SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

عـيـد ارتفـاع الصـليـب  الأحد 14/9/2003

تحتفل الكنيسة في مثل هذا اليوم من كل عام بعيد ارتفاع الصليب المقدس، ويرتبط هذا العيد بطبيعة الحال بحادثة صلب وموت السيد المسيح على جبل الجلجلة في مدينة القدس. وبعد هذه الحادثة اختفت آثار الصليب الذي صُلِبَ عليه السيد المسيح، لأن الرومان رموه في الحفرة الكبيرة التي كانت قريبة من جبل الجلجلة، وأقاموا مكانه معبداً للإله الروماني فينوس ليمنعوا المسيحيين الأوائل من زيارة المكان وتكريم الصليب المقدس. واستمر الوضع هكذا إلى سنة 326 عندما حضرت القديسة هيلانه الأمبراطورة والدة الأمبراطور قسطنطين، إلى القدس للبحث عن خشبة الصليب المقدس.

وعندما سألت عن الأمر أخبروها بأن الصليب مدفون بالقرب معبد فينوس الذي أقامه الأمبراطور أدريانوس، فأمرت بحفر المكان فعثرت على ثلاثة صلبان، ولما لم تعرف أيها صليب السيد المسيح الحقيقي، اقترح مكاريوس، بطريرك القدس أنذاك، أن توضع واحداً تلو الآخر على جثة أحد الموتى الذين كانت تمر جنازتهم بالمكان في ذلك الوقت، فعندما وضع الصليب الأول والثاني لم يحدث شيء، وعندما وضع الصليب الثالث، عادت للميت الحياة بأعجوبة باهرة، وبعد ذلك وضعوا الصليب على إمراة مريضة فشفيت في الحال، عندئذ رفع البطريرك مكاريوس خشبة الصليب ليراها جميع الحاضرين فرتلوا "يا رب ارحم" ودموع الفرح تنهمر من عيونهم، فرفعت القديسة هيلانه الصليب المقدس على جبل الجلجلة وبنت فوقه الكنيسة المعروفة إلى يومنا هذا بكنيسة القيامة. ولدى زيارتنا لها نجد في أسفلها كنيسة صغير مخصصة للقديسة هيلانه يعلو هيكلها تمثال برونزي لها وهي تحمل وتعانق الصليب المقدس.

وفي القرن السابع للميلاد، وبالذات سنة 614، اجتاح الفرس الأرض المقدسة وهدموا معظم الكنائس فيها، وأخذوا معهم خشبة الصليب المقدس إلى بلاد فارس، إلى أن استطاع الأمبراطور البيزنطي هيرقل غزو بلاد فارس عام 628 واسترجع ذهيرة خشبة الصليب المقدس وأتى بها إلى القسطنطينية التي خرجت بكل ما فيها لاستقباله بالمصابيح وتراتيل النصر والابتهاج. وبعد مرور سنة جاء بها الإمبراطور هرقل إلى أورسليم ليركز عود الصليب في موضعه على جبل الجلجلة. فقام لملاقاته الشعب وعلى رأسهم البطريرك زكريا، فاستقبلوه بأبهى مظاهر الفرح والبهجة بالمشاعل والترانيم وساروا حتى طريق الجلجلة. وهناك توقف الملك بغتة بقوة خفية وما أمكنه أن يخطو خطوة واحدة، فتقدم البطريرك وقال للملك: "إن السيد المسيح مشى هذه الطريق حاملاً صليبه، مكللاً بالشوك، لابساً ثوب السخرية والهوان، وأنت لابس أثوابك الأرجوانية وعلى رأسك التاج المرصع بالجواهر، فعليك أن تشابه المسيح بتواضعه وفقره". فأصغى الملك إلى كلام البطريرك، وارتدى ثوباً حقيراً ومشى مكشوف الرأس، حافي القدمين، فوصل إلى الجلجلة، حيث ركز الصليب في الموضع الذي كان فيه قبلاً. 

ومنذ ذلك الوقت ونحن نحتفل في الرابع عشر من أيلول بعيد وجدان الصليب المقدس على يد القديسة هيلانه واسترجاع خشبة الصليب المقدس من بلاد فارس على يد الأمبراطور هيرقل. ومن العادات الشعبية المقترنة بهذين العيدين نذكر: أولاً اشعال النار على قمم الجبال أو اسطح الكنائس والمنازل أو في الساحات العامة، وترجع هذه العادة إلى النار التي أمرت القديسة هيلانه بأشعالها من قمة جبل إلى أخرى لكي توصل خبر وجدانها للصليب لابنها الأمبراطور قسطنطين في القسطنطينية، إذ كانت النار هي وسيلة التواصل السريع في ذلك الزمان عندما كانت وسائل المواصلات والاتصالات بدائية وبطيئة.

وهناك عادة شعبية ثانية يمكن ذكرها وهي أنه يوزع في مثل هذا العيد ثمر الرمان على باب الكنائس، وذلك لأن حبة الرمان ترمز إلى الحياة والخلود، فعندما تفتح الرمانة تجد بأن حباتها حلوة ولكنها مغلفة بغلاف مر أو حامض، وفي هذا رمز: إن السيد المسيح كان يجب أن يمر بمرارة الألم والصلب والموت لكي يصل إلى حلاوة ومجد القيامة والحياة. وأذكر هنا بأن لدينا في كنيسة الطيبة أيقونة جميلة لمريم العذراء سيدة أفرام وهي تحمل حبة رمان، وتقول الرواية الشعبية بأن أهل أفرام قد قدموا لها هذه الثمرة عندما حضرت إلى أفرام (الطيبة) لرؤية ابنها الذي كان مختبئاً من اليهود الذين كانوا يطلبون حياته ويحاولون القبض عليه (راجع يوحنا 11/54).

وبعد الروايات التاريخية والتقاليد الشعبية التي تدور حول عيد ارتفاع الصليب، يجدر بنا استخلاص العبر الروحية والحياتية، والتي ألخصها بما يلي مستنداً إلى قراءات هذا العيد:

-   إن السيد المسيح قد غلب العالم ليس بقوة السلاح ولكن بصليب آلامه وموته، فأصبح الصليب مفتاح الملكوت السماوي للبشر. وهذا يذكرنا بقول أمير الشعراء وهو يخاطب الجنرال أللنبي الذي دخل القدس ظافراً: "يا فاتح القدس خلِ السيف على جنب، لم يكن الصليب حديداً بل خشب". وينطبق هذا أيضاً على كل الغزاة والفاتحين: إن قوة الحديد والسلاح محدودة لا تحقق نصراً بل تزرع دماء ودماراً، وأن الغلبة هي لقوة الحقيقة والمحبة والعدالة.

-   إن الصليب الذي كان يعتبر أداة خزي وعار لأنه عقاب اللصوص والمجرمين وغير الرومانيين، أختاره السيد المسيح وسيلة خلاص للبشرية: فهو يريد أن يقاسي أشد الآلام ويحتمل أعظم عقاب لكي يكفر عن خطيئة الإنسان، وحوله بذلك، إلى أداة فخر وعز وغار وانتصار هو الذي قال: "وإنا إذا ارتفعت عن الأرض جذبت إليَّ الناس أجمعين".

-   وهذا يذكرنا، بشجرة الفردوس المفقود وخطيئة آدم وحواء اللذين أكلا من شجرة "معرفة الخير والشر" المزروعة في وسط الجنة التي نهاهما الله من أكلها، فسقطت البشرية جمعاء فيما نسمية "بالخطيئة الأصلية" بسبب عصيان أبوينا الأولين، أما السيد المسيح فقد استخدم شجرة أخرى، وهي عود الصليب، لكي يكفر بطاعته عن العصيان ويعوض بعود الصليب ومرارة الألم عن الاثم الذي ارتكب بأكل تلك الثمرة المحرمة.

-   وهذا يذكرنا أيضاً، بالحيات النارية التي كانت تلسع في البرية الشعب اليهودي الذي عصى الله بعصيانه أوامر موسى، فرفع موسى حية نحاسية في البرية وكل لديغ كان ينظر إليها يشفى من اللدغة ولا يموت، وقد أشار السيد المسيح إلى ذلك بقوله: "كما رفع موسى الحية في البرية كذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان، لتكون به الحياة الأبدية لكل من يؤمن".

-   وأخيراً، يمكننا أن نقول، بأن هذا العيد يذكرنا بحالنا كشعب مرفوع على خشبة صليب الاحتلال، وما أكثر صلباننا، وما أثقل أحمالنا، وما أشد آلامنا، فيبدو أن قدرنا الألم ومصيرنا الموت، ولكن لا، فبعد اليوم، أصبح الموت طريق للحياة والألم ضريبة للقيامة والاستشهاد عربون للحرية والاستقلال.

-   وفي هذه الحالة نجد السيد المسيح يتوجه إلينا قائلاً: "تعالوا إليَّ أيها المتعبون والمثقلون تجدوا الراحة في نفوسكم، احملوا نيري وتتلمذوا لي فإني وضع متواضع القلب لأن نيري لطيف وحملي خفيف" ونسمع أشعيا ألنبي يقول لنا: "تقوَّوا لا تخافوا، هوذا إلهكم. النقمة آتية، مكافأة الله حاضرة، هو يأتي ويخلصنا".

-   أما صلاتنا في مثل هذا العيد المجيد: "لصليبك أيها السيد نسجد وآلامك المقدسة نمجد، لأنك بصليبك المقدس قد خلصت العالم".

o     الأب رائـد عـوض أبو ساحلية