SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

هل ينفع سلاح اللاعنف في المعركة الحالية؟    الأحد 10/8/2003

 

استوقفني مقال السيد محمد دراغمه في عدد يوم الأربعاء الماضي من جريدة القدس الذي كان بعنوان "الفن واللاعنف: حياة تصعد من الخراب"، وذلك لما فيه من أفكار ابداعية ما زالت مفيدة وسارية المفعول، وآمل بأن تتحول إلى نهج مقاومة وطريقة تحرير جديدة، فطالما نادينا بمثل هذه الأفكار والأساليب، ولكن "لا حياة لمن تنادي"، ومع ذلك فأنا أثني عليه وأريد أن أثني إليه:

 

فقد دعيت يوم الخميس لالقاء محاضرة حول "الأرض والبيئة والرفق بالحيوان في الفكر المسيحي" وذلك في أطار سلسلة من المحاضرات التي تنظمها المؤسسة العربية للتعليم في بيت لحم ضمن فعاليات المدرسة الصيفية التي يحضرها معلمون ومعلمات وطلاب وطالبات يشتركون في برنامج العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وقد قابلها محاضرة بنفس العنوان بحسب الفكر الاسلامي. والهدف من هذا البرنامج هو التعليم على السلام وحل النزاعات بالطرق السلمية وقبول الآخر وتجاوز الاختلافات والتوعية إلى نوع جديد من الفكر اللاعنفي.

 

وبما أنني تأخرت في الوصول إلى المحاضرة بسبب الحواجز العسكرية، اضطررت إلى ترك سيارتي قبل الحاجز الترابي والمشي على الأقدام وأخذ سيارة توصلني إلى مكان المحاضرة في وسط بيت لحم، وعندما رآني السائق مستعجلاً عرف بأني متأخر عن عمل مهم، فسألني عما ستتحدث في المحاضرة فقلت له: سأتحدث عن اللاعنف والسلام. فقال لي مباشرة: أنت تضيع وقتك فهذا الكلام لا يجدي نفعاً في حالتنا. وأضاف: يمكنك أن تستخدم اللاعنف مع الأنجليز والفرنسيين وغيرهم من الشعوب المتحضرة، أما مع الإسرائيليين فلا تنجح هذه الأفكار لأنهم لا يفهمون إلا لغة العنف والقوة، وإذا لم نكن أقوى منهم فمن الأفضل أن نهدأ ونسكت ونقبل بالواقع المرير.

 

حاورت محدثي محاولاً اقناعه بأن لغة العنف والقوة قد أوصلتنا إلى  الوضع الصعب الذي نحن فيه، لا بل فقد شوهت صورتنا أمام العالم، وحولتنا من شعب يطالب بحقوقة إلى شعب يلقب بالإرهاب. وأوضحت له بأن ما أعنيه باللاعنف هو حركة جماهيرية شعبية يشارك فيها جميع فئات المجتمع على أساس المطالبة بالحقوق بالطرق السلمية دون استخدام السلاح ولا حتى الحجارة، وهو ما أسميته سابقاً "استراتيجية غصن الزيتون". فأجابني السائق: حتى ولو رميت على الجنود أكوم من الورود فلن يفهموا هذه اللغة لأنهم لا يريدون السلام.

 

وبينما كنا نمر بالسيارة وسط الزحام في شارع المدبسة، قلت له أفضل النزول من السيارة فلا يمكنك المرور من وسط الناس مع كل هذه الفوضى العارمة معللا النفس بالوصول بسرعة مشياً على الأقدام. فقال لي معك حق، ستصل قبلي، ولكن قل لي بربك، هل هذا شعب يعرف كيف يستخدم سلاح اللاعنف الذي تتحدث عنه وهو لا يعرف أن يحترم النظام ويمشي على الرصيف ويعطي أولويات المرور؟ فقلت له: معك حق، إذن فالمشكلة ليست في الخصم العنيد، ولكن فينا نحن الذين لا نعرف الانضباط، فاللاعنف هو عقلية وأسلوب حياة قبل أن يكون وسيلة مقاومة وتحرير، فهو يتعلق بالحياة اليومية وكيفية معاملة الناس بعضهم بعضاً والتعامل مع المشاكل وحل النزاعات، وضربت له مثلاً، لو حدث خصام بين سائقين بسبب الدور أو تحميل الركاب أو الاصطفاف، فما هو رد فعل كل منهما؟ فأجاب يتهاوشون ويتعاركون بالأيدي ويسبون ويلعنون وقد يتطور الأمر إلى تكسير زجاج السيارات أو تحطيم أجزاء منها وقد يصل العراك إلى حد الذهاب إلى المستشفى. فقلت له: إذن، فالمرض اجتماعي ونفسي وهو شامل كل أفراد المجتمع، في البيت والمدرسة والشارع، فيجب البدء بنظام جديد للتربية يقوم على التسامح والتعاون والحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية والعقلانية، فأنت تعرف جيداً بأن من فقد عقله أستخدم عضلاته، وهذا ما يحدث كل يوم في مجتمعنا وخاصة في أيام الصيفية الحارة.

 

عندها وصلنا قريباً من المكان المطلوب،هممت بالنزول وهو يقول لي: أرجوك أن تقول هذا للأساتذة والطلاب وسترى بأن موقفهم لن يكون مختلقاً عن موقفي، فلا أحد يوافق على أن سلاح اللاعنف ممكن وفعال في المرحلة الحالية. وبالفعل فقد بدأت المحاضرة بهذا الحوار الذي أثار جدلاً بعدها لتباين الأفكار والآراء، لدرجة أن منسق الجلسة طالب الحضور بتأجيل النقاش إلى اليوم المخصص للحديث عن اللاعنف، فلا نريد أن تتحول هذه الجلسة إلى جلسة عنيفة ونحن نتكلم عن الرفق بالحيوان.

 

وأنا في طريق العودة رأيت سائق السيارة ذاته عند كومة التراب ينتظر راكباً آخر، فقال لي من بعيد: هل كان معي حق فيما قلته لك؟ فقلت له بسرعة وأنا أهم بالركوب في سيارتي المصطفة في الطرف الآخر من كومة التراب: يظهر بأن الجميع يفكرون مثلك، لذلك الله يستر الله يعين!

 

رجعت إلى قريتي ورعيتي وأنا أفكر وما زلت أتساءل: هل ينفع سلاح اللاعنف في المعركة الحالية؟ وازداد خوفي وأنا أرى بأن كل الظروف مؤاتية لموجة جديدة من العنف المتبادل، فكل شيء على "كف عفريت" فلا الأوضاع تهدأ ولا خارطة الطريق تطبق ولا الحياة اليومية للناس تتحسن، فالجميع يشعر بأننا في دوامة لا أحد يعرف كيف يمكن الخروج منها.

من هنا فأنا لا أدعو إلى إيقاف الانتفاضة ولا إلى استمرارها، ولا أدعو إلى تعليق الهدنة ولا إلى استمرارها، ولا أدعو إلى ايقاف العملية السلمية ولا إلى استمرارها، بل أدعو إلى نهج جديد وطريق جديدة، تقوم على حملة جماهيرية شعبية على مستوى القيادة والقاعدة مدعومة بوسائل أعلام قوية ومحايدة لكي توصل صوتاً جديداً وصورة جديداً عن الشعب الفلسطيني إلى الطرف الإسرائيلي الآخر وإلى الرأي العام العالمي، مفاده بأننا نريد السلام الحقيقي والعادل والشامل وبأسرع وقت ممكن ومرة واحدة وللأبد، وأننا على استعداد للعيش جنباً إلى جنب في دولتين مستقلتين، لا بل على استعداد للعيش معاً في دولة واحدة لشعبين على أرض فلسطين التاريحية كلها، فالأرض واسعة وفيها مكان للجميع.

ولبلوغ هذه الغاية النبيلة، يجب تبني أساليب جديدة وأفكار ابداعية منبثقة من مبدأ اللاعنف والمقاومة السلمية، وهنا يصبح المجال مفتوحاً أمام الجميع للابتكار، فالوسائل المذكورة في مقال السيد محمد دراغمة مثل "الطرق على أواني الطعام واضاءة الشموع واطلاق الطائرات الورقية وتنظيم معارض وعروض ومسيرات متنوعة"، هي غيض من فيض، ويمكن طرح الكثير غيرها من الأفكار التي طبقت في غير هذه البلاد في كافة حركات التحرر عبر التاريخ، من الضروري الكتابة عنها في أحاديث لاحقة.

 

ولكن قد يقول البعض: وهل ينفع هذا من مثل هذا الشعب مع مثل هذه الدولة؟ ونقول: بالتأكيد أن الأمر ليس سهلاً ولا أوتوماتيكياً ولكنه بلا شك فعال، يعيد لنا صورتنا الحقيقية ويكسبنا المصداقية الدولية والدعم العالمي وقد يوصلنا بأسرع وقت وأقل كلفة إلى الهدف المنشود، فنحن لا نحب الموت ولا نسعى إليه بل نحب الحياة ونريد أن نعيش بحرية وكرامة، ونحن "نريد عنباً لا أن نقاتل الناطور"، نريد أن نكسب الجميع أصدقاء لا أن نحولهم إلى أعداء ألداء، فمعركتنا هي أن نحول الأعداء إلى أصدقاء، لذلك فنحن نريد العدالة والحرية والسلام ولكن يجب أن نسعى إلى المصالحة ونعمل من أجل الحياة المشتركة، فليس لنا من هذاالمصير فرار.

        الأب رائـــد عــوض أبــو سـاحليـة