SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

الحج إلى الأماكن المقدسة      الأحد 3/3/2002

 

يفرح القلب لمنظر ملايين الحجاج من الأخوة المسلمين الذين يغرقون بيوت الله بوجودهم وصلواتهم في الديار السعودية المقدسة. وكلما رأيت هذا المنظر الفريد أعجب لتعلق كل هؤلاء المؤمنين بأماكنهم المقدسة والتزامهم بشعائر العبادة الأمر الذي يكلفهم الكثير من العناء والجهد والمال، كما أني أعجب بقدرة السلطات على تنظيم مثل هذا الحدث الضخم بما يقتضيه من التحضير والاشراف لانجاح المراسم الدينية التي تتطلب حركة لكل هؤلاء الحجاج. وبينما يعود الحجاج إلى أوطانهم، وبعدما احتفلنا بعيد الأضحى المبارك، ورغم الظروف الصعبة التي نعيشها، فإني باسمي وباسم اخوتي المسيحيين أقدم أصدق التهاني القلبية لاخوتي المسلمين وخاصة للحجاج  منهم متمنياً لهم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وعيداً مباركاً.

 

إن هذا يقودني إلى نقلة فكرية في تنظيم الحج لأماكننا المقدسة في فلسطين بشكل عام وفي القدس بشكل خاص. إن ديارنا المقدسة تزخر بالأماكن الدينية المقدسة للديانات الثلاث ولكن بالخصوص للديانة المسيحية لأنها شهدت ميلاد وحياة وموت سيدنا يسوع المسيح الذي كان يتجول في ربوعها من قرية إلى مدينة معلناً أن قد اقترب ملكوت الله. لذلك فأنا أعتقد بأن جغرافية بلادنا عابقة بالتاريخ المقدس ولو كان للحجارة أفواه لأخبرتنا عن الكثير من الذكريات التي حدثت منذ آلاف السنين. فإن قداسة البابا بولس السادس عندما زار الأرض المقدسة، وكانت زيارته أول حج للبابا في التاريخ خارج الفاتيكان، فقد تحدث عن جغرافيا الخلاص كما أن هناك تاريخ للخلاص. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول بأن الأرض المقدسة هي "الأنجيل الخامس" بمعنى أن كل هذه الأماكن الكثيرة المنتشرة في ربوع مدننا وقرانا هي الشواهد الأثرية التي تذكرنا بإيماننا وتنطق بما ورد في الإنجيل من أحداث عاشها سيدنا يسوع المسيح. ويمكن أن اتوسع في التفكير وأضيف بأن المسيحيين العرب الفلسطينيين هم "الإنجيل السادس" لأنهم الحجارة الحية والشهود الأمناء الذي يحافظون على الإيمان الحي حول الأماكن المقدسة فهم تجسيد حي لتعليم المسيح واستمرار للجماعة المسيحية الأولى التي أسسها يسوع في القدس وهي الكنيسة الأولى التي ولدت يوم العنصرة.

 

لهذا، فإن هذه التمازج التاريخي والجغرافي والديمغرافي هو فريد من نوعه يمكن الافتخار به ويجب المحافظة عليه. رغم أننا نشهد فتوراً في الانتماء للأماكن المقدسة والتعلق بها والتوجه نحوها وملئها بحضورنا وصلاتنا. فالكثيرون يعتبرونها معالم سياحية تجارية للأجانب وكأنها بقرة حلوب تدر لبناً ودولارات. وبما أننا نمر في ظروف صعبة فإن هذه التجارة قد كسدت منذ أواخر عام اليوبيل لسنة الألفين وبالتالي فقد أصبحت شوارع مدينة القدس فارغة حزينة لقلة القادمين إليها في العيد والزائرين لها للعبادة والصلاة. كما كسدت أيضاً صناعة السياحة التي تزدهر عادة حولها بوجود السواح والحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم، فقد أغلقت الفنادق أبوابها وسرحت العمال والموظفين وخلت المطاعم من الزوار ومحلات التحف والهديا من المشترين. نفهم جيداً أن الأمر ليس بأيدينا فإن النداءات العديدة التي أطلقتها الكنائس لدعوة الحجاج للعودة قد باءت بالفشل ولم تجد آذاناً مصغية للمناظر المرعبة التي تشاهد عبر شاشات الفضائيات، ولكننا بنفس الوقت لا نفهم استنكاف المؤمنين المحليين، سواء المسلمين أو المسيحيين، من التوجه إلى الأماكن المقدسة هذه وخاصة في فترات الأعياد والمناسبات والمواسم الدينية السنوية.

 

صحيح بأن اغلاق القدس والحواجز العسكرية والظروف الأمنية والحالة الاقتصادية قد تشكل عوائق ملموسة تمنع من ذلك، ولكن الأمر الأصعب هو عقلية القبول بالأمر الواقع من جهة والانشغال بالحياة اليومية من جهة أخرى أو حتى التعود على هذه الأماكن بحيث تصبح عادية لا بل تفقد معناها وأهميتها بالنسبة لنا، مما ينسينا واجب الحج لها، ليس فقط للصلاة والعبادة وتقوية الايمان ولكن أيضاً لتأكيد الانتماء لها والرغبة في المحافظة عليها، لأن التواجد فيها خير ضمان على عروبتها ومسيحيتها وإسلاميتها.

 

لهذا فإنني أطلق دعوة جديدة لجميع المؤمنين، المسلمين والمسيحيين، بأن هيا إلى القدس، هيا إلى الأماكن المقدسة، في بيت لحم والقدس والناصرة وطبريا وحيفا، وذلك من باب مبدأ حرية الحركة وحرية الوصول إلى أماكن العبادة للجميع، ومن باب رفض الخضوع لسياسة فرض الأمر الواقع، فالقدس مغلقة ليس منذ بداية الانتفاضة الحالية بل منذ أكثر من عشر سنوات، وهي مفتوحة للإسرائيليين واليهود والسواح والحجاج من الأجانب بينما هي مغلقة في وجه أهلها الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين. أعتقد بأن حركة في هذا الاتجاه يجب أن تبدأ بالسرعة الممكنة يقودها رجال الدين المسلمين والمسيحيين، ولتكن حركة سلمية جماهيرية تفرض أمراً واقعاً جديداً يشكل مطلباً شرعياً لجميع أتباع الديانات المرتبطين شعورياً وقلبياً وايمانياً بأماكنهم المقدسة، وأنا على ثقة بأن هذا التوجه يبرز واقع التمييز في المعاملة ويفضح سياسة الحصار والعزل والاغلاق على وجه الأشهاد ويمكن أن يلاقي دعماً محلياً وعالمياً.

 

أما بالنسبة لاخوتي المسيحيين فإن الأمر أكثر الحاحاً بمناسبة زمن الصوم الأربعيني واقتراب حلول الأسبوع المقدس والأعياد الفصحية، إذ أن أحداث هذه الأعياد الوشيكة تمت كلها في القدس، حيث 70% من الأماكن المقدسة مسيحية تشهد على حياة وتعليم وموت وقيامة وصعود سيدنا يسوع المسيح. ففي قلب القدس جوهرتها التوأم للمسجد الأقصى وقبة الصخرة هناك كنيسة القيامة التي تحوي جبل الجلجلة الذي صلب عليه سيدنا يسوع المسيح وفي داخلها أيضاً قبر الخلاص الذي حوى الجسد الطاهر الذي قام منتصراً من بين الأموات، فمن هذا القبر الفارغ وفي فجر أحد القيامة انتشر نور الإيمان المسيحي إلى الجهات الأربع للمعمورة وعم البشرية جمعاء. ففي وسط كنيسة الروم الأرثوذكس المقابلة للقبر المقدس هناك مكان صغير يدعى "نصف الدينا" أو "صرة العالم" إذ أن بعض التقاليد المسيحية ذهبت إلى الاعتقاد بأن هذا المكان هو محور العالم الفلكي حيث تدور الكرة الأرضية حول محور وهمي، إني أرى بأنه حتى ولو كان هذا الأمر غير دقيق من الناحية الفلكية فإنه صحيح مائة بالمائة من الناحية اللاهوتية والمسيحية حيث أن الايمان المسيحي مرتكز على محور سر الفداء أي صلب وموت وقيامة يسوع المسيح الذي تم في هذه البقعة الجغرافية المقدسة من الكرة الأرضية.

 

ويطول بنا الحديث لو أسهبنا في وصف كل الأماكن المقدسة المسيحية، ولكن مكانين وحدثين جديرين بالإشارة ويمكن أن يشكلا نقطة جذب للحجاج: الحدث الأول هو دورة أحد الشعانين التي تصادف في بداية الأسبوع المقدس حيث جرت العادة أن تنطلق الدورة السنوية التقليدية من بيت فاجي مخترقة جبل الزيتون ومنحدرة إلى الجتسمانية وصولاً إلى كنيسة القديسة حنة الصلاحية داخل أسوار القدس، إن هذه الدورة جديرة بالعناية والاهتمام ويمكن أن تبعث بها الحياة بحيث تشكل أكبر تجمع مسيحي من جميع المدن والقرى والرعايا وخاصة من مناطق الجليل حيث من الأسهل دخول المؤمنين إلى مدينة القدس. أما المكان الثاني فهو طريق الآلام أو ما يسمى بمراحل درب الصليب. فإن هذه العبادة الشعبية التي تكرم المراحل الأربعة عشرة الأخيرة من حياة سيدنا يسوع المسيح من محاكمته أمام بيلاطس في كنيسة الجلد وعبر شوارع القدس القديمة حيث تنتشر الكنائس الصغيرة التي تحيي كل مرحلة وصولاً إلى جبل الجلجلة والقبر المقدس داخل كنيسة القيامة. إن طريق الآلام وصلوت درب الصليب التي نقيمها كل يوم جمعة من زمن الصوم الأربعيني في كنائس رعايانا، يمكن أن تقام أيضاً في مدينة القدس التي تعتبر إنجيلاً حياً متنقلاً لكل مراحل حياة المسيح الأخيرة.

إن فريضة الحج مرتبطة إذن بروحانية لاهوتية عميقة تقوم على العودة إلى ينابيع وجذور إيماننا المسيحي حيث ولدنا كلنا لكي نستمد منها العون والمدد في مسيرة حياتنا الأرضية المضطربة بحيث تتحول هذه الأماكن المقدسة مراكز رفد روحي في حجنا نحو الوطن الحقيقي أورشليم السماوية. وكم هي جميلة آيات صاحب المزامير: "ليصب الشلل يميني وليلتصق لساني بحلقي إن نسيتك يا قدس" والكلمات الأخرى: "إني لأجل القدس لا أهدأ ولأجل أورشليم لا أسكت حتى يطلع كالصبح ضياؤها ويتبلج كالنهار نورها".                                                                           

الأب رائــد عـــوض أبـو سـاحليــة