SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

زمن المجيء: أعدوا طريق السلام!      الأحد 7/12/2003

 

بدأنا يوم الأحد الماضي ما يسمى "زمن المجيء" وهو الزمن الذي يفتتح السنة الليتورجية ويحضر المؤمنين لعيد الميلاد. فعن أي مجيء نتكلم ومجيء من ننتظر؟ ما هي معاني هذا الزمن وما هي المشاعر التي تنعش المؤمنين خلاله؟ وكيف نعد الطريق للسلام؟

 

منذ بدأ الخليقة وخاصة بعد خطيئة آدم وحواء، وعد الله تعالى بإرسال مخلص للبشرية، فأرسل الآباء مثل ابراهيم ويعقوب واسحق، والأنبياء مثل موسى وأشعيا وارميا، وأعطى الشعب اليهودي النبؤات والكتب المقدسة لكي ليحضر لمجيء هذا المخلص الذي سيخرج من نسل آدم وحواء ومن أصل داود الملكي. وقد تحقق هذا المجيء التاريخي عندما تم "ملء الزمان" بولادة سيدنا يسوع المسيح في مغارة بيت لحم من مريم العذراء بقوة الروح القدس، وهذا ما نسمية المجيء الأول أو التاريخي الذي تم في الزمن الماضي قبل ألفي سنة وفي بلادنا بالذات. لقد تم هذا الحدث العظيم في الماضي وقلب التاريخ وغير وجه الأرض، فكان المفصل أو المحور الذي قسم ما قبل المسيح عن ما بعده، وكان نقطة انطلاق جديدة في التاريخ البشري.

 

ولكننا نؤمن بأن السيد المسيح سيأتي في نهاية الأزمنة عند نهاية العالم ليدين الأحياء والأموات، وهذا ما نسميه "المجي الثاني" أو "المجيء الأخروي" الذي سيتم في المستقبل، علماً بأن لا أحد يعرف متى سيحدث هذا، فالسيد المسيح ذاته قال "لا أحد يعرف الوقت ولا الساعة" وأعطى تشابيه كلها تدل على أنه سيتم بغته وفجأة وفي ساعة لا يعلمها أحد، فتارة يقول بأن الوقت سيأتي في الليل مثل اللص السارق، وتارة يقول بأنه سيكون بسرعة وفي لمحة بصر كما البرق، وحيناً يقول بأنه سيأتي فجأة كما تداهم ساعة المخاض والولادة المرأة الحامل. لذلك يوصي بالسهر والاستعداد والانتظار لكي لا يأتي الرب فيجدنا نائمين: "وما أقوله لكم، أقوله للناس أجميعين: اسهروا". إن مجيء المسيح أمر محتوم، وإن لم نعلم الساعة، وأن لا مفر من المثول بين يديه في ساعة معلومة لديه. لذلك لا بد من الاستعداد لتلك الساعة بالعودة إلى الله بالتوبة وبانتظاره في الصلاة والاشتياق إليه على الأمل والرجاء: "كما تشتاق الأيل إلى جداول المياه، كذلك تشتاق إليك نفسي يا الله".

 

وبين المجيء الأول التاريخي في الماضي والمجيء الثاني الأخروي في المستقبل نعيش نحن الآن وهنا في الحاضر وننتظر مجيئة في حياتنا هذه السنة وفي بلادنا وفي هذه الظروف العصيبة، وهذا ما نسميه "المجيء الحالي" الذي يتم كل سنة لدى احتفالنا بعيد الميلاد، لأن الذكرى تفيد للعبرة وهي أن الله يريد أن يولد في حياتنا وفي قلوبنا، وأن ميلاده يتجدد كل سنة في العالم وفي بلادنا، فبدلاً من مغارة بيت لحم التي حوته طفلاً صغيراً قبل ألفي سنة، فإنه يريد أن يولد في مغارة قلوبنا وفي مغائر بلادنا وعالمنا الباردة الرطبة المظلمة الظالمة لكي يعطيها ضياء من نوره ودفئاً من ناره وبراءة وعدالة من نبع حبه وسلامه.

 

إن المجيء الأول جاء وانتهى وهو مجيء الله نحو الإنسان للقائه، والمجيء الثاني سيتم حتماً وهو مجيء الإنسان في حضرة الله للقائه، أما المجيء الحالي فهو أكثر الحاحاً بالنسبة لكل واحد منا لأنه يعني لنا تجسد الله في حياتنا نحن لا غيرنا، بحيث يصبح ميلاده ميلانا نحن لحياة جديدة. فالسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا أنتظر هذه السنة بالذات؟ ما هي الأشياء الضرورية والجميلة التي أود أن تولد في حياتي؟ وفي حياتنا الجماعية والعامة: ما هي انتظارتنا؟ ما هي انتظارات عالمنا وبالخصوص بلادنا؟ كلها أسئلة بحاجة إلى أجوبة شخصية إذا أردنا أن يحدث شيء مميز في حياتنا ولا يمر هذا المجيء ويتم هذا الميلاد وكأن كل شيء عادي طبيعي.

 

إن قراءات هذا الأحد تساعدنا على تحديد موقفنا من هذه القضايا الهامة: فالقراءة الأولى من سفر باروخ النبي هي بشرى فرح لأورشليم باقتراب يوم خلاصها وانعتاقها من ذلها: "إخلعي، يا أورشليم، حلة النوح والمذلة، والبسي بهاء المجد، من عند الله، إلى الأبد، تسربلي ثوب البر الذي من الله، واجعلي على رأسك تاج مجد الأزلي، فإن الله يظهر سناك لكل ما تحت السماء. ويكون أسمك من قبل الله إلى الأبد: "سلام البر، ومجد عبادة الله". وكأني بهذه الكلمات النبوية موجهة للمدينة المقدسة اليوم، فكم نحن بحاجة إلى عودة الفرح لشوارعها الحزينة والابتهاج لوجوه سكانها، لتعود منارة للمدن لا بل "زهرة المدائن". هذا هو أول انتظار عميق يجيش في صدر كل واحد منا على الصعيد الفردي والجماعي: أن يحل السلام في مدينة السلام وفي أرض السلام.

 

في القراءة الثانية من رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل فيلبي يطلب الرسول في صلاته "أن تزداد محبتكم معرفة وبصيرة، زيادة مضاعفة، فلا يخفى عليها شيء، وتميزوا الأفضل، لتصبحوا أطهاراً لا لوم عليكم في يوم المسيح، حاملين أحمالاً من ثمر البر، الذي هو من فضل يسوع المسيح، تمجيداً وتسبيحاً لله". وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه العواطف الجميلة في الأيام الصعبة، وهي فضائل المحبة والتضامن والتكافل، في عالم غارق بالأنانية والفساد. نشتاق لبراءة الطفولة ونقاوة الضمير وطهارة اليد والقلب. وهذا ما نتمناه ونتتظره في حياتنا الشخصية وفي مجتمعنا وفي عالمنا.

 

لذلك يدعونا السيد المسيح في الإنجيل على لسان النبي يوحنا المعمدان ذلك الصوت الصارخ: "في البرية أعدوا طريق الرب، واجعلوا سبله قويمة، كل واد يردم، وكل جبل وتل يخفض، والطرق المنعرجة تقوم، والوعرة تسهل، وكل بشر يرى خلاص الله". فكم نحن بحاجة في بلادنا أن تسهل الطرق وتزال الحواجز وتهدم الجدران وتبنى الجسور لكي يتواصل الناس ويلتقوا بدل الوديان والجبال والطرق الوعرة التي تفصلهم وتقطع أوصالهم. وفي حياتنا الشخصية، كم نحن بحاجة إلى خفض جبال كبريائنا، وردم أودية أنانيتنا التي تفصلنا عن الآخرين ونصحح طرقنا المعوجة والمنحرفة، ونمهد قلوبنا لاستقبال الله فيها.

 

إن صوت باروخ النبي يدعو إلى السلام في القدس، وصوت بولس يدعو إلى السلام في القلوب، وصوت يوحنا المعمدان يدعو إلى السلام مع الله  وبين الناس. فنحن في أشد الحاجة إلى هذا السلام في بلادنا، في قلوبنا وفي حياتنا: مع الله، مع أنفسنا ومع اخوتنا. هذا هو انتظارنا.

 

زمن المجيء هو الزمن الذي يعبيء فيه المؤمنون طاقاتهم الروحية، ويجددون مقاصدهم الحسنة ويستفيقون من سباتهم العميق ويستعدون لمولد الرب وقد أصبح وشيكاً. ومولد الرب يختلف عن كل مولد: إنه مولد الخلاص والحياة؛ إنه مولد الحرية والانعتاق، إنه مولد الإنسان إلى حياة جديدة.  

                                                    الأب رائـــد عــوض أبــو سـاحليــة