|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الوصايا
العشر لعالم أفضل! الأحد
27/7/2003
بينما تتوحد أوروبا، هناك نقاش حول اقرار دستور جديد، ولكن الجدل محتدم
الآن فيما إذا يجب اضافة عبارات حول الجذور المسيحية لأوروبا وذكر الله أو الدين
أو الكنيسة كمصادر للتشريع، ففي وسط الروح العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة
والدين والسياسة، نرى الأوروبيين لا يريدون حتى ذكر الله في مطلع دستورهم ولا
تحديد المسيحية كديانة رسمية للاتحاد الأوروبي الجديد، لأنهم يعتقدون ببساطة أن
الدين والإيمان مسائل شخصية، فكل إنسان حر الاختيار كما يريد، فالمهم أن يكون
مواطناً صالحاً يحافظ على القانون ويخدم المجتمع مهما كان دينه أو لونه أو عقيدته
أو انتماؤه السياسي.
لقد قادت الكنيسة الكاثوليكية الحملة لإضافة
مثل هذه العبارات والتذكير بالجذور المسيحية لأوروبا، ليس من باب الفرض بل العرض،
لأنها ترى بأن الشعوب الأوروبية ستفقد روحها إذا تخلت عن القيم الدينية. وفي هذا
السياق جاء تركيز قداسة البابا خطاباته التي يلقيها كل يوم أحد، وعلى مدار الأحدين
السابقين عرض للوصايا العشر لأوروبا جديدة، أعتقد بأنها يمكن أن تنفع لبناء عالم
أفضل، لذلك رأيت أن أعرضها كما هي وأعلق عليها قليلاً فيما بعد:
1) إن حاضر وماضي أوروبا مجبول بالمسيحية، فقد
شكل الإيمان المسيحي المحور الرئيسي للثقافة الأوروبية، جاعلاً منها "كلاً
متكاملاً"، فبالرغم من الإنقسامات المؤلمة بين الشرق والغرب، فإن المسيحية هي
ديانة كل الأوروبيين.
2) إن القيم المستوحاة من الإنجيل المقدس ستساهم
في بناء أوروبا الروح وأوروبا الأمل. فلن يكون الإتحاد الأوروبي صلباً إذا انحصر
على البعد الجغرافي والاقتصادي، إذا أنه يجب التركيز قبل كل شيء على القيم
والمباديء.
3) إن الإيمان المسيحي يمكن أن يساهم في التأثير
على الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية ويساعد على التعايش بحيث يشعر
الأوروبيون بأنهم في بيتهم ويشكلون عائلة من الأمم، نموذجاً لمناطق أخرى في
العالم.
4) الجذور المسيحية لأوروبا هي الضمانة الرئيسية
لمستقبلها. فإن تجاهل، نسيان أو إلغاء الإرث المسيحي لأوروبا هو ظلم فادح لا بل
إهانة وافقار لها، ستدفع ثمنها آجلاً أو عاجلاً.
5) لهذا يجب الإشارة إلى الإرث الديني، وخاصة
المسيحي، في الدستور الأوروبي الجديد، ولا بد من الاعتراف بالحقوق الدينية
والمسيحية واحترامها.
6) على الكنيسة أن تكون شاهدة حية على البعد
الروحي المتسامي للجنس البشري ضمن الإطار الحالي المنغمس في العلمانية والمادية والروح
الاستهلاكية.
7) على أوروبا الاستمرار في الدفاع عن حقوق
الإنسان وكرامته وتنميتها في جميع المجالات فهي حقوق أساسية لا يمكن التنازل عنها.
8) إن أوروبا المستقبل ستكون أوروبا المحبة،
أولويتها خدمة الفقير والمحتاج، أوروبا تركز على ثقافة التضامن.
9) يجب بناء أوروبا المتحدة رغم الاختلاف على
أساسات القبول، الاحترام، التعاطف، الحوار والأخوة.
10) لهذا "لا تخافوا! إن الإنجيل ليس ضدكم بل
معكم" "تجدون في الإنجيل، أي في المسيح، الأمل الوحيد والأكيد والمستقبل
الجديد الذي تتوقون إليه"
قد نستغرب هذا الجدل الدائر حول الهوية
الدينية والمسيحية في أوروبا، وذلك لأن الله في الشرق هو المحور الأول الذي تدور
حوله الحياة، والدين أمر أساسي في حياة الإنسان كما أن الكتب المقدسة هي المصدر
الأول للتشريعات والقوانين. ولكن يجب نفهم بأن هذه الدول عاشت مرحلة من التدين
الشديد، ومرت عبر الثورات والحروب والأيديولوجيات لتصل إلى ما هي عليه، وهذا لا
يعني بأنها غير متدينة بل تفصل الدين عن الدولة، كما أن هناك فرق بين الحكومات
والشعوب، فمنهم الأكثر تديناً لأنه أختار شخصياً بأن يكون كذلك. وأعتقد بأن شرقنا
يحتاج إلى عقود إن لم يكن قرون ليصل لمثل هذه المرحلة.
الملاحظة الثانية هي أن أوروبا التي تمتد
جذورها في عمق التاريخ ذات الحضارة والثقافة يمكن أن تصبح القوة العالمية الجديدة
التي تعيد التوازن إلى عالم أصبح أحادي القطب لا حضارة ولا تاريخ له سوى التفوق
التقني والعسكري، لذلك فإنها ستكون خسارة عظيمة إذا تخلت أوروبا عن البعد الديني
والمسيحي الذي يدمغ هويتها من ألفي سنة. كما أن هذا البعد الديني والمسيحي لا
ينبغي أن يقودها إلى الانغلاق أو التعصب بل يدفعها إلى النفتاح والاستيعاب لكل
الشعوب والمعتقدات الأخرى التي تقيم فيها، وإلا تحول البعد الديني إلى سبب نزاع
جديد الجميع في غنى عنه. فتركيز الكنيسة لا ينطلق من الرغبة في حصر أوروبا في
المسيحية ولكن دعوتها إلى الحفاظ على الروح الديني التي ستكون بدونها جسداً بدون
روح.
إن هذه الوصايا المذكورة أعلاه، والموجهة إلى
أوروبا، يمكن أن تنطبق على باقي أنحاء العالم، ليس من باب التعميم أو الفرض، بمعنى
أن على الجميع أن يصبح مسيحياً، ولكن من ناحية التزام كل الشعوب بأجمل ما عندها من
قيم دينية وروحية تحيي وتنمي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية،
لأن الدين ليس هدفاً بحد ذاته بل هو وسيلة ليهذب أخلاق الناس، فعندما يقتربون من الله
يقتربون أكثر من اخوتهم البشر، انطلاقاً من المبدأ، لا يمكن أن تحب وتعبد الله إذا
كنت لا تحب بل تكره عباد الله، فالإنسان هو طريقنا إلى الله، والله هو طريقنا إلى
محبة بعضنا بعضاً، فلا يمكن أن يكون الله حاجزاً بين البشر بما أنه خالقهم جميعاً.
وبحسب رأيي، وقد أكون حالماً، سيكون العالم
أفضل:
عندما يكون الله إلها للجميع وأباً للخلق أجميعين.
عندما يصبح البشر أخوة أبناء أب واحد.
عندما تنتهي شريعة الغاب وتسود حضارة المحبة
عندما تصبح السلطة خدمة وليس تسلطاً.
عندما تحترم كرامة الإنسان وكل الإنسان وكل إنسان.
عندما يكون الدين طريقا إلى الله لا حاجزاً بين عباد الله.
عندما تعم المساواة بين البشر لأنهم أخوة.
عندما تزول محورية "الأنا" أمام حضارة "النحن".
عندما توزع خيرات الأرض على الجميع.
عندما تهدم الحواجز والحدود ونشعر بأننا مواطنو العالم.