SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

العـودة إلى المدارس     الأحد 31/8/2003

 

يعود طلابنا إلى المقاعد الدراسية بعد شهور من العطلة الصيفية التي نرجو بأنها كانت عطلة مفيدة، وبهذا تبدأ مغامرة سنة دراسية جديدة بالرم من استمرار صعوبة الأحوال، وهذا دليل على أن الحياة يجب أن تستمر رغم الصعوبات وأن الغلبة في النهاية للحياة وليس للموت، فالحياة في الحركة، والحركة بركة!

 

وبهذه المناسبة، أود المساهمة في التفكير وطرح الآراء لكي تكون هذه السنة الدراسية مميزة ومثمرة، وسأركز على أقطاب العملية التدريسية الثلاثة التي أرى أنه من المفيد الاهتمام بها: الطالب والمعلم والأهل، فلا يقعد القدر إلا على حجارة ثلاثة كما لا تقوم المدرسة إلا على هذه الأركان الثلاثة.

 

الطالب هو محور العملية التعليمية، فهو المادة الخام التي توضع في المدرسة، لكي تصقل وتنمو من كافة الجوانب الإنسانية والثقافية والروحية والاجتماعية والجسدية. ومن هنا ضرورة التركيز على هذه الجوانب، فإن شعوري بأننا عادة ما نتعامل مع الطالب كوعاء فارغ يجب حشوه بالمعلومات ومختلف أنواع المعارف وكأنه سلة مهملات نضع فيها مما هب ودب، كما أننا نعتبر بأن الطالب الناجح والفالح هو الذي يستوعب أكبر قدر منها ويحصل على أعلى العلامات ويتفوق على زملائه في الامتحانات. وفي الحقيقة فإننا نحصل على إنسان يحفظ عن ظهر قلب ولا يفهم، يكرر ما يسمعه وما يقرأه مثل الببغاء ولا يستطيع أن يفكر أو يحلل، يدرس خوفاً من الرسوب أو بهادل الأهل والمعلمين والزملاء لا حباً بالعلم والمعرفة، كما أنه لا يأتي إلى المدرسة بطيبة خاطر لآنه يجد فيها مكاناً جميلاً مسلياً مفيداً ولكنه يذهب إليها وكأنه ذاهب إلى السجن ويقدم الامتحان وكأنه مقبل على حبل المشنقة.

 

ولا يسعنا هنا إلى ذكر مثال السيد المسيح الذي يقول عنه الانجيل عندما بلغ سن الثانية عشرة بأنه "كان ينمو في الحكمة والنعمة والقامة أمام الله والناس" أي أنه كان ينمو نمواً متكاملاً: في عقله (الحكمة) وفي روحه (النعمة) وفي قامته (الجسد)، وبالتالي فإن المدرسة ينبغي أن تهتم بهذه الجوانب العقلية والروحية والجسدية، كما ينبغي أن تهتم بتطوير قدرته على العلاقات الانسانية والاجتماعية وتهذيب أخلاقه وسلوكه فيسير في حياته سيرة البر والتقوى أمام الله والناس.

 

لذا أقترح بأن لا ينحصر الاهتمام على المنهاج والكتب المقررة من التربية والتعليم ولكن وضع خطة سنوية لنشاطات مختلفة تراعي جوانب نمو الطالب كافة بحيث يشعر الطالب بأنه مشارك وليس مستمعاً، وأنه عنصر مهم في العملية التربوية وليس رقماً في الصف، وأن المدرسة هي بيته الثاني حيث يجد الراحة والهدوء فيحبها ويشتاق إليها ويأتي راغباً فيها لا كارهاً ولا مكرهاً. بوجيز الكلام: يجب أن تتحول المدرسة إلى مكان للابداع والتفكير واللقاء والحوار وليس مكاناً للحفظ والبصم والامتحان والعلامة.

 

من هنا يمكن تشكيل اللجان الصفية التي تهتم بمختلف النشاطات بحيث يشارك معظم الطلاب فيها بحسب قدراتهم ومواهبهم. ويمكن تكوين مجلس للطلبة على مستوى المدرسة يشارك في اتخاذ القرارات والاهتمام بالنشاطات، لا بل يمكن تشكيل برلمان صغير في المدرسة بحيث يتم الترشيح والانتخاب والتمثيل لكافة الطلاب، فيتعلم الطلاب الحوار وطرح الأفكار والتعبير عن الآراء ونقاش المشاريع والمشاركة في تنفيذها.

 

هدفنا هو أن نخلق طالباً فاعلاً متفاعلاً وليس مفعولاً به.

أما المعلم، فهو ركن من أركان العملية التدريسية، فهو المربي والمرشد والمرافق والأخ والصديق. وشعوري بأن هذه الرسالة الجليلة والمهمة العظيمة أصبحت مهنة صعبة إن لم تكن هماً كبيراً، لأن المعلم يعاني من ضغط الحياة والظروف ومسؤوليات العائلة، وينتظر آخر الشهر ليقبض راتبه الهزيل وعينه على عمل إضافي ليسد رمق عائلته، كما أن الطلاب لا يرحمونه ويقلقون راحته ويخلقون المتاعب له من كثر مشاغبتهم والأهل يطالبونه بالاهتمام بكل طالب ولا يرحمونه من محاسبتهم. ناهيك عن كثير من المعلمين الذين ملوا التدريس وعافوا المدارس وأصبح التعليم بالنسبة لهم عادة وروتين إن لم يكن عبئاً ثقيلاً. ولا ننسى رحلة العذاب اليومية من البيت إلى المدرسة لمن يتنقلون بين الحواجز العسكرية.

بالرغم من صحة كل ما ذكرت وغيره من المنغصات والعراقيل، فإني أقول بأننا بحاجة إلى جيل جديد من الملعمين الذي يعتبرون التعليم رسالة ومتعة وهواية، بحيث يجدون في ساعات الدوام رحلة يومية يؤدون فيها رسالة جليلة ومغامرة جميلة لأن بين أيديهم تتشكل العقول والأجساد والأرواح وفي مدرستهم تصنع الرجال والنساء، وفي أفق سنوات التدريس يلوح غد مشرق ومستقبل جديد لأجيال جديدة.

ومن هنا ضرورة تطوير الأساليب التدريسية بحيث يحاور المعلم الطلاب ويناقش معهم الأفكار ويفتح لهم الأفاق ويذلل معهم المصاعب. وضرورة تشكيل فريق عمل من المعلمين والمعلمات بحيث يصبح العمل جماعياً وليس انفرادياً. وضرورة عقد الدورات واللقاءات للهيئة التدريسية ليس فقط للاطلاع على كل جديد في مجالات العلم والمناهج ولكن لمناقشة سير العملية التدريسية في المدرسة ومتابعة تقدم الطلاب ومعالجة مشاكلهم وهمومهم. يجب أن يتحول المعلم إلى أب أو أم في المدرسة والطلاب إلى إخوة وأخوات، والمدرسة إلى عائلة كبيرة.

وإذا كان المعلم ركن في العلمية التدريسية فإن المدير هو الربان الذي يقود السفينة إلى شاطيء الأمان، بكل هدوء وتنظيم وعزم وحزم دون شدة مفرطة ولا قسوة زائدة ولا تهاون أو هوان. وهنا نلتقي من جديد مع السيد المسيح المعلم الذي كان يعلم بسلطان ولكن ببساطة واتقان لأنه كان يعرف قلب الانسان ويجد الكلمات الصحيحة التي كانت تقع في الأرض الطيبة، ومع ذلك يقول في نهاية كل حديث "من له أذنان سامعتان فليسمع"!

أما الأهل فليسوا غرباء عن العملية التربوية، فالبيت هو المكان الأول الذي ينشأ وينمو فيه الطفل، والأب والأم هما المعلمين الأولين ولا ينتهي دورهما بإرسال أولادهم إلى المدرسة وكأنها المكان الذي يرتاحون فيه من غلبة أبنائهم ويتنصلون من مسؤولية تربيتهم، لذلك ينبغي اشراكهم في العملية عن طريق قنوات التواصل المختلفة: تشكيل مجلس أولياء الأمور في المدرسة بحيث يساعدون في متابعة أبنائهم والمشاركة في نشاطات المدرسة، عن طريق استقبال أولياء أمور الطلاب في مواعيد محددة للاستفسار عن أبنائهم، حتى ولو اقتضى الأمر استدعاء الأهل للتباحث في بعض الحالات الفردية، كما ينبغي التعاون بين الأهل وإدارة المدرسة والمعلمين، بحيث لا يقفون بالمرصاد لكل كبيرة وصغيرة وكأنهم ينصبون أنفسهم حكاماً لسياسات المدرسة وأسلوب المعلمين، فعندما يكون الهدف هو المصلحة العامة يجب سلوك طريق الحوار الهاديء البناء.

كما أن مسؤولية الأهل تستمر بمتابعة أبنائهم في البيت بعد المدرسة، فلا يمكن أن يتنصلوا من هذا الدور بحكم ضيق الوقت أو الاعتماد على المدرسة فقط أو تحميل الحق على المعلمين... فإن اهتمام الأهل بدروس أبنائهم في البيت يخلق حافزاً اضافياً لهم للاجتهاد والتحصيل وإن اهمالهم لهذا الدور يدفع الأولاد إلى عدم الاكتراث والتقصير لا بل الكسل.

خلاصة القول بأن اهتمام المدرسة بهذه العناصر الثلاثة هو سر نجاحها، فبدلاً من التركيز على العمار والبنيان يجب التركيز على الانسان فإنه أهم من الكتب والعلامات والامتحان، لأن الإنسان أغلى ما نملك في عصر ارتقع فيه سعر كل شيء ورخص الإنسان.

 

                                                                                                الأب رائــد عـوض أبو ساحلية