|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
صاحب
المال تعبان وقلة المال راحة! الأحد 28/9/2003
إن المتصفح للإنجيل المقدس يعتقد بأن السيد المسيح يقف مع الفقراء ضد
الأغنياء هو القائل: "طوبى لكم أيها الفقراء فإن لكم ملكوت السموات"
(لوقا 6/20) "الويل لكم أيها الأغنياء فقد نلتم عزاءكم" (لوقا 6/2). وفي
الحقيقة أنه كان يريد أن ينبهنا من مخاطر الانزلاق في حب المال والسعي وراء الغنى
الذي يغنينا عن الله "متحولين عن الخالق نحو الخلائق" كما يقول القديس
أغسطينوس، لأنه "ما من أحد يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما
ويحب الآخر، وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر، لا تستطيعون أن تعملوا لله
وللمال" (متى 6/24).
وقصد السيد المسيح هو أن يكون كنزنا الحقيقي فيما يبقى وليس فيما يبلى
ويفنى، فلا يأخذ المرء معه بعد موته شيئاً مما جنى في حياته من أموال سوى أعماله
الصالحة ولا يترك سوى ذكراه العطرة، لذلك يقول: "لا تكنزوا لأنفسكم كنوزاً في
الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وينقب السارقون فيسرقون، بل اكنزوا لأنفسكم كنوزاً في
السماء، حيث لا يفسد السوس والعث، ولا ينقب الساؤقون فيسرقوا، فحيث يكون كنزك يكون
قلبك" (متى 6/19-20). وجاء في موقع آخر: "بيعوا أموالكم وتصدقوا بها
واجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنزاً في السموات لا ينفد، حيث لا سارق يدنو ولا سوس
يفسد، فحيث يكون كنزكم يكون قلبكم" (لوقا 12/33-34).
وقد حذر السيد المسيح من الغنى قائلاً: "تبصروا واحذروا من كل طمع،
لأن حياة المرء، وإن اغتنى، لا تأتيه من أمواله" (لوقا 12/15) وأعطى مثل
الغني الجاهل الذي أخصبت أرضه فقال في نفسه: ماذا أعمل؟ فليس لي ما أخزن فيه
غلالي. ثم قال: أعمل هذا، أهدم أهرائي وأبني أكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي
وأرزاقي. وأقول لنفسي: يا نفس، لك أرزاق وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي
وكلي واشربي وتنعمي. فقال له الله: يا غبي، في هذه الليلة تسترد نفسك منك، فلمن
يكون ما أعددته؟ فهكذا يكون مصير من يكنز لنفسه ولا يغتني عند الله" (لوقا
12/16-21).
وقد أجاب الشاب الغني الذي سأله "ماذا أعمل لأرص الحياة الأبدية"
بقوله: "إن أردت أن تكون كاملاً، بع كل ما تملك ووزعه على الفقراء، فيكون لك
كنز في السموات، وتعال فاتبعني" (لوقا 18/22)، فلما سمع ذلك اغتم لأنه كان
غنياً جداً وذهب حزيناً. فلما رأى يسوع ما كان منه قال: "ما أعسر دخول ملكوت
الله على ذوي المال. فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت
الله" (لوقا 18/24-25). وكان السيد المسيح قد نظر إليه وأحبه لأنه كان يحفظ
جميع الوصايا.
ويأتي اليوم القديس يعقوب ليضيف على كل هذه النصوص الإنجيلية نصاً قوياً في
رسالته الشهيرة (يعقوب 5/1-6) فهوا يحذر الأغنياء بشدة قائلاً لهم: "يا أيها
الأغنياء، ابكوا واعولوا على ما ينزل بكم من المصائب. ثروتكم فسدت وثيابكم أكلها
العث. ذهبكم وفضتكم صدئا، وسيشهد الصدأ عليكم، ويأكل أجسادكم كأنه نار. جمعتم
كنوزاً في الأيام الأخيرة" ونتساءل لماذا هذه الشدة والقسوة لدرجة العنف؟
ماذا اقترف الأغنياء ليستحقوا هذا العقاب؟ وهل كل الأغنياء سيعاقبون لأنهم اجتهدوا
وعملوا وربحوا وكدسوا الأموال؟ فيجيبنا القديس يعقوب: "ها إن الأجرة التي
حرمتموها العملة الذين حصدوا حقولكم، قد ارتفع صياحها، وإن صراخ الحصادين قد بلغ
أذني الرب القدير. عشتم على الأرض في التنعم والترف، وأشبعتم أهواءكم يوم التذبيح.
حكمتم على البار فقتلتموه، وهو لا يقاومكم". وهنا تكمن المشكلة إذن، بأنهم
طمعوا وظلموا وتجبروا فاستحقوا هذا التوبيخ والعقاب.
من كل هذه النصوص، يمكننا أن نستنتج موقفاً واضحاً للسيد المسيح من المال
والغنى، وهو الموقف الذي ينطبق على كل إنسان عامة وعلى المؤمن خاصة، فالسيد المسيح
ليس ضد الأغنياء ولا ضد العمل والاجتهاد وجمع المال، ولكنه ضد الطرق الملتوية التي
تجمع بها الأموال وضد سوء إستخدامها، "فالمال عبد جيد ولكنه سيد سيء"،
وهاكم ما أسميه بالمباديء الأخلاقية الأساسية التي يجب أن تحكم علاقتنا بالمال:
1) أن يجمع المال بالطرق الحلال: أي كما يقول الكتاب "بعرق جبينك تأكل
خبزك" فلا يجوز الحصول عليه بأية وسيلة ولو كانت ملتوية: السرقة، الظلم،
الغش، الربى، الطمع والجشع، أكل حقوق الآخرين، استعباد العباد، تبخيس الأجرة...
بكلمة واحدة "دون استحقاق". ونحن نرى بأن الغني يزداد غنى والفقير يزداد
فقراً، في عالم استغلالي استهلاكي رأسمالي، يستحوذ فيه قلة من الناس غالبية
الأملاك بينما يتضور الغالبية من الجوع والفقر، من هنا تدعو الكنيسة في تعليمها
الإجتماعي إلى التوزيع العادل للثروات والأملاك، وتدعو إلى الأجرة العادلة للعمال،
وتدعو إلى اعفاء الدول الفقيرة من ديونها للدول الغنية، وتدعو إلى العدالة
الإجتماعية.
2) أن يصرف المال بالطرق الحلال: أي لا تبذير ولا تقتير، فهناك من يبذر المال
على البذخ والرفاهية دون أن يحسب حساباً لغيره من البشر، وقد قال عنهم القديس
بولس: "همهم بطنهم وفخرهم عورتهم" وكأن شعارهم: "لنأكل ونتنعم
فغداً نموت". ولكن أغلبية الأغنياء مصابة بداء البخل أو الطمع، فمهما امتلك
من المال فلا يكتفي بل يحاول دائباً الحصول على المزيد وينطبق عليه المثل الدراج
"ما بعبي عينه إلا حفنة التراب". والمشكلة في كلا الحالتين أن المال
يتحول إلى وسيلة هلاك بدلاً من وسيلة خلاص.
3) أن يكون المال وسيلة وليس غاية: وهنا نفهم قول السيد المسيح "حيث يكون
كنزك فهناك قلبك" وقوله "لا تستطيعون أن تعبدوا ربين: الله والمال"
إذ يتحول المال إلى صنم يعبد من دون الله، أي أن المرء يكرس كل حياته ويوجه كل
طاقاته في سبيل الحصول عليه، وبالتالي فإنه يعميه عن نفسه وعن غيره وعن ربه، فينسى
مثل الغني الجاهل بأن أجله قريب، فلمن يجمع ويكدس كل هذه الأموال التي لن تنفعه
لآخرته: "فماذا ينفع الإنسان لو ربح الدنيا كلها وخسر نفسه"؟
وكثيراً ما يؤدي حب المال إلى الهلاك الحقيقي
في هذه الدنيا وفي الآخرة، وهاكم هذه القصة الطريفة التي تبرهن على ما أقول:
ناسك قديس اختار العيش في البراري بعيداً عن
العالم. ويوماً ما قادته خطاه إلى مغارة يستريح فيها قليلاً، ويعكف على الصلاة
والتأمل. وإذ به يرى كنزاً مخبوءاً هناك. فما كان منه إلا هرول خارج المغارة يصيح:
"رأيت الموت... نعم رأيته بعيني الاثنتين.."
والتقى به صدفه في أثناء هربه لصوص ثلاثة،
فلاحظوا خوفه فأشفقوا عليه وعرضوا عليه المساعدة. ولما قال لهم أنه رأى الموت،
هدأوا من روعه وطلبوا منه أن يأخذهم إلى المكان ليروا الموت هم أيضاً. قادهم
الناسك إلى المغارة، واقترب من الكنز فأشار إليه مرتعباً وقال: "هوذا
الموت". تقدم اللصوص بحذر، وما إن رأوا الكنز حتى جنوا من الفرح، فقالوا
للناسك: "لقد أصبت أيها الأب القديس، هذا هو الموت بعينه، فاهرب منه سريعاً
قبل فوات الأوان".
وبقى ثلاثتهم في المغارة يتبادلون الرأي في
كيفية نقل الكنز. طال بهم الأمر في التفكير، فشعروا بالجوع، فأرسلوا أحدهم إلى
المدينة ليحضر لهم ما يأكلون، وبعد ذلك يقررون كيف ينقلون الكنز.
ذهب اللص إلى المدينة ليحضر الطعام، لكنه فكر
في نفسه: "سآكل أنا في المدينة، وسأحضر الطعام لرفيقي، لكني سأدس لهما السم
في الأكل، حتى إذا ماتا أخذت الكنز لوحدى". وهكذا فعل.
أما رفيقاه في المغارة، ففكرا هما أيضاً:
"لمَ لا نتقاسم الكنز نحن الاثنثن، فلنقتل رفيقنا حالما يعود ونتقاسم
الغنيمة. وما هي إلا لحظات، حتى وصل الرفيق الثالث من المدينة يحمل الطعام. وما أن
دخل حتى تناوله اللصان بضربة قاضية على رأسه، فمات على الفور، ثم جلسا يأكلان
ويشربان. لكن سرعان ما أخذ السم مفعوله فقضيا نحبهما... وبقي الكنز مكانه.
صدق من قال: "صاحب المال تعبان وقلة
المال راحة" وإذا كان المال "شرأً لا بدَّ منه" فليكن وسيلة لعمل
الخير، وبذلك "يخرج من الشر خير".