SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

عيد الأضحى والأشهُر الحُرُم         الأحد 2/2/2004

 

بينما يحتفل المسلمون بعيد الأضحى المبارك المربوط بالحج، فإنني أقدم التهنئة القلبية الحارة للأخوة المسلمين، وأسمح لنفسي بربط هذه المناسبة بمفهوم "الأشهر الحرم" الوارد في القرآن الكريم، وأدعوهم إلى التفكير به وتعميمه ليصبح منهج حياة.

قسم الجاهليون شهور السنة الى قسمين: أشهر اعتيادية هي ثمانية شهور، وأشهر أربعة حرم مقدسة خصت بآلهتهم، لا يجوز فيها قتال ولا بغي ولا انتهاك لحرمات، وكانوا يقاتلون في الشهور الثمانية يغزون بعضهم بعضاً، ويغيرون بعضهم على بعض. ثم يتوقفون عن القتال في الشهر الحرام.

والأشهر الحرم هي أربعة: ثلاث متواليات سرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر منفرد هو شهر رجب. فهي ثلث السنة اذن. وكان الجاهليون يعظمونها، ولا يستبيحون القتال فيها، حتى أن الرجل يلقى فيها قاتل أبيه وأخيه فلا يهيجه، استعظاماً لحرمة هذه الأشهر التي هي هدنة تستريح فيها القبائل فتنصرف الى الكيل والامتيار والذهاب الى الأسواق، وهي آمنة مستقرة لا تخشى اعتداءً ولا هجوما مفاجئاً.

          وبطبيعة الحال كان يجوز القتال في الأشهر الحرم للدفاع عن النفس كضرورة واجبة وهذا ما كانوا يسمونه "النسأة" أو "النسيء"، "اذ لا يعقل للمحرمين الامتناع عن قتال مقاتل في الأشهر المذكورة، لأنها أشهر حرم مقدسة. وإلا عرضوا أنفسهم وأهلهم وأموالهم الى التهلكة، خاصة وأن المقاتلين هم من أهل عقيدة مخالفة لعقيدتهم تمام المخالفة، فشرعه الدفاع عن النفس أباحت لهم حق قتال المحلين".

اذن كانت هذه العادة سارية المفعول في قريش والقبائل المجاورة لها على عهد الرسول، لذلك تبناها قاعدة كما ورد في الآية: "فاذا انسلخ الأشهر الحرم، قاتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" (التوبة: 9/5)، وقد فسر الطبري هذه الآية:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم، وهي الأربعة التي عددت لك، يعني عشرين ذي الحجة والمحرم وصفر وربيعاً الأول، وعشراً من شهر ربيع الآخر. وقال قائلو هذه المقولة: قيل لهذه الأشهر الحرم، لأن الله عزّ وجل حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والعرض لهم إلا بسبيل خير".

والامام محمود شلتوت يقول أن الأشهر الحرم "هي حرمة زمنية، قصد بها من قديم تأمين الطريق لأداء الحج، وزيارة الله في بيته الحرام، وهي في الوقت نفسه تغرس في القلوب عوامل الأمن والطمأنينة، تلكم الحرمة الزمنية، هي حرمة الأشهر الحرم، ذات قدسية التي نوه الله عنها في كتابه:"إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حُرمٌ، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا أنفسكم" (التوبة: 36). ويضيف بأن القرآن عرض كثيراً الى قدسية الأشهر الحرم وجعل المحافظة عليها بالبعد عن القتال وسفك الدماء وسائر المظالم والخيانات، من شعائر الله التي وجه إليها الأنظار توجيهاً شاملاً في الأزمنة كلها، وفي الرسالات كلها "ذلك الدين القيم"، "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام" (المائدة:5/2).

ويمكن طرح السؤال الآن ماذا حدث بهذه العادة أو الشريعة؟ هل نُسخت أم بقيت سارية المفعول ليومنا هذا؟ وهذا السؤال شرعي فهو وارد في القرآن ذاته في الآية "يسألونك عن الشهر الحرام. قتال فيه. قل قتالٌ فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل" (البقرة:2/217). ورغم اختلاف أهل التأويل في هذه الآية التي أثبتت حرمة القتال في الأشهر الحرم، فيمكن أن نخلص إلى النتيجة التالية: "انه باقٍ على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة، وأما من لا يرى لها حرمة فانه يجوز قتاله في أي وقت كان، وأما في الحرم فلا يبتدأ بقتال أحد من الكفار كائناً من كان" وهذا خير جواب وأقرب إلى المنطق والصواب.

يقول الامام شلتوت أن الله أراد تربية عباده وتدريبهم على الخير بفرض الحرمتين:

- حرمة مكانية: المكان الآمن مكة دائرتها البيت الحرام والبلد الحرام "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين"(النمل:91)، "أو لم نمكن لكم حرماً آمناً يجبى إليه كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون"(القصص: 57). كما أكد ذلك الرسول فيما أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس قال:"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو محرم بحرمة الله الى يوم القيامة". وقد اتسع نطاق هذه الحرمة حتى شمل الحيوانات "لا تقتلوا الصيد وأنت حرم" وشملت الأشجار "لا يختلي خلالها، ولا يقطع شوكها".

- حرمة زمنية: ميقاتها الأشهر الحرم، تجتمع حرمة ثلاثة منها "ذي القعدة وذي الحجة والمحرم" مع الحرمة المكانية، وتنفرد حرمة رابعها، وهو "شهر رجب".

ومنهج التربية بتحريم الزمان والمكان، شرع الهي قديم أقره الاسلام وربط بين المؤمنين الأولين والمؤمنين الآخرين، وهو في واقعه لأهل العصر الواحد فرصة تهيء لهم لو آمنوا به ونزلوا على مقتضاه واتبعوا شرع الله فيه حسن التفاهم والعمل على أسباب الخوف والتخاصم، وعلى اقرار الأمن والسلام، وهو بمثابة هدنة الهية يتدبر الناس فيها شؤونهم فيعرفون مهمتهم في الحياة، من حسن التعمير وإسعاد البشرية على أسس من المحبة والتعاون، وبذلك يكفون العدوان، وعن الجشع المثير للحروب، القاضي على الهناءة، المفسد لخلافة الانسان في الأرض.

والحكمة من تحريم الزمان والمكان، كما يقول الامام شلتوت، "أن الله خلق الخلق على سليقة واحدة تدفعهم بحكم ما ركب فيهم من قوتي الغضب والشهوة- الى التحاسد والتقاطع، الى القتل والتخريب، والى السلب والاستعلاء، فاقتضت الحكمة الالهية أن يكون لهم رادع ينبع احترامه من ضمائرهم، ومن هنا عظم البيت الحرام في قلوبهم، وفي هذه الأشهر تسكن السيوف في أغمادها، وتتجه القلوب الى ربها، وفيها يتضاعف الجزاء لمن أحسن أو أساء وفي ذلك يقول:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد"(المائدة: 97).

 

الخاتمة: إننا نرى بأن هذه العادة الجاهلية التي انتقلت إلى المسلمين يجب أن تستمر وتدوم، لا بل أن تعمم على كل إنسان ومكان وزمان: فكل إنسان له قيمة بحد ذاته كمخلوق على صورة الله ومثاله وخليفة لله على الأرض فلا يحل سفك دمه أو ظلمه بأي شكل من الأشكال؛ كما أن كل مكان ليس فقط مكة والبيت الحرم- هو بلاد الله الواسعة التي خلقها وسواها ووكلها للإنسان لتعميرها وليس لتدميرها فهي أرض مقدسة حرام؛ كما أن كل زمان- وليس فقط الأشهر الأربعة الحرم- أي كل السنة هي فرصة من الله للإنسان ليعيش بأمان للتفرغ لشؤون حياته الدينية والاجتماعية والاقتصادية. فمن المفروض أن يكون وقت الغزو القبلي قد ولى دون رجعة فلا حاجة لنا به في العصر الحديث، رغم ما نشهد من عنف وإرهاب وحروب تشنها دول تستعمل قوة السلاح وعرض العضلات.

وأخيراً، يدعو خالص الجلبي إلى مد جغرافية البيت الحرام، لتتحول الكرة الأرضية كلها إلى كعبة كبيرة، ويمتد زمن الأشهر الحرام لتنقلب السنة كلها عاماً حراماً، لا يسفك فيها دم حرام. وينتهي إلى مد الأمر إلى ظاهرة الحج، ففيها رمزية تحويل البيت الحرام، إى أقطار الأرض جميعاً كهدف إبراهيمي قديم، فيكبر البيت الحرام ليستوعب بسلامه الكرة الأرضية كلها، من خلال تجربة صمدت عبر أربعة آلاف سنة، ومد الأشهر الحرام الأربعة، لتعم السنة، أي امتداد السلام إلى العالم في مستوى الزمان والمكان، فهذه إحدى رسائل الحج السنوية تدريباً وتعميماً، لبشر يفدون من كل المعمورة.

إن تطوير هذا الفكر السلامي سيغير نظرة العالم إلى الإسلام والمسلمين، ويجعل منهم أمة ذات شأن بين الأمم. هذا ما أتمناه لأخوتي المسلمين في الأرض المقدسة، راجياً أن يكونوا دعاة سلام في كل مكان وزمان، متمنياً لهم عيداً مباركاً، ولمن حج منهم، حجاً مبروراً.

 

الأب رائــد عــوض أبـو ســاحليـة