SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

موقف الكنيسة في الأرض المقدسة من العنف والارهاب الأحد 14/12/2003

 

في مطلع هذا الشهر، صدرت عن اللجنة اللاهوتية التابعة للبطريركية اللاتينية في القدس، وثيقة قصيرة ولكنها مهمة بعنوان "أفكار حول حضور الكنيسة في الأرض المقدسة"، وهي موجهة لمسيحيينا ولأخواننا في كنائس العالم أيضاً، وهي تعالج قضايا تتعلق بالكنيسة المحلية والعالمية، وذلك لأهمية ودور كنيسة القدس وجسامة كل الأحداث التي تدور رحاها في هذه الأيام. وقد ركزت على نقاط ثلاث: العنف والإرهاب، العلاقات مع الشعب اليهودي في الأرض المقدسة، والعلاقات مع المسلمين. وقد رأيت من المناسب أن أطلع أخواني على هذه الوثيقة التي أنقلها بالمختصر المفيد. سأكتفي في هذا الحديث بعرض وتحليل للنقطة الأولى المتعلقة بالعنف والارهاب.

 

تبدأ الوثيقة بهذه الكلمات الجميلة: "مسيحييون في الأرض المقدسة: فلسطين، الأردن وإسرائيل، نشارك في آمال وتطلعات شعوبنا التي تعيش وسط العنف واليأس. فنحن مدعوون هنا للتفكير كمؤمنين حول القضايا الحالية التي تواجهنا. معاً، نحمل المسؤولية بأن نكون، بكلماتنا وأعمالنا، شهوداً للبشرى السارة، علينا أن نتعاون للاستمرار في حياتنا اليومية كتلاميذ للمسيح لنكون علامة ملموسة للوحدة، والسلام والمحبة، في هذه الأرض الممزقة بالحرب والكراهية".

 

ما هو موقف الكنيسة من العنف والإرهاب:

1- شجب الارهاب: "لقد شجبنا دائماً العنف ونشجب كل عمل عنف ضد الأفراد والمجتمع. لقد شجبنا ونشجب بشكل خاص الارهاب، الذي هو عنف مبالغ فيه ومنظم، يهدف إلى جرح وقتل الأبرياء لاثارة الدعم لقضية ما بهذا الشكل العنيف. وفي وثيقة سابقة قلنا بوضوح وصراحة: "إن الإرهاب غير منطقي، غير معقول وغير مقبول كوسيلة لحل الصراعات"، بالاضافة إلى أنه قاتل وبالتالي فهو خطيئة".

2- وفي ظروفنا الحالية المؤسفة، فإن الوثيقة ترى بأن مناخ العنف لا يعرف حدوداً، ولا يفرق بين الفلسطيني والإسرائيلي. فهناك شعور بالعجز لدي الشعبين، فالأحباط واليأس يقودان إلى الغضب والانتقام ويؤديان إلى دائرة عنف لا نهاية لها. فيصبح الدفاع المشروع غير مشروعاً عند اللجوء للوسائل غير المناسبة لا بل السيئة بالأساس، تحت ذريعة توفير الأمن والحرية، مثل اللجوء إلى العقوبات الجماعية واستمرار الاحتلال... وبذلك ترتفع الأسوار في البلاد وفي قلوب العباد. ويتقلص الأمل ليصبح فقط رغبة للبقاء على قيد الحياة يوماً بعد يوم. ويصرح البعض بأن الأرض المقدسة أصبحت أرضاً منجسة.

3- سبب رجائنا: في هذه الأرض، أعطى الله للبشرية ابنه، السيد المسيح، الذي سفك دمه الكريم على الصليب ليحقق الفداء. لقد صالحنا مع الله وكسر أسوار العداوة التي كانت تفصل بيننا. وبقيامته غلب الكراهية والعنف والموت. "فإنه سلامنا، فقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة، وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما أي العداوة" (أفسس 2/14).

4- التربية على اللاعنف: إن الله يدعو تلاميذ السيد المسيح ليكونوا جماعة مصالحة. وبوحي من الروح القدس، نحن مدعوون إلى حمل بشرى السلام السارة للأباعد والأقارب، ليس بالوسائل العنيفة ولكن بعلامات سلام ملموسة، تعارض ثقافة الموت وتساهم على خلق ثقافة الحياة. إن هذه المهمة الصعبة التي يوكلها الله للكنيسة وأعضائها تتطلب تربية خاصة، تعليم متواصل لأنجيل اللاعنف العملي والابداعي في تصرفاتنا وكلماتنا وأعمالنا. إن صنع السلام ليس عملية تكتيكية ولكن طريقة حياة عملية.

 

هذه هي الأفكار الرئيسية الواردة في الوثيقة حول العنف والارهاب، وهي تقودنا إلى تحليلها والتعليق عليها واستخلاص العبر والدورس منها:

1- إن هذا التفكير اللاهوتي يهدف إلى القاء نظرة الايمان على حياة الانسان، فإن اللاهوت لا يعالج القضايا الماورائية المتعلقة بالله فقط، بل يهتم بالحياة اليومية لأن "مجد الله هو الانسان الحي"، وهذا ما نجده في الوثيقة: "أردنا المشاركة في هذا التفكير مع الجميع ورفع الدعاء معاً ونحن نعيش كل يوم هذه الظروف الصعبة والمعقدة، لكي نجد في هذا التفكير وهذه الصلاة الشجاعة والقوة للبقاء أمناء لدعوتنا في أرض الرب هذه".

2- يعتقد الكثيرون بأن الكنيسة صامتة لا تتكلم وليس لها موقف معين فيما يجري حولنا من أحداث جسام، ولكن هذه الوثيقة تبرهن على أن الكنيسة هي جزء لا يتجزأ من الأمة، وأعضاء الكنيسة، أي جماعة المؤمنين، هم جزء لا يتجزأ من هذا الشعب الذي يعاني من الاحتلال ويطمح بالحرية والاستقلال، فنحن شركاء في نفس الآلام ونفس الآمال.

3- رغم أن المناخ العام ملبد بالغيوم السوداء التي تحجب أشعة الشمس المنيرة، ورغم أن السراب وحده يلوح في الأفق البعيد، فإن الكنيسة لا يمكن إلا أن تكون علامة فرح وقوس قزح في أجواء هذا الصراع الدامي، وهي تعتبر أن صوتها نبوي ودعوتها للسلام والعدالة والمسامحة والمصالحة قوية. فهي بذلك تدعو إلى وضع حد للاحتلال الذي يعتبر السبب الأول والرئيسي لما يجري من ويلات على الجميع بما في ذلك العنف والعنف المقابل.

4- إن موقف شجب العنف والارهاب لا يعني على الاطلاق القبول بالظلم والرضوخ للاحتلال، بل المطالبة الملحة بانتهاء كل أشكال العنف والارهاب من جهة ولكن أيضاً اجتثاث الأسباب التي تؤدي إلى ذلك أي الاحتلال فهو الخطيئة الأصلية للعنف والارهاب في الأرض المقدسة والشرق الأوسط إن لم يكن في العالم بأسره. لقد قلنا مراراً وتكراراً أن القدس هي بوابة الحرب وبوابة السلام في العالم، ومفتاح الحل في أيدي إسرائيل وحليفتها الكبرى أمريكا. هذا هو الموقف الصريح الذي نعلنه على الملأ ليل نهار.

5- أما الطريقة التي نبشر بها للمقاومة المشروعة فهي الطريقة الانجيلية التي تقوم على اللاعنف والمقاومة السلمية. وهذا ما تدعو إليه بوضوح الوثيقة، إذ تعتبر أن اللاعنف هو أسلوب حياة يومية يتحول إلى استراتيجية مقاومة منهجية للظلم والاحتلال. وهنا نود أن نضيف بأن للمسيحيين في الأرض المقدسة دور يجب أن يقوموا به بأسرع وقت ممكن، فإن الحركة اللاعنفية إن لم تبدأ من المسيحيين فإنها لن تبدأ أبداً، ليس لأن الدين المسيحي يقوم على المحبة فحسب، ولكن لأننا لا نحسن ولا نقبل اللجوء لوسائل العنف المتبعة في الصراع حالياً ولا ينبغي أن نبقى متفرجين. وهذا الموقف غير نابع من ضعف أو خوف، فإن اللاعنف هو سلاح الأقوياء وليس الضعفاء وسلاح الشجعان وليس الجبناء، واللاعنف هو "قوة المحبة والحقيقة" كما كان يقول غاندي. ونحن نملك كليهما بإذن الله!

وأخيراً، ومع اقتراب عيد الميلاد، فإن هذه الدعوة إلى اللاعنف تجد صداها في ترنيمة الملائكة التي أنشدت في سماء بيت لحم "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام"، وتنبع من مغارة الميلاد حيث يرقد الطفل يسوع في المذود وديعاً متواضعاً أميراً للسلام. هذا هو دور المسيحيين ودعوتهم: أن يكونوا رسل ودعاة وبناة سلام في العالم "فطوبي للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يدعون".

الأب رائـد عـوض أبو ساحلية