|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
بدأنا قبل أيام زمن الصوم الأربعيني وهو الزمن
الاستعدادي لعيد الفصح. وقد جرت العادة أن يقتدي المسيحيون بالسيد المسيح الذي صام
في البرية أربعين يوماً وأربعين ليلة قبل بداية حياته العلنية. وهذه دلالة واضحة
صريحة بأن الصوم يهيئ النفس للقيام بالمهمات الصعبة ويدربها على مواجهة كل العقبات
التي تعترض الطريق. فإذا كان السيد المسيح له المجد قد استعد لرسالته العلنية
بفترة صوم مكثفة مقرونة بصلاة حارة، فكم بالأحرى يحتاج الإنسان إلى الدخول في
مدرسة الترويض هذه، فالشدائد والصعاب هي مصانع الرجال، والسهولة والميوعة لا تجدي
نفعاً.
وما أحوجنا في هذه الأيام الصعبة إلى عيش هذا الزمن
بجدية، ليس لأنه مفروض علينا أن نعيش وسط الشدائد والصعاب، ولكن لكي نمرن أنفسنا
على تحملها ومواجهتها وتجاوزها بقوة الروح وبقدرة الله، فالإنسان وحده عاجز عن
تحقيق المستحيلات، أما الله فإنه على كل شيء قدير "فما من شيء يعجز
الله".
ويحضرني في هذا المقام حادثة طرد يسوع للشيطان من شاب
مذكورة في الإنجيل: فقد عجز التلاميذ عن فعل ذلك، عندها التجأ والده إلى يسوع
مستجدياً مسترحماً، فأمر يسوع الشيطان بالخروج منه فأطاعه دون تأخير. وعندما سأله
التلاميذ عن سبب عدم قدرتهم على طرده، أجاب يسوع: إن هذا النوع من الشياطين لا
يخرج إلا بالصوم والصلاة.
إذن فإن الرسالة واضحة: إننا نمر بظروف صعبة
استثنائية طال مداها وكلما استمرت ازدادت تعقيداً مخلفة آلاماً وجراحاً ستحتاج إلى
أعوام لكي تلتئم. وبما أن أهل الدنيا استعملوا كل ما في جعبتهم من أسلحة الدمار
ولم يجدي ذلك نفعاً، وبما أن أهل السياسة استخدموا كل فذلكاتهم الدبلوماسية
وأشبعونا كلاماً ناعماً معسولاً، ولم يجدي ذلك نفعاً. وبما أن دعاة السلام في جميع
أنحاء العالم قد أنهكوا قواهم في الدعوة من أجل السلام والعمل لتحقيقه، ولم يجدي
ذلك نفعاً. لذلك فإننا ندعو بصراحة ووضوح إلى اللجوء إلى سلاح الروح العزيز
بذخيرته الثلاثية الفعالة: الصوم الصلاة والصدقة.
الصوم هو ذلك الجهد الروحي والمادي الذي يبذله
الإنسان بالتضحية عن طوع بما يروق له من مأكل ومشرب لترويض النفس واكتساب الفضائل
والتغلب على الرذائل وعمل الخير طبقاً لوصية الكتاب: "أليس هذا هو الصوم الذي
آثرته؟ حل قيود النفاق، وفك ربط النير، وإطلاق المضغوطين أحراراً، وكسر كل نير؟
أليس هو أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل البائسين المطرودين بيتك، وإذا رأيت
العريان أن تكسوه، وأن لا تتوارى عن لحمك؟"
بهذا المفهوم الثوري للصوم يمكن أن يصبح فعل مقاومة
للظلم والاحتلال، لا بل عملية تحرير للذات من كل شائبة أو ظلم أو تعدٍ على
الآخرين، بالإضافة إلى قوة للمطالبة بالحرية والحقوق، دون خوف أو وجل. فلماذا لا
نعلن صوماً وطنياً لفترة محدودة أو طويلة بحيث يشارك فيها أكبر عدد ممكن من
المواطنين معلنين أمام العالم عن مطالبهم بالحرية، وأنا متأكد بأن الكثيرين في
العالم سيقفون إلى جانبنا ويتضامنون معنا ويسرعون إلى نجدتنا. فهذه أروع وأقوى
وسيلة حضارية يجب أن ندخلها في ساحة المعركة ولن تتطلب مالاً ولا عتاداً ولا دماً
بل إرادة قوية وعزماً وتصميماً بالإضافة إلى قرار استراتيجي من القيادة الدينية
والمدنية.
الصوم مقرون دائماً بالصلاة: وهذه وسيلة أخرى فعالة
تعني ببساطة طلب أن تتحقق مشيئة الله على حياتنا وأن يتدخل بقدرته العزيزة لإنقاذنا
من شدائدنا مع الثقة التامة بأنه سيستجيب لنا لأنه أب محب للبشر ويريد لهم الخير،
طبقاً لقول المعلم: "إسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم"
شريطة أن تكون الصلاة نابعة من إيمان قوي وقلب صادق بار "لأن صلاة البار لها
اقتدار عند الرب".
وإذا أدخلنا هذه الوسيلة أيضاً في الحلبة، يمكن أن
ندعو إلى أيام صلاة مكثفة من أجل السلام يشارك فيها الجميع بدون استثناء، وبذلك
تخمد أصوات الدبابات والمدافع والطائرات وترتفع أصوات الأدعية والتضرعات
والابتهالات إلى عرش صاحب الجلالة: "إرحم يا رب، إرحم شعبك، ولا تسخط علينا
إلى الأبد".
أما الصدقة فتلازم الصوم والصلاة وكأنها لا تنفصل
عنها أبداً. فما يوفره الصائم ليس له بل لغيرة من المحتاجين والفقراء. وما أحوجنا
في هذه الظروف الصعبة جداً إلى فتح أحشاء الرحمة نحو اخوتنا، وتعلم الإيثار في كل
شيء. أعرف جيداً بأن الجميع في شدة وضيق، ولكن هذه الشدة ستعدي على خير إذا شاركنا
في احتياجات بعضنا بعضاَ. "إننا فقراء ولكننا نغني كثيرين" كما يقول
الكتاب، فالمحبة ليست في الأخذ والعطاء بل في المشاركة. إن هذا هو الوقت المقبول
والمناسب لنمارس هذه القيم الروحية والإنسانية والإنجيلية، بدلاً من أن ننتظر
العون من الخارج. إن قوتنا في وحدتنا وتلاحمنا.
فإذا أدخلنا هذه القوة الإضافية في اللعبة لوجدنا أن
القليل يصبح كثيراً، فلو خصصت كل عائلة ما توفره من مصروف يوم الجمعة المفروض فيه
الصوم والانقطاع، لاستطاعت أن تجمع مبلغاً لا يستهان به لأعمال الخير يوزع على
الفقراء والمحتاجين، ولماذا لا يتحول هذا النهج إلى عقلية تمتد على طول السنة، في
وقت الضيق والرخاء؟
هذه الأفكار البسيطة في محتواها المبعثرة في شكلها
بحاجة إلى تدقيق وتعميق قبل أن تتحول إلى قوة فعالة دافعة رافعة من الناحية
الروحية والمادية. فتتحقق كلمات الكتاب أيضاً: "حينئذ يتبلج كالصبح نـورك،
وتزهر عافيتك سريعاً، ويسير برك أمامك، ومجد الرب يجمع شملك. حينئذ تدعو فيستجيب
الرب، وتستغيث فيقول: هاءنذا!".
الأب رائــد عـوض أبـو سـاحليـة