SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

ماذا قال قداسة البابا للوفد الذي زار الفاتيكان؟    الأحد 16/11/2003

في العاشر من الشهر الحالي زار وفد يمثل الفلسطينيين المسيحيين الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية حاضرة الفاتيكان وقابل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وكان الوفد يرأسه الدكتور إميل جرجوعي، والدكتور غازي حنانيا، والدكتور رمزي خوري، والسيد متري أبو عيطة، ويرافقهم السيد عفيف صافية ممثل منظمة التحرير لدى الكرسي الرسولي وسفيرها في المملكة المتحدة، والسيد نمر حماد سفير فلسطين لدى ايطاليا، وقد نشرت صحيفة القدس صورة جامعة للوفد وبعض الأفكار الرئيسية التي وردت في خطاب قداسة البابا، فماذا قال لهم بالتمام؟ هذا ما أريد أن أنقله في هذا الحديث وأعلق عليه، لأنه دليل على وعي واهتمام الفاتيكان بما يجري في الأرض المقدسة، وكذلك وضوح في الرؤية وتركيز على المباديء الرئيسية لحل الصراع الحالي بالطرق السلمية استناداً على قرارات الشرعية الدولية.

ففي البداية رحب بالوفد ووجه التحية للسيد الرئيس ياسر عرفات: "يسرني أن أرحب بهذا الوفد وأطلب منكم أن تنقلوا تحياتي وأمنياتي الطيبة للسيد الرئيس ياسر عرفات وللشعب الفلسطيني كله. إني على ثقة بأن زيارة هذا الوفد الرفيع من الفلسطينيين المسيحيين للكرسي الرسولي ستؤدي إلى تفهم أفضل لوضع المسيحيين الفلسطينيين في الأرض المقدسة وللدور المهم الذي يمكن أن يلعبوه لتحقيق الأمنيات المشروعة للشعب الفلسطيني".

 وأكد قداسته بأن السلام ممكن: "فبالرغم من العقبات الأخيرة في طريق السلام وتجدد العنف والظلم، يجب الاستمرار في التأكيد على أن السلام ممكن وأن حل الخلافات لا يمكن أن يحصل إلا عبر الحوار والصبر والالتزام الدؤوب لاشخاص يتمتعون بالنوايا الحسنة من الجانبين. يجب شجب الارهاب بكافة أشكاله، لأنه لا يمثل خيانة لانسانيتنا المشتركة فحسب، بل لأنه غير قادر على إرساء الأسس الأساسية والأخلاقية والروحية الضرورية لحرية الشعوب وتقريرهم الأصيل لمصيرهم".

 ثم دعى الأطراف للالتزام بقرارات الأمم المتحدة والتعهدات المتخذة بشأن عملية السلام: "إني أدعو مجدداً كافة الأطراف الاحترام الكامل لقرارات الأمم المتحدة والتعهدات تجاه عملية السلام، والالتزام المشترك نحو المصالحة، والعدالة وبناء تعايش آمن ومتناغم في الأرض المقدسة. وأعبر عن أملي بأن الدستور الجديد الذي يتم كتابته ومناقشته سيكون تعبيراً لأرفع آمال وقيم كافة الشعب الفلسطيني، والاعتراف بجميع الجماعات الدينية والحماية القانوية المناسبة لحريتهم في العبادة والتعبير".

وأخيراً، أرسل تحياته لمسيحيي الأرض المقدسة: "أيها الأصدقاء، إني أرسل من خلالكم أحر التحيات لمسيحيي الأرض القمدسة، الذين أكن لهم تقدير كبير ومحبة خاصة في قلبي. وإني استنزل عليكم وعلى جميع أبناء الشعب الفلسطيني بركات الله بالحكمة والقوة والسلام".

إن هذا الخطاب القصير يبدو للوهلة الأولى عمومياً يذكر بالمباديء الرئيسية ولا يدخل في التفاصيل، كما أنه لا يأتي بموقف جديد أو مبادرة محددة، ولكنه بنفس الوقت يركز على بعض النقاط الأساسية في سياسة الفاتيكان تجاه الصراع الحالي والوضع في الأرض المقدسة، لا بد من ابرازها والتعليق عليها:

1) قناعة الكرسي الرسولي بأن الحل يجب أن يتم عن طريق الحوار والتفاوض بين الطرفين على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وضرورة متابعة عملية السلام رغم كل الصعوبات التي تعترضها. وهذا الموقف منطقي لأن الطرفان سيعودان آجلاً أم عاجلاً إلى طاولة المفاوضات ولغة الحوار بعد أن يصمت صوت الرصاص وتخرس لغة السلاح، وأن الأساس سيكون قرارات الشرعية الدولية وإلا سيتم الانحراف عن مسار السلام وإيجاد البدائل لا بل المنافذ للتنصل منها وفرض الحلول المرحلية والجزئية التي لا تنهي الصراع بل تؤجله إلى الانفجار القادم كالمخدر الذي لا يشفي من الداء ولا يغني عن الدواء.

2) الاهتمام بالمسيحيين في الأرض المقدسة لأنهم حجارتها الحية، وهنا نجد بأن البابا يشير إلى دور يجب أن يلعبوه في تحقيق آمال الشعب الفلسطيني، وهذا واضح بالنسبة لنا، لأننا جزء لا يتجزأ من هذا الوطن ومن هذا الشعب، وأننا لسنا بمتفرجين على آلام الآخرين بل نعاني من نفس الاحتلال ونتعرض لنفس الآلام ونصبو لذات الآمال بالحرية والاستقلال. من هنا ضرورة القيام بهذا الدور المهم بالطرق الخاصة بدعوتنا المسيحية التي تقوم على المحبة والمغفرة والمصالحة والمطالبة برفع الظلم وتحقيق العدالة، وأعتقد بأن الدور الرئيسي الآخر الذي لا يمكن لأحد غيرنا أن يقوم به يتلخص بضرورة الدعوة إلى والبدء بالمقاومة اللاعنفية السلمية، وبلعب دور الوسيط لا بل الجسر الذي يربط بين الشرق والغرب والمسلمين واليهود وصولاً إلى الوحدة بين أبناء ابراهيم وأولاد العم الأعداء.

3) الجديد في هذا الخطاب هو الاشارة إلى الدستور الفلسطيني الجديد قيد الاعداد والمناقشة، ونجد مطالبة واضحة بأن يضمن المساواة بين جميع المواطنين وضمان حقوق الجميع وخاصة تلك الدينية من حرية الضمير والعبادة والتفكير والتعبير. وقد سبق لرؤساء الكنائس المسيحية بأن ناقشوا النسخة الثالثة من الدستور وقدموا بعض الملاحظات والتعليقات التي نرجو بأن تؤخذ بعين الاعتبار قبل اقراره بصورته النهائية، وما ذلك إلا لأننا نعتقد بأن دولة فلسطين التي ستولد حتماً يجب أن تكون نموذجاً في التسامح والمساواة بين جميع أبناء الوطن الواحد، والبوادر مبشرة بهذا الشأن إلا أنه يجب بذل المزيد من الجهود.. وهنا ندعو إلى اشراك المسيحيين في مناقشة وصياغة كل ما يتعلق بحقوق الجماعات الدينية المختلفة قبل اتخاذ أي قرار أو اقرار أي قانون في الدستور، فدولة فلسطين يجب أن تكون وطن جميع المواطنين الذين يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات، وهذه هي دعوة ورسالة وطبيعة الأرض المقدسة مهد الديانات وملتقى الحضارات وخليط بين جميع الأعراق والاجناس.

 

كان بودي لو تضمن خطاب قداسة البابا رؤية جديدة لا بل مبادرة عملية للسلام، تكون بمثابة رسالة ودعوة لجميع الأطراف لتجديد مسيرة السلام. ويا ليته تبنى خطة يدعو فيها كافة الأطراف إلى حاضرة الفاتيكان ويجمعهم على كلمة سواء، فمن غير قداسة البابا قادر على فعل مثل هذه الخطوة الشجاعة هو الذي جمع جميع رؤساء الأديان في مدينة أسيزي للصلاة من السلام في العالم؟ أعلم جيداً بأن هناك عشرات مبادرات سلام ما زالت حبراً على ورق، ولسنا بحاجة إلى مبادرة جديدة، ولكني أعلم أيضاً، بأن مثل هذه الدعوة سيكون لها صدى عالمي قد يحرك الضمائر والقلوب.

 

من هنا فإني أدعو قداسة البابا إلى القيام باطلاق مثل هذه المبادرة ومتابعتها بتحريك الدبلوماسية الفاتيكانية والأوروبية، فلا أمل من أمريكا بوش المتورطة بالحرب ضد الإرهاب في افغانستان والعراق، ولا أمل من الأمم المتحدة التي تسيطر عليها أمريكا، ولا أمل من الاتحاد الأوروبي الوليد الذي تنقصة الجرأة والشجاعة، ولا حول ولا قوة لدى الاتحاد السوفيتي السابق المتفكك، ولا رؤية لدي الاسرائيليين وحكومتهم الحالية التي لا تعرف إلا لغة القوة، ولا قدرة لدى الفلسطينيين الذين يغرقون في ظلمة نفق الاحتلال... فهل من أمل في الفاتيكان يا قداسة البابا؟!

 

الأب رائد عوض أبو ساحلية