|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
وقفة تفـكير بـين
عـامـين الأحد 28/12/2003
"كل سنة جديدة هي قفزة في المجهول. نعرف كيف تبدأ ولا
نعرف كيف تنتهي. ماذا تخبئ الأيام لنا وللعالم؟ والمجهول قد يبقى قبراً أو قيامة.
ولكنه يبقى مجهولاً، فهو لم يتقرر بعد". هكذا يكتب الأب رفيق خوري في مذكراته
التي نشرت مؤخرا في الجزء الثاني من "كتاب الأيام" في محاولة منه
"للبحث عن الكلمة المفقودة". لقد قفزت هذه الكلمات في ذهني وأنا أحاول
النظر إلى الوراء ونحن نودع عاماً ينتهي والنظر إلى الأمام ونحن نستقبل عاماً
جديداً.
فبين العامين أريد أن أقرأ بين سطور الأحداث المتعاقبة
والمتلاحقة لا بل المتسارعة ليس فقط في منطقتنا ولكن أيضاً في العالم بأسره. وأول
ما تبادر إلى ذهني كلمات الإنجيل: "لا يهمكم أمر الغد، فالغد يهتم بنفسه،
ولكل يوم من العناء ما يكفيه" (متى 6/34). وكأني بيسوع يريد من الإنسان أن
يعيش حياته يوماً بعد يوم دون أن ينظر للوراء ولا يتطلع للأمام، طالباً من الله:
"أعطنا خبزنا كفاف يومنا". وهذا جيد لكي لا يصاب المرء بالجلطة!
ولكن الإنسان الحكيم هو من يعيش الحياة بملئها فلا يغفل عن أي
شاردة أو واردة بل يستفيد من خبرات الماضي فيبني على الجيد والمفيد ويتحاشى السيء والرديء
ويحسن حياته في المستقبل العتيد. كما كان يقول القديس توما: "نأخذ بالجيد من
السلف ونحذر من السيء ونتحاشاه في الخلف". فالتاريخ معلم الانسان، والانسان
الذكي هو من يتعلم من مدرسة الحياة.
فإن نظرة إلى الوراء ترينا بأن الألفية الثالثة بدأت بداية
سيئة، ليس على الصعيد المحلي فحسب لأن الانتفاضة الثانية بدأت ومسيرة السلام تعطلت
وحياة الناس تعقدت، بل وعلى الصعيد العالمي، فبعد الحادي عشر من أيلول توسع الصراع
وأخذ اتجاهات خطيرة دامية ابتداء من أفغانستان وصولاً إلى العراق والحبل على
الجرار فيما يسمى "بالحرب على الارهاب"، التي تشعل الصراع بين الشرق
والغرب لا بل تغذي التعصب والأصولية في مختلف الديانات.
وإن نظرة إلى الأمام "هي قفزة في المجهول" حقاً
لعدم وضوح الصورة لا بل لانعدام الرؤية، وكأن قادة العالم صم بكم طرش عميان،
وبدلاً من "يكحلوا العين يعورونها" ويعقدون الأمور "ويزيدون الطين
بله" كمن يخفش في الوحل ويتخبط في الظلام.
لماذا أنت خائف ومتشائم؟ يتساءل الأب رفيق! ويجيب ببلاغته
المعهودة "يبدو لي أن هامش القرار يضيق ويضيق حولنا ليفتح الباب لقوى الظلام
أن تسرح وتمرح في ساحاتنا. نعم، الفراغ يملأه الشياطين". والمشكلة بأن القرار
ليس في أيدينا، فليس في اليد حيله، بل هو في أيدي شياطين الأرض (وما أكثرهم!)،
الذين يتفرجون على آلام شعوبهم ويتحكمون بمصيرها ويقودونها مثل الغنم إلى الذبح.
والمأساة الكبرى بأنهم يتشدقون بأنهم يحسنون فعلاً لا بل يعتقدون بأنهم يقدمون
خدمة للبشرية ويعملون لمستقبل أفضل.
إذن، هل أصيب الأمل في الصميم؟ وهل ينبغي أن نستسلم للأمر
الواقع في هذا الزمن الرديء؟ ونقول باستسلام "حط راسك بين الروس وقول يا قطاع
الروس" أو بحيادية وهروب "إمشِ الحيط الحيط وقول يا رب الستيره" أو
بيأس "لا يصلح العطار ما أفسده الدهر"... بكلمة أخرى "ما فيش
فايده... كل شيء على الفاضي".
إن هذه المواقف الانهزامية ليست من خصائص الانسان، وخاصة
المتألم والمظلوم، فإن الدماء التي في عروقه تتحرك لا بل تثور وتطالب بتغيير
الأمور ولو كان الثمن غالياً. كما أن "دوام الحال من المحال" فما شده
إلا وبعدها فرج.
وهذه الحقائق تقودنا إلى تبني المواقف الصحيحة لكي تكون السنة
القادمة أفضل من سابقتها، وهنا أتكلم عن الصعيد الشخصي والعام المحلي والعالمي،
إذا كان هناك من يقرأ ورق ويريد الاصغاء لهذا الصوت البسيط الذي يحمل هموم الناس.
على الصعيد الشخصي: مطلوب الثقة والايمان بأن الله هو سيد
التاريخ وهو يدبر شؤون الكون والانسان، رغم أننا لا نفهم أحكامه في كثير من
الأحيان. وهذا يقودنا إلى تسليم قيادة حياتنا إليه لكي يكون ربان السفينة واثقين
بأنه سيقودها إلى شاطيء الأمان، عالمين "بأن الله يسخر كل شيء لخير الذين يحبونه".
وبهذا تبقى شعلة الأمل مشتعلة في حياتنا بالرغم من الظلم والظلمة التي تحيط بنا،
فلولا الأمل لبطل العمل وفقدنا معنى الحياة.
على الصعيد المحلي: أعتقد بأن الأولوية الملحة هي انهاء
الصراع بين الشعبين بانهاء الاحتلال والتوصل إلى سلام عادل وشامل لا بل إلى مصالحة
تاريخية. ويجب الايمان بأن هذا ممكن بالرغم من كل العقبات والصعوبات. على الطرفين
القيام بكل ما هو ممكن ومستطاع لحلحلة الأمور لمصلحة الشعبين والمنطقة بأسرها. قد
يقول البعض "إيدي بحزامك" فكلنا نريد هذا ونتمناه، ولكن الطرف الآخر لا
يريد السلام! صحيح، ولكن ينبغي القيام بخطوات سريعة وجريئة وخلاقة، وذلك بالتخلي
التام عن كافة أشكال العنف وتبني استراتيجية سلام لاعنفية واحراج الطرف الآخر
بمبادرات حسن نية غير عادية تظهر للعالم بأننا نريد السلام بكل جوارحنا ومستعدون
للمجازفة في سبيله ودفع الثمن.
على الصعيد العالمي: بما أن الصورة ليست أكثر اشراقاً في ظل
هذه الفوضى العالمية، فإنه من الضروري عقد مصالحة تاريخية بين الشرق والغرب وانهاء
الصراع الذي يتستر بالدين، والذي سببه الظلم، وبالتالي المصالحة بين الديانات
لتكون عنصر سلام في العالم. إن ما يسمى بالحرب على الإرهاب، حملة غبية تزرع الفوضى
وتنشر الحرب وتزيد الكراهية وتقسم العالم، لأنها تغفل عن الأسباب الحقيقية للأزمة
العالمية الحالية، لذا فهي حملة عبثية غير مجدية ولن تحقق الأهداف المنشودة، فعلى
الدول الكبرى أن تحكم العقل وتستعمل الحكمة بدلاً من العضلات والقوة، فمن المفترض
أن يكون زمن الهيمنة والاستعمار قد ولى ولكننا نرى بأنه يتجلى من جديد بصورة بشعة
ومفضوحة وأمام عيون العالم. لا بد من تحجيم قوة الدول العظمى التي تريد الهيمنة
على العالم والعودة إلى رحاب الأمم المتحدة بعد اصلاحها وتفعيلها واطلاق سراحها.
إن هذا التشخيص البسيط لحالة العالم، والذي يبدو سطحياً، هو
زبدة الكلام. وأعتقد بأن السنة القادمة لن تكون أحسن من سابقتها إذا لم يحدث تغيير
جذري في العلاقات الدولية، التي يجب أن تقوم على التعاون والاحترام المتبادل، وأن
تبني على قيم السلام لا على المصالح. فالسلام هو النعمة الكبرى التي يحتاج إليها
العالم.
الأب
رائـد عـوض أبو ساحلية