SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

يوبيل قداسة البابا وتطويب الأم تريزا   الأحد 19/10/2003

 

صادف في السادس عشر من هذا الشهر مرور 25 عاماً على انتخاب قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وقد احتقل بيوبيله الفضي بقداس مهيب في ساحة كنيسة القديس بطرس في حاضرة الفاتيكان، ورفع الشكر لله الذي اختارة لهذه المهمة السامية لقيادة الكنيسة الكاثوليكية لمدة ربع قرن، وطلب من المؤمنين الاشتراك معه في رفع الحمد بترنيمة "تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي لأنه صنع بي أموراً عظيمة قدوس أسمه".

 

وقد استحضر قداسة البابا خلال العظة التي ألقاها لحظات انتخابة في نفس اليوم وفي نفس الساعة من عام 1978 لهذه المهمة بقوله: "من الناحية البشرية، كيف يمكن أن لا أرتعد؟ كيف يمكن ألا أشعر بثقل مثل هذه المسؤولية الجسيمة؟ تساءل البابا وأكمل: "كان من الضروري اللجوء للرحمة الإلهية، لهذا عندما سئلت: "هل تقبل؟" أجبت بثقة: "بطاعة للإيمان، وأمام السيد المسيح ربي ومخلصي، وبالاتكال على أم المسيح وأم الكنيسة، وبالوعي الكامل للصعوبات الجسيمة، أجبت: "أقبل".

 

ففي الساعة 6:18 من مساء 16 تشرين الأول عام 1978 صعد الدخان الأبيض من مدخنة الكابيلا سكستينا معلناً بذلك انتخاب البابا الجديد وبداية حبرية ستهز العالم، وكانت اذذاك مفاجأة كبيرة للعالم بانتخاب أول بابا غير إيطالي منذ أكثر من 455 سنة، ذاك "القادم من البلاد البعيدة" بولونيا، الكاردينال كارول فواتيلا، البابا ال 263 بعد القديس بطرس، الذي اختار اسم يوحنا بولس الثاني. وعندها أطل قداسته من شرفة كنيسة القديس بطرس على الساحة المقتظة بالجماهير الغفيرة وقال كلماته الشهيرة: "لا تخافوا أن تفتحوا أبواب قلوبكم للمسيح".

 

وبهذه المناسبة نقدم للقراء الكرام بعض المعلومات السريعة لانجازات ربع قرن لهذا الحبر الجليل، ونترك للجميع فضول الدخول في التفاصيل:

-   باحتفاله باليوبيل الفضي يصبح البابا يوحنا بولس الثاني رابع بابا يخدم لأطول مدة في التاريخ. وقد عقد ثمانية مجامع كرادلة وعين 232 كاردينالاً وأعلن عن المجمع التاسع الذي سيعقد في 21 تشرين أول الحالي حيث عين 31 كاردينالاً جديداً، مما يرفع عدد الكرادلة الحاليين إلى 194 كردينالاً منهم 135 تحت عمر 80 سنة يحق لهم التصويت لانتخاب البابا.

-   ومنذ بداية حبريته عين 3300 أسقفاً في جميع أنحاء العالم، وقابل كل واحد منهم على انفراد وبخاصة عندما يقومون بالزيارة إلى الأعتاب الرومانية كل خمس سنوات.

-   لقد كتب 14 وثيقة بابوية، و 14 إرشادأ رسولياً، و11 دستوراً رسولياً،  و 42 رسالة رسولية، و28 رسالة خاصة بمبادرات ومناسبات خاصة، بالإضافة إلى مئات الرسائل وآلاف العظات.

-   وبمناسبة يوبيل عام ألفين كتب الرسالة الرسولية "الألفية الثالثة" التي نشرت عام 1994 وكون لجنة للاحتفال باليوبيل الكبير لعام ألفين.

-   ترأس البابا الحالي 15 مجمع أساقفة منها ستة اعتيادية وواحد غير اعتيادي وثمانية خاصة. وقام ب 102 رحلة خارج إيطاليا في جميع أنحاء العالم، ومن ضمنها رحلته الشهيرة إلى الأرض المقدسة خلال سنة اليوبيل، وكان آخرها إلى سلوفاكيا في أيلول الماضي. وقام ب 143 رحلة راعوية داخل إيطاليا وقرابة ال 700 زيارة داخل مدينة وأبرشية روما بما في ذلك زيارة 301 رعية من رعايا روما ال 325 التي يرأسها بواسطة نائبة كاردينال روما، كما زار العديد من المؤسسات الدينية والجامعات والمعاهد الإكليريكية والمستشفيات وملاجيء العجزة والسجون والمدارس.   

-   ومن باب الفضول نذكر بأنه خلال زياراته ال 245 لخارج وداخل إيطاليا قطع البابا مسافة 1163856 كيلومتراً، أي ما يعادل 28 دورة حول الكرة الأرضية وثلاث مرات المسافة بين الأرض والقمر.

-   يستقبل قداسة البابا في روما ما يقارب المليون شخص في العام بما في ذلك 400 إلى 500 ألف من الذي يحضرون لقاءاته الإسبوعية ومن يشاركون في الاحتفالات الدينية مثل عيد الميلاد وعيد الفصح وحفلات التطويب والتقديس. كما أنه يستقبل حوال 150 إلى 180 ألف شخص في مقابلات لجماعات خاصة، بما في ذلك رؤساء الدول والوفود الرسمية.

-   عقد قداسة البابا 1106 لقاء يوم الأربعاء بما في ذلك الأربعاء الماضي وبذلك التقى أكثر من 17 مليون شخص خلال هذه اللقاءات. وكما أنه عقد العديد من اللقاءات الرسمية مع رؤساء الدول وقد بلغت 1500 لقاء.

-   بلغ عدد الدول التي لها علاقات دبلوماسية مع حاضرة الفاتيكان في بداية حبريته 85 دولة، وقد وصلت الآن إلى 174 دولة بما في ذلك مع الاتحاد الأوروبي، تربطة علاقة من نوع خاص مع الاتحاد السوفيتي ومع منظمة التحرير الفلسطينية.

-   وبناء على مكتب الاحتفالات الليتورجية فإن الحبر الأعظم أعلن طوباوية 1324 طوباوياً في 140 احتفالاً و 477 قديساً في 51 احتفالاً، وبذلك ملأ السماء بالطوباويين والقديسين، وقد أجاب مازحاً لمن ينتقده بأنه أعلن طوباوية وقداسة الكثيرين في مدة قصيرة، بقوله: "لأني أريدهم أن يسبقوني ليستقبلوني عندما أذهب إلى السماء!".

-   وخلال حبريته أسس مؤسسة "الساحل" عام 1984، ومؤسسة "تقدم الشعوب" عام 1992 لسكان أمريكا الجنوبية الأصليين، كما أنه أسس الأكاديمية البابوية للحياة والعلوم الاجتماعة.

-   بالاضافة إلى ذلك فقد أسس اليوم العالمي للمريض (يحتفل به سنوياً في 11 شباط) واللقاء العالمي للشبيبة، إذ احتفل باللقاء السابع عشر في تورنتو في حزيران 2002.

 

إنه من المستحيل اجمال أعمال وانجازات هذا البابا العظيم في هذا الحديث، ولكن يمكننا القول بأنه فتح أبواب الكنيسة على العالم، حيث أثر في مجريات الأحداث والتاريخ، إذ أسرع في تحرير بلاده من براثن الشيوعية وساهم في انهيار الاتحاد السوفيتي الشيوعي، كما أنه شجع وعزز الحوار بين الديانات خاصة في لقاءات أسيزي، كما أنه قرب بين الكنائس وشجع الحوار بين المسيحيين. وكانت له صولات ضد الحرب في العالم وخاصة الحرب ضد العراق، وله مواقف مشرفة بخصوص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني... ونستطيع أن نقول بأنه كان يستحق وبجدارة جائزة نوبل للسلام لهذا العام.

 

وفي غمرة احتفالات قداسة البابا بيوبيله الفضي، سيحتفل اليوم بتطويب الأم تيريزا في حاضرة الفاتيكان، هذه الراهبة الألبانية التي كرست حياتها لخدمة أفقر الفقراء وبدأت في مدينة كلكتا الهندية رهبنة "راهبات المحبة المرسلات" اللواتي يخدمن الآن في جميع أنحاء العالم. وكانت تربطه بها علاقة شخصية قوية، فليس غريباً أن يعلنها طوباوية بعدما اجترحت عجائب كثيرة خلال حياتها وبعد مماتها، وأكبر برهان على ذلك أن الشعب طالب باعلان قداستها حال وفاتها قبل خمس سنوات.

 

عندما تشاهدون اليوم قداسة البابا على شاشات التلفزيون، ستقولون في أنفسكم: "أما حان لهذا الفارس أن يترجل أو يرحل؟" لأنكم سترون إنساناً ضعيفاً من الناحية الجسدية لأن المرض أنهكه، ولكنكم لا تعرفون أن خلف هذا الجسد الضعيف المنهك مناضل وفارس له صولات وجولات، لا بل رجل الروح في عالم المادة ورجل النور في عالم الظلمات، وإنه حتى لو انطفأ هذا الجسد فإن هذا الصوت لن ينطفيء أبداَ بل سيظل مدوياً لأنه صوت نبوي: صوت شاعر فيلسوف، صوت بابا الشباب، صوت ينادي في البرية.

 

حقاً، ينطبق فيه كلام السيد المسيح للقديس بطرس: "لما كنت شاباً، كنت تتزنز بيديك، وتسير حيث تشاء. فإذا شخت بسطت يديك، وشد غيرك لك الزنار، ومضى بك إلى حيث لا تشاء" وهذه هي سنة الحياة.

 

وستبدأ التساؤلات والتكهنات: متى تكون النهاية؟ ومتى يبدأ صراع الخلافة؟ ومن سيكون الخليفة؟ ولا أحد يعرف، فالأعمار بيد الله، والروح يهب حيث يشاء!؟

الأب رائـد عوض أبو ساحلية