SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

جــدار العــار وبـدايــة الانهيــار    الأحد 25/1/2004

 

لم أختر هذا العنوان لأني احب السجع أو اللعب بالكلمات، ولكن لأني لم أجد كلمات أخرى تعبر حقيقة وبصدق عما نشاهده أمام أعيننا من بناء للجدار الفاصل داخل الضفة الغربية وحول القدس وداخلها مقطعاً أوصال البلاد ومعقدا حياة العباد.

 

أقولها وبملء الفم بأنه جدار العار على الجميع:

عار على الدولة التي تقيمه، وعلى الشعب الذي يوافق عليه وخاصة أنه عانى في السابق من المعسكرات النازية... فهل يريدون اعادة التجربة مع شعب آخر وعلى نطاق أوسع؟!

إنه عار على شعبنا الذي يرى بأم عينه ما يحدث ولا يحرك ساكنا وكأن ليس باليد حيلة، فلماذا لا تقوم في وجهه هبة شعبية سلمية لاعنفية وخاصة في القدس أم هناك خوف من قطع مخصصات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، أم أننا تعودنا على سياسة فرض الأمر الواقع؟!

إنه عار على أمتنا العربية وحكوماتها التي تشجب وتستنكر من بعيد وتنتظر أن يفرض الأمر الواقع من جديد ويبدو أنها لن تستيقظ من سباتها إلا بعد فوات الأوان كالعادة والحمد لله!

إنه عار على سيدة العالم الأولى التي تدعم ابنتها المدللة على الخير والشر وعلى الباطل والظلم وتدعي بأنها وسيط نزيه لحل مشرف يقوم على دولتين ولم تفعل شيئاً إلى الآن منذ سنوات. وسؤالي أين ستكون هذه الدولة المستقلة عندما تتحول إلى كانتونات منفصلة وسجون صغيرة وكبيرة منعزلة؟

إنه عار على الدول الأوروبية التي ترى وتعرف وتحاول أن تفعل شيئاً ولكنها إلى الآن تقف عاجزة أمام العملاق الذي لا يريد لها أن تخرج من قمقمها لتحدث التوازن المطلوب في وضع عالمي توزانه مفقود.

إنه عار على الأمم المتحدة المفككة التي إن جرؤت على اتخاذ القرارات عجزت عن تنفيذها إلا على الدول الفقيرة المستضعفة وفي مقدمتها العربية.

إنه عار على الإنسانية جمعاء التي تترك المجال للقوي أن يظلم ويحكم ويرسم ويتحكم بمصير الشعوب "على عينك يا تاجر" دون أن تقول كلمة حق وتقف في وجه الظلم والطغيان.

إنه عار على التاريخ لأنه سيسجل صفحة سوداء لا تمحى ولا تنسى من الذاكرة والجعرافيا فأخبار وصور هذه الأيام ستحفظ إلى أجيال وأجيال.   

 

وإذا كان بناء الجدار عار فإنه بداية الإنهيار:

إنهيار لأسطورة الجيش الذي لا يقهر فهو قادر على كل شيء يبتدع ويبتكر الطرق والوسائل المختلفة لتوفير الأمن... فالجدار فشل ذريع ودليل على عدم القدرة على السيطرة على إرادة التحدي والصمود... وهذه آخر صرعة يجربونها وسيرون فشلها أيضاً.

إنهيار لعملية السلام التي ماتت قبل أن تولد، ونهاية لامكانية الحوار ما دامت الأسوار والجدران تفصل بين الجيران، فهم هنا ونحن هناك... والحقيقة أن هذا لا يجدي نفعاً أيضاً...

إنهيار لكل خطط السلام المطروحة المبنية على قرارات الشرعية الدولية التي تعطي لكل ذي حق حقه، فلا مجال لتطبيقها بعدما يفرض الأمر الواقع الجديد...

إنهيار لأصحاب هذه الأفكار الغريبة العجيبة التي تعتقد بأن بناء الجدارن العالية سيصنع السلام ويضمن الأمن.. ولا يدرون بأنهم يزيدون من الحقد والكراهية ويوسعون الهوة بين الشعبين... فما هكذا تورد الأبل يا حكماء وحكام...

إنهيار لقيم العدالة والحرية والديمقراطية التي تبنى عليها أساسات أي دولة تدعي هذه القيم.. فلا يمكن الادعاء بهذه القيم إذا حرمنا منها شعباً آخر يتوق إليها أيضاً وله الحق في التنعم بها لأنها من الحقوق الأساسية لأي إنسان أو شعب.

إنهيار للجدار بالذات، فإن في أساساته بذار انهياره لأنه يقوم على الظلم: فمن كان واقفاً فليحذر من السقوط فسقوطه سيكون عظيماً، ومن لا يريد التصديق فلينظر لما حدث لسور برلين ولنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وللشيوعية في الاتحاد السوفيتي وللدكتاتورية في العراق... والحبل على الجرار...

 

فإذا كان الأمر رهيباً لهذه الدرجة فما هي العبرة والرسالة؟ لست منجما ولا نبياً، لست مستشاراً سياسياً ولا منظراً، ولكني إنسان بسيط يؤمن بالحقيقة القائلة بأن الحتمية التاريخية تؤكد بأن ما علا طير في السماء إلا وهبط، وحتى الامبراطوريات العظيمة سقطت واندثرت، ولا يدوم إلا ما قام على الحق والعدالة، فالحق يعلو ولا يعلى عليه. فقد قال أحدهم: "إن تاريخ الظلم طويل.. إنما سرعة زوال الظلم، والكيفية التي يغذي فيها دائماً بذور موته، تشوق المرء إلى تتبع أثره حيثما ظهر وأينما ظهر في التاريخ البشري" فما الذي زرع للظلم بذور موته؟ الجواب واحد لا غير: طبيعة الحقيقة.

 

وقد أعجبني تعليق كارلوس مارتن، سفير البرازيل لدى الولايات المتحدة: "إن الدول الكبرى، إذا ما حصرت اهتمامها في نفسها فقط فإن كل ما تستطيع انتاجه هو الحروب العالمية. إنها لا تقدر أن تصنع سلاماً إلا إذا عملت متعاونة مع أحد نظم الحرية على نطاق عالمي. ليس من طريقة أخرى يمكنها فيها كسب ما تحتاج إليه من ثقة وموافقة وتأييد من باقي العالم". وهذا الكلام ينطبق حرفيا على أمريكا وإسرائيل... فحين تحصر همها في أمنها وتتناسى أمن الآخرين فإنها لن تحصل عليه حتى لو بنت كل الجدران وشنت الحروب العالمية ضد الإرهاب.

وما يؤيد هذا الكلام ما نشرته صحيفة "يديعوت احرونوت"، في عددها الصادر يوم الجمعة، عن رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، العميد إيلان باز، الذي أعرب عن تأييده لتفكيك الحواجز في الضفة الغربية: "وجهة نظر الفلسطينيين تتركب مما يعايشونه يومياً، فاحتياجاتهم الأساسية خاضعة لتأثير دولة أجنبية يحركها الحفاظ على أمن مواطنيها، لا مصلحة ورفاهية الفلسطينيين، وهذا ينعكس من مشكلة العبور على الحواجز وحتى السيطرة على أماكن العمل. إنهم لا يملكون أي أمل، بل لديهم الكثير من اليأس". يا ليته يفعل ما يقول ويقول مثل هذا الكلام في عبثية اقامة الجدار الفاصل.

وهنا أصل إلى العبرة والرسالة:

العبرة لنا: لا تكرهوا شراً لعله خير، فهذا الجدار سينهار آجلاً أم عاجلاً، لا بل أن بناءه سيعجل من انهياره، إذ يعطي للعالم الصورة الحقيقة لما يجري، وإذا كان العالم أعمى أطرش أخرس، فلا بد أن يستيقظ ضميره يوما ما... فكل الجدارن لن تمنعنا من أن نحلم بالحرية، فالأفكار  كالعصافير لها أجنحة تطير وتغرد وتعشعش، رغم الحدران،  فإن ضاقت الأرض فالسماء أرحب.

 

أما الرسالة لهم: باطل الأباطيل وكل شيء باطل، وهذا الجدار باطل أيضاً، فلن يحقق لكم الأمن والاستقرار، ولن يصنع السلام بل يزيد من الحقد والخصام... إنه وصمة عار في جبينكم وأخشى أن يكون بذرة انهياركم، لذلك فمن مصلحتكم أن توفروا المال والجهد والسلاح وتبنوا الجسور بدل الجدران كما قال لكم ولنا قداسة البابا يوحنا بولس الثاني: "إن الأرض المقدسة ليست بحاجة إلى جدران بل إلى جسور" فهلا سمعتم إلى صوته النبوي وصوتي الأخوي؟

الأب رائــد عـوض أبو ســاحليـة