|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
نمر بظروف صعبة جداً على كل الأصعدة والمستويات، تشن علينا المعارك من كل
الجهات، وتمارس ضدنا كل أنواع العقوبات، وقد تعودنا على الصبر والاحتمال لأن ليس
في اليد حيلة. ولكن أن تزرع الفتنة في صفوفنا فمن أكبر المحرمات رغم أنه من
التوقعات، فسياسة "فرق تسد" ورثتها كل الاحتلالات، فالسوس ينخر أضخم
الأشجار من الداخل ويجعلها عرضة للعواصف ويرميها في مهب الريح ويطيح بها في نهاية
المطاف.
لهذا نحن بحاجة إلى الفطنة والحكمة لكي نواجه كل محاولات الفتنة، فلا يحق
لشعب يعاني كل هذه المعاناة ويواجه كل هذه الصعوبات بأن يقع فريسة الخلافات
الداخلية التي تضعف قوته وتشل حركته وتجعله عرضة لشماته الأعداء والأصدقاء، إن لم
يكن للاستهزاء.
إن كلمة "الفتنة" تذكرني بكلمة
"شيطان" التي تعني بالعبرية "الممزق" وهي مرادفة لكلمة
"ابليس" اليونانية التي تعني "العدو". إذن فالشيطان هو عدو
الخير وهو الممزق والمشتت الذي لا يحب أن تسير الأمور على ما يرام بهدوء وانتظام.
فإذا رأى مركباً سائراً بسلام في نهر الأيام فإنه يعرقله ويحاول أن يقلبه، بينما
الحكمة تقول "أذا رأيت مركباً سائراً دزه" أي أعطه دفعة قوية ليسير إلى
الأمام. فالإنسان يمكن أن يصبح شيطاناً لأخيه الإنسان!
وفي الإنجيل يعطينا السيد المسيح مثل زؤان
الحقل ليعلمنا بأن الشيطان عدو الانسان يحاول أن يفسد حياته: "مثل ملكوت
السموات كمثل رجل زرع زرعاً طيباً في حقله. وبينما الناس نائمون، جاء عدوه فزرع
بعده بين القمح زؤاناً وانصرف. فلما نمى النبت وأخرج سنبله، ظهر معه الزؤان، فجاء
رب البيت خدمه وقالوا له: "يا رب، ألم تزرع زرعاً طيباً في حقلك؟ فمن أين جاء
الزؤان؟" فقال له الخدم: "أفتريد أن نذهب فنجمعه؟" فقال: "لا،
مخافة أن تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان، فدعوهما ينبتان معاً إلى يوم الحصاد،
حتى إذا أتى وقت الحصاد، أقول للحصادين: اجمعوا الزؤان أولاً واربطوه ليحرق. وأما
القمح فاجمعوه وأتوا به إلى أهرائي".
إن هذاالشعب الطيب يستحق أن يثمر ثمراً طيباً بالرغم من بعض الزؤان الذي قد
يزرعه العدو فيما بيننا لكي يشتت شملنا ويحبط عزمنا ويضعف من أزرنا. كما أن مصير
الزؤان هو الحرق في أتون النار "حيث البكاء وصريف الأسنان" كما يقول
السيد المسيح.
أما كلمة "الفطنة" فتذكرني بكلمات "الحكمة والذكاء
والدهاء". قد تكلم السيد المسيح عن الرجل الحكيم العاقل الذي يبني بيته على
الصخر فيصمد أمام الزوابع والرياح والأمطار، كما تكلم عن الملك الحكيم العاقل الذي
يطلب الصلح مع ملك آخر لأنه لا يستطيع أن يواجه بعشرة آلاف من يزحف عليه بعشرين
ألفاً. وتكلم عن الرجل الذي أراد أن يبني برجاً فيجلس قبل ذلك ويحسب النفقة ليرى
هل بإمكانه أن يتمه مخافة أن يضع الأساس ولا يقدر على الاتمام، فيأخذ الناظرين
إليه يسهرون منه ويقولون: هذا الرجل شرع في بناء ولم يقدر على إتمامه. كما يتكلم
عن رب البيت الحكيم الذي يسهر ويحرس بيته إذا عرف بأن اللص سيداهم بيته فلا يدعه
ينهب ويقتل ويدمر، وتكلم عن العذارى الحكيمات اللواتي يحملن مع مصابيحن الزيت
لملاقاة العريس عند عوته في منتصف الليل. ويتكلم عن الخادم الأمين العاقل، الذي
أقامه سيده على أهل بيته، ليعطيهم الطعام في وقته؟ طوبى لذلك الخادم الذي إذا جاء
سيده وجده منصرفاً إلى عمله هذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله.
كم نحن بحاجة إلى رجال عقلاء حكماء فهماء فطناء مثل هؤلاء؟ فالشدة هي مصنع
الرجال العظماء، والصعوبة حافز اضافي إلى تكاتف الجهود ونبذ الخلافات والمصالح
الشخصية وتحاشيء النزاعات والبغضاء. لهذا، تعالوا اخوتي على كلمة سواء، وكونوا على
مستوى المسؤولية الجسيمة التي يحملكم إياها شعبكم، فنحن لا نريد أن نهرب من
الرمضاء إلى الجمر، ولا نريد أن نكتوي بنار الاحتلال ولا بخيانة الأصدقاء.
يجب وأد الفتنة في مهدها ورص الصفوف وتوحيد
الجهود والنهوض من الرماد مثل طائر الفينيق والوقوف على أقدام من حديد من جديد
وتحطيم كل القيود، والصمود في وجه المؤامرات. اسمعوا وعوا، ومن له أذنان سامعتان
فليسمع:
من الفتنة أن نختلف على الكراسي والمناصب
بينما شعبنا يرزح تحت نير الاحتلال،
من الفطنة أن يكون كبير القوم خادمهم وأن يصبح الجميع في خدمة الهدف الواحد
والوطن الواحد.
من الفتنة أن ننجر إلى إملاءات الآخرين ونتلقى الأوامر من الخارج وهم
يتفرجون على جراحاتنا،
من الفطنة أن يكون أمرنا شورى بيننا فنكون جسداً واحداً وقلباً واحداً
ورأياً واحدة.
من الفتنة أن تتشرذم القيادة إلى أحزاب وفئات وطوائف وفصائل بينما المصلحة
واحدة،
من الفطنة تشكيل قيادة وطنية موحدة تجمع كل الأطياف والمحافظة على الوحدة
في التعددية.
من الفتنة أن نضيع الوقت في المماحكات والنقاشات بينما تزداد الاعتداءات،
من الفطنة وضع خطة عمل موحدة وبرنامج سياسي واضح لأن المصلحة الوطنية
واحدة.
من الفتنة الاقتتال الداخلي – لا سمح الله – فهو انتهاك للمحرمات وتجاوز
للخطوط الحمراء،
من الفطنة اعلان حرمة دم كل إنسان في كل زمان وكل مكان فهذا من المقدسات.
من الفتنة التلهي بصغائر الأمور واللجوء إلى المنازعات والمناوشات بين
العائلات،
من الفطنة الترفع عن أذية أي كان والتفرغ للبناء وتوفير الجهود للأمور
العظيمة.
من الفتنة زرع الزؤان والحزازات والتعاون والعمالة والخيانة وعدم الأمانة،
من الفطنة زرع المحبة والعمل على المصالحة ونزع فتيل الخصومات.
من الفتنة هدر الأموال وتبذير الطاقات والقدرات واستغلال الفقراء والضعفاء،
من الفطنة الحفاظ على مقدرات الوطن والتعاون والتكافل ومد يد العون لكل
محتاج.
من الفتنة هدر الوقت والتأجيل والمماطلة ونكث المواثيق والعهود وتشتيت
الجهود،
من الفطنة احترام الوقت والعجلة في كل خير وبر والعمل على اسراع عملية
السلام.
من الفتنة مقابلة الشر بالشر والعنف بالعنف والدم بالدم فهذه دائرة جهنمة،
من الفطنة مقابلة الشر بالخير والعنف بالمحبة والدم باحترام الحياة هكذا
تكسر هذه الدائرة.
ليس غريباً بأن يزرع العدو الزؤان في حقلك، ولكن أن تزرع أنت بيدك الزؤان
في حقلك فمن أغرب الأمور المستهجنة، فهذا جهل وغباء، وبهذا تصبح عدواً لنفسك،
وبدلاً من عدوٍ واحد يصبح لك عدوين لا بل أعداء. فالجاهل عدو نفسه! فليس من الفطنة
أن تكثر من الأعداء، بل العظمة الحقيقية هي أن تحول كل الناس إلى أصداقاء وحتى
الأعداء، بدون استثناء!
الأب
رائـد عـوض أبو ساحلية