SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

أنتم أثمن من عصافير كثيرة     الأحد 21/9/2003

 

بينما كنت أقرأ كتاباً حديث النشر بعنوان "قصص روحية" استوقفتني قصة بعنوان "حديث بين عصفورين" تقول ما يلي: كان عصفوران يسرحان ويمرحان في الجو، فقال أحدهما لصاحبه: "أترى الناس، هناك على الأرض؟ ما بالهم يتراكضون ويتعبون أنفسهم، وعلى وجوههم إمارات القلق والاضطراب، وكأنهم معتوهون؟" فأجابه رفيقه: "يبدو لي أن ليس لهم إله يعتني بهم كإلهنا. وأما إذا كان نفس الإله الذي يعتني بنا، فمن الأكيد أنهم لا يثقون به ولا يعتمدون عليه!"

 

وقد استوقفني ما حدث معي في بداية الأسبوع وأنا ذاهب على عجل، لزيارة والدتي التي كان يجب أن تجري عملية جراحية خطيرة في مستشفى جنين، فعندما وصلت عند حاجز الحمرا العسكري منعني الجنود من المرور بحجة الخوف على سلامتي، فهذه هي الأوامر والتعليمات، حاولت جاهداً إقناع الجنود بضرورة السماح لي بالمرور ولكهنم لم يبالوا بعذري الإنساني. في هذه الأثناء شاهدت أحد الجنود الذي يجلسون على الأرض وهو يلاعب صوصاً صغيراً يحملة بيده ويداعبه برقة وحنان، فقلت له: إذا كنت تهتم لهذه الدرجة بهذا الصوص الصغير الذي لا يساوي شيئاً، فلماذا لا تبالي بمطلبي أنا الذاهب لزيارة والدتي طريحة الفراش، فهل هذا الحيوان أهم من الإنسان؟ فخجل الجندي وقام منسحباً وهو يقول: أنا متأسف، لا أستطيع أن أعمل لك شيئاً، فهذه هي الأوامر! فأيقنت عندها بأن الإنسان يمكن أن يفقد إنسانيته عندما ينسى بأنه إنسان!

 

فما هو موقف الله من كل هذا؟ هل العصافير تنعم بهذا السلام الذي يفتقده البشر؟

ذكرتني هذه القصص بكلمات السيد المسيح حول العناية الإلهية عندما قال: "لا يهمكم للعيش ما تأكلون ولا للجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟ أنظروا طيور السماء كيف لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكم السماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيراً؟ ". (متى 6: 24-27).

 

وفي مكان آخر قال: "لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ثم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً بعد ذلك. ولكني سأبين لكم من تخافون: خافوا من له القدرة بعد القتل على أن يلقي في جهنم. أقول لكم: نعم خافوه. أما يباع خمسة عصافير بفلسين، ومع ذلك فما منها واحد ينساه الله. بل شعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه. فلا تخافوا، إنكم أثمن من العصافير جميعاً". (لوقا 12: 4-7).

 

أذكر هذه الأمور لأن الجميع يتساءل في هذه الأيام الصعبة ويقول: أين الله مما يحدث لنا؟ لماذا لا يسرع لنجدتنا؟ إذا كان إلهاً عادلاً محباً للبشر لماذا يسمح بأن يتألم شعب بأكمله على يد شعب آخر يدعي بأنه "شعب الله المختار"؟ لماذا لا يسرع بالانتقام لنا؟ أين العدالة في كل ما يحدث؟ وأسئلة كثيرة مثل هذه... لا بل يذهب البعض بالقول أن الله يقف مع الظالم ضد المظلوم ويزيده قوة وعنفواناً وتجبراً...!

 

وقد تكون كل هذه الأسئلة صحيحة ومشروعه وذلك بسبب الظلم الصارخ الواقع على شعب بأكمله منذ سنوات كثيرة... وبسبب "صمت الله" سبحانه وتعالى وغيابه عن الساحة كما يظن الكثيرون! كما يقول زميلي في احدى "بطاقات ابن البلد": "صامت أنت يا سيدي، والكون آلة تدور في الفراغ. والناس يرتعشون في العراء. وجوه بلا أسماء. لا لون لهم. لا عنوان. والأرض قاحلة تئن من الجفاف. يأكل أحشاءها الشوق إلى الخصاب، لأنك صامت، يا سيدي. لم تعد تجلجل، ورجع صوتك لا يهدر في الآذان. لم تعد لوناً، أنشودة، أبتسامة ولا ربيعاً وعيداً وأصدقاء كما عهدناك... وينهي البطاقة بالسؤال المحير: "صامت أنت، يا سيدي؟.. أم أصم أنا؟ وكأن هذه الكلمات صدى لكلمات فدوى طوقان: "لكن رحابك مغلقة في وجهي، غارقة في الصمت"، وتعبر عن صرخة صاحب المزامير: "اللهم، لا تكن ساكتاً، لا تصمت"!

 

وأمام هذه المعمعة من الأفكار التي تتزاحم في رأس كل واحد منا، قد يفقد المرء الأمل ويغوص في بحر من الاحباط واليأس والألم، لانه لا يفهم جيداً، أو يعجز عن إيجاد الأجوبة المقنعة على هذه المعضلات المحيرة، وحتى لو آمن بما هو مكتوب فإن ما يحدث يعاكس ما هو مرغوب، فكثراً ما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وخاصة أن الرياح معاكسة منذ سنوات وعقود وأجيال... ويصرخ المرء إلى متى يا رب؟!

 

وهنا نعود ونسمع رجع صدى المعلم من جديد يقول لنا: "ومن منكم يستطيع، إذا اهتم، أن يضيف على حياته مقدار ذراع واحد؟ فإذا كنتم لا تستطيعون ولا إلى القليل سبيلاً، فلماذا تكونون في همِّ من سائر الأمور؟ أنظروا إلى الزنابق كيف لا تغزل ولا تنسج. أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس مثل واحدة منها. فإذا كان العشب في الحقل، وهو يوجد اليوم ويطرح غداً في التنور يلبسه الله هكذا، فما أحراكم بأن يلبسكم يا قليلي الإيمان؟ فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون أو ما تشربون ولا تكونوا في قلق، فهذا كله يسعى إليه وثنيو هذا العالم، وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إليه. بل اطلبوا ملكوته تزادوا ذلك كله". (لوقا 12: 27-31).

 

لا أقول هذا لكي أعزي نفسي، ولا لكي أغرق في القدرية والحتمية العمياء، ولكن لكي أحث اخوتي على الثقة بالعناية الإلهية والايمان بالله والصبر على كل ما يحدث واثقين بأن لله في خلقه شؤون، وأنه سيد التاريخ، فإنه يقود الجميع بحكمة وبصيرة إلى الخير، حتى ولو بدا الأمر للوهلة الأولى عكس ذلك، لأننا لا نفهم مخططات الله وأحكامه، فأفكاره تفوق أفكار البشر. "فإننا نؤمن بأن الله يسخر كل شيء لخير الذين يحبونه"، وأن الله قادر على أن يخرج من الشر خيراً "فلا تكرهوا شراً لعله خير، ورب ضارة نافعة".

 

كما أريد أن أصل إلى النتيجة الهامة التالية: علينا أن لا نخاف أبداً ممن يقتل ويدمر ويقلع ويسرق ويحرق، فكل هذا يعوض، بل يجب أن نحافظ على الروح المعنوية العالية القوية التي تصمد وتتحدى الصعاب، فلا تستطيع أية قوة في العالم أن تكسر إراد شعب يريد الحياة والحرية. كما علينا أن نحافظ على الوحدة برباط المحبة في هذه المحنة لأنه "حيث يكون الحسد والمنازعة، يكن الاضطراب ومختلف أعمال السوء، وأما الحكمة التي تنزل من عل، فهي طاهرة أولاً، ثم مسالمة حليمة سمحة، تفيض رحمة وتثمر ثماراً صالحة، لا محاباة فيها ولا رياء، ثمرة البر تزرع في السلام، للذين يعملون للسلام" (رسالة القديس يعقوب 3: 14-18). فلا ندعن ما يحدث يحبط همتنا ويكسر إرادتنا ويحيدنا عن عزمنا وتصميمنا علىنيل حقوقنا واسترجاع حريتنا، وكل ذلك بثبات وثقة ومحبة، فالذي يثبت إلى المنتهى هو الذي يخلص، والذي يضحك هو من يضحك في النهاية.

 

إن المعركة الحالية هي معركة إرادات: إرادة شعب يعتمد على قوة السلاح دون الحق، وإرادة شعب يعتمد على قوة الحق دون السلاح، كما وقف جوليات بعضلاته المفتولة وسيفه الجبار ومقابله داؤد الضعيف بمقلاعه البسيط وحجارته الصغار، مع الفرق بانقلاب الأدوار، وتعلمون نهاية القصة ولمن كانت الغلبة والانتصار!

  

الأب رائـد عـوض أبو ساحلية