذا النص، وخاصة من الناحية اللاهوتية المسيحية،
تقودنا إلى اعتبار السيد المسيح المفصل الذي يدور حوله العهد القديم وتاريخ الشعب
الشعب اليهودي، والعهد الجديد وبداية التاريخ المسيحي، فإنه بصليبه ودمه جمع ووحد
بين الجماعتين، ويدخل في هذه المعادلة جميع الذين اهتدوا إلة المسيحية، سواء من
الأصول اليهودية أو الأصول الوثنينة. وكأني بالسيد المسيح الذي فتح ذراعية على
الصليب يحتضن الجميع ويدعوهم إلى الخلاص والسلام، وكأن صليب السيد المسيح هو
الخشبة العامودية التي توصل الأرض بالسماء والخشبة الأفقية التي توصل الإنسان
بأخيه الإنسان وتشكل جسراً بين البشر.
وقد يذهب البعض إلى القول بأن لا خلاص للبشرية إلا بالإيمان بالسيد المسيح،
ولا سلام بين البشر إلا عندما يؤمن الجميع به ويتصالحوا على أساس الأخوة بالإيمان،
على اعتبار أنه سلامنا وصلحنا، وأنه هدم الحاجز وقضى على العداوة وبشر بالسلام
وصالح الإنسان مع الله والإنسان مع أخيه الإنسان. فيا ليت الأمر يكون بهذه
السهولة؟! فنحن نرى الاختلافات بين البشر والأعراق والأجناس والديانات واللغات،
وكثيراً ما نرى الخلافات بين أتباع نفس الدين من طوائف وفرق، وكأن الاختلاف طبيعة
إنسانية تتطلبها الحرية والتعددية، فلكل إنسان رأي وفكر واختيار وقرار، وقد يختلف
الإخوة في نفس البيت وداخل نفس العائلة، ويقاس هذا على الأقارب والأباعد.
ولأني لست عنصرياً ولا متعصباً، فإني أريد أن أعرض لتفسير توفيقي لهذه
الآيات الكريمة لأنها تستحق التفكير: كيف يمكن أن نهدم الحواجز؟ كيف نقضى على
العداوة؟ كيف نقرب بين الأباعد؟ كيف نوحد بين البشر؟ كيف نزرع السلام في البلاد
وبين العباد؟
ونستخلص الجواب من نفس الأسئلة:
-
يجب
أن نهدم الحواجز التي تفصل بين البشر: لقد فرح العالم لانهيار سور برلين، ونرى
العالم المتحضر يتحد ويزيل الحدود ويوحد الجهود... ولكن هناك الكثير ممن لم يفهموا
العبرة: الاتصال أفضل من الانفصال، الجمع أجمل من التفريق، الاتحاد أروع من
التمزيق... وها نحن نرى كل يوم الحواجز العسكرية، وها هم يبنون السور الفاصل بحجة
الأمن، ولا يعلمون بأن الحدود الآمنة هي القلوب الآمنة المتصالحة، فيمكنهم أن
يبنوا الأسوار ويحيطوا المدن بالحواجز والسواتر الترابية، ويحكموا المستوطنات
بالأسلاك الشائكة، ولكنهم لن يستطيعوا أن يوفرا الأمن وينزعوا الخوف من القلوب،
فالحق والعدالة هي أفضل حماية ووقاية، والقوة والظلم لا بد لها من نهاية.
-
القضاء
على العداوة: يمكن أن نرسم الحدود ونوقع أفضل اتفاقية سلام ونتوصل لأفضل الحلول
للقضايا الشائكة والعالقة، ولكن إذا بقيت العداوة فإن كل هذا سيظل حبراً مكتوباً
على ورق وسلاماً بين الرؤساء والدول وليس سلاماً في القلوب ولا بين الشعوب. إن
القضاء على العداوة يتطلب إزالة الأسباب من جذورها، بإزالة الظلم، عندها فقط يمكن
للقلوب أن تصفى وللنفوس أن تتقارب، ولطريق المصالحة أن تصبح سالكة، لهذا فإنا أدعو
للحديث عن السلام والعدالة ولكن أيضاً عن المصالحة، وإلا ستكون الحلول سطحية
وشكلية على غرار "صباح الخير يا جاري إنت بحالك وأنا بحالي"!
-
احترام
الاختلاف: الاختلاف لا يعني الخلاف على الإطلاق، فهذه سنة الطبيعة كما قلنا، فهناك
غنى في التنوع وروعة في التعددية، فألوان قوس قزح يجب أن تكون كثيرة ومتنوعة شريطة
أن تكون متناسقة ومتناغمة لتكون جميلة.. وكذا البشرية، ففيها من الأشكال والألوان
واللغات والأجناس والأعراق ما يجعلها تحفة فنية براها الباري سلمها الخليقة
قائلاً: "إنموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها". فالجميع خليقة الله
وعلى صورة الله ومثاله مخلوق، لكي يعرفه ويحبه ويعبده ويتحد به في الآخرة... فأنا
أرى بأن الديانات أيضاً فيها شعاع من الحقيقة، وكل منها تقود بطريقة أو بأخرى إلى
الحقيقة المطلقة أي الله، فإذا تم الحوار والتعارف والتعاون يمكن أن نبني عالماً
أفضل، لأن "لنا به جميعاً سبيلاً إلى الرب في روح واحد"، ولأن
"تناحر الأديان أكثر بشاعة من تناحر الأبدان".
-
الأباعد
والأقارب: كثيراً ما نعيش جنباً إلى جنب، ولكننا نكون في الحقيقة أباعد لا بل
أعداء، فكل واحد يقف للآخر بالمرصاد، وينتظر أول غلطة لكي يقضي عليه. وكثيراً ما
يحيط نفسه بالأسلاط الشائكة ويعيش في "جيتو" المستوطنات معتبراً أن
الآخر يترصد له لينقض عليه... أعتقد بأننا نفقد إنسانيتنا بهذه الطريقة، فأنا لا
أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن يرفع إنسان على أخية الإنسان سكيناً أو بندقية؟ كيف
يقبل بأن يقيد أو يقود غيره بالسلاسل؟ وهذا المنطق يمكن أن يحدث ليس فقط بين
الأعداء ولكن أيضاً بين الإخوة والأقارب، حتى ولم يكن بهذا العنف، فكم من الأخوة
الأعداء؟ وكم من الأقارب العقارب؟ إذن، نحن أقارب ولكننا أباعد! بحاجة إلى الخطوة
الأخيرة:
-
أن
نصبح إنساناً جديداً واحداً يصلح بيننا الله ويجعلنا جسداً واحداً: فكلنا أبناء أب
واحد وفوق الخلق أجمعين، وكلنا أبناء تسع وأرضاً واحدة نجول، وكلنا أخوة لأب واحد
ولأم واحدة نولد، وكلنا من التراب وإلى التراب نعود.
أحلام جميلة، أوهام عظيمة، كلام عقيم... صحيح،
ولكن هذه هي إرادة الله علينا، فلماذا لا نبدأ حتى من الصفر لا بل من تحت الصفر؟!
لماذا لا نحول الحلم إلى حقيقة ونحطم الأوهام وننتقل من الكلام إلى الأفعال؟ لدينا
فرصة فريدة من نوعها، في هذا المكان وهذا الزمان، فنحن نعيش في أقدس بقعة من
الأرض، التي اختارها الله لتكون مهبط الأنبياء والنبؤات والحضارات والديانات، نعيش
هنا مسيحيون ومسلمون ويهوداً، لدينا الكتب السماوية والقدرات الإنسانية والموارد
الطبيعية، يتطلع إلينا كل شعوب الدنيا...
لماذا لا نجعل من هذه الأرض واحة سلام؟ ونجعل من القدس رمزاً للحوار وعاصمة
للروح؟ لماذا لا نعقد صلحاً ونبشر بالسلام ونعيش بأمن واطمئنان؟ لماذا لا يكون كل
واحدا منا أخاً لكل إنسان مهما كان أصله ولونه ولغته ودينه؟
إذا كنا ورثة الرسل والأنبياء، فيجب أن نكون
على مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا: أن نهدم الحواجز ونبني الجسور،
أن نقضي على العداوة ونزرع المحبة، أن نبشر بالسلام ونعيش بأمان.