SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

الوصايا العشر لصنع السلام في العالم      الأحد 10/3/2002

 

 

يظهر بأننا نعيش في وضع يستباح فيه كل شيء وتنتهك كل الأعراف والقوانين والشرائع المدنية والدينية والقيم الإنسانية والأخلاقية، خاصة وسط هذه الحرب المعلنة من الولايات المتحدة على الإرهاب في طول العالم وعرضه ومن حكومة إسرائيل على شعبنا في طول الوطن الفلسطيني وعرضه من مدن وقرى ومخيمات. نلاحظ عمي البصر والبصيرة وغياب الرؤية السياسية لسلام عادل في العالم وفي المنطقة. لذلك يأتي صوت الأديان ورجال الدين بشكل عام وصوت الكنيسة الكاثوليكية وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني بشكل خاص ليذكروا العالم بالمباديء الأساسية لصنع عالم أفضل يسوده العدل والحب والسلام.

 

وبالفعل فقد نشرت في الفاتيكان يوم الاثنين الماضي وثيقة بعنوان "الوصايا العشر لصنع السلام في العالم" وهي ثمرة لقاء أسيزي للأديان الذي تم قبل أربعين يوماً حيث وافق كل رجال الدين من مختلف الديانات في العالم على هذه الوثيقة، وقد أرسلت إلى حكام ورؤساء الدول مرفقة برسالة من قداسة البابا للتعريف بها على أمل أن يعملوا بموجبها لأنها قد تساعد في توجيه العمل السياسي والإجتماعي للحكومات.

 

وورد في الرسالة المرفقة "بأن المشتركين في لقاء أسيزي مقتنعون أكثر من أي وقت مضى بأن على البشرية أن تختار بين المحبة والكراهية، لأن المحبة تبني والكراهية تهدم" وقد أضاف البابا "بأن رجال الدين المنتمين إلى مختلف الديانات في العالم يتوقون إلى الانفتاح على المصالحة ويعملون من أجل تقدم السلام في ربوع العائلة البشرية وهم يعبرون عن هذا الالتزام عن طريق "الوصايا العشر" التي أعلنت في نهاية لقاء أسيزي في ذلك اليوم الفريد من نوعه". وقد عبر البابا عن أمله "بأن تنعش هذه الروح كل ذوي النوايا الحسنة وتقودهم إلى البحث عن الحقيقة والعدالة والحرية والمحبة لكي ينعم كل إنسان بحقوقه كاملة وكل شعب بتقرير مصيره في الحرية والأمن والسلام". وقد أكد البابا أخيراً على التزام الكنيسة الكاثوليكية بهذه المبادي واضعاً ثقته وعاقداً رجاءه على "إله المحبة والسلام" كيما يستمر الحوار بين الأديان وتسود المغفرة والوفاق بين الجميع وتمهد الطريق لأقدامهم لبناء الألفية الثالثة على أساس "حضارة المحبة والسلام".

 

ولأهمية هذه الوثيقة التاريخية التي وقع عليها 12 من رؤساء الديانات في العالم وقرأها عشرة من ممثليها أيضاً، فإننا ننقلها كاملة بعد ترجمتها:

1)   نتعهد بإعلان قناعتنا الثابتة بأن العنف والارهاب يتنافيان مع روح الأديان، ونندد باللجوء إلى العنف والحرب باسم الله أو باسم الدين، كما نلتزم ببذل قصارى جهدنا لاجتثاث أسباب الإرهاب.

2)   نتعهد بتربية المؤمنين على الاحترام المتبادل والمودة للجميع كيما تتوصل الشعوب والأعراق والثقافات والأديان المتنوعة إلى العيش معاً بسلام وتضامن وأمان.

3)   نتعهد بتشجيع ثقافة الحوار كيما يزداد الفهم المتبادل وتتعزز الثقة المشتركة بين الأفراد والشعوب لأن هذه هي الشروط الأساسية للسلام الحقيقي.

4)   نتعهد بالدفاع عن حق كل كائن بشري بالعيش بكرامة وفقاً لهويته الثقافية والتمتع بحرية إنشاء عائلة خاصة به تنعم بكافة الحقوق.

5)   نتعهد بالحوار الصريح والهاديء، غير معتبرين أن ما يفرقنا من اختلافات حواجز لا يمكن اجتيازها وتخطيها بل اعتبار أن تنوعنا واختلافنا عن الآخرين يمكن أن يصبح مناسبة للفهم المتبادل وللفائدة المشتركة.

6)   نتعد بأن نغفر لبعضنا بعضاً أخطاء الماضي والحاضر وأحكامه المسبقة ونلتزم ببذل ودعم الجهود المشتركة للتغلب على الأنانية والكراهية والعنف، متعلمين من الماضي بأن السلام بدون العدل ليس سلاماً حقيقياً.

7)   نتعهد بالوقوف إلى جانب المتألمين والذي يتعرضون للبؤس والاهمال، ونلتزم بأن نكون صوتاً للذين لا صوت لهم عاملين عملياً لتخطي هذه الحالات البائسة ومقتنعين بأن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيداً وحده.

8)   نتعهد بتبني صرخة الذين لا يرضخون للعنف والشر ونلتزم بالمساهمة بكل قوانا وجهدنا ووقتننا في إعطاء البشرية كل أسباب الأمل والعدل والسلام.

9)   نتعهد بتشجيع كل مبادرة تعزز الصداقة والتعاون بين الشعوب، مقتنعين بأن التقدم التفني قد يعرض العالم لمخاطر متزايدة من الدمار والموت في حال غياب التفاهم بين الشعوب.

10) نتعهد بحث المسؤولين عن مصائر الأمم والشعوب من حكام ورؤساء دول على بذل كل الجهود الممكنة لبناء عالم يسوده التضامن ينعم بالسلام المؤسس على العدل.

 

ما أحوجنا لهذه الكلمات المعزية في هذه الأيام العصيبة التي حلت فيها لغة السلاح محل لغة الحوار وأصوات الرصاص والمدافع والطائرات بدلاً من صوت العقل والمنطق فغرقت المنطقة في الدماء والدمار. لذلك فإن رجال الدين المسيحيين والمسلمين واليهود عليهم واجب لا بل يتحملون مسؤولية رفع صوتهم وقول كلمة حق لشعوبهم وحكامهم لوقف دائرة العنف المستمرة التي تحصد الأخضر واليابس. إن الصمت في هذه الحالات خيانة لرسالتهم النبوية لأن الضحايا تتساقط من الطرفين، فإذا كان رجال السياسة قد فقدوا البصر والبصيرة وأمعنوا في المكابرة والعنجهية العسكرية يجب أن لا ينام رجال الدين براحة بال وضمير. نقولها وبصراحة: نحن بحاجة إلى أنبياء يقدمون رؤى سلام جديدة.

 

ونحن بدورنا ينشرح صدرنا ويفرح قلبنا بقراءة مثل هذه التعهدات الجميلة التي قطعها رؤساء الديانات في العالم على أنفسهم ونأمل بأن يضعوها موضع التنفيذ في تعليمهم وتصرفاتهم لأنها تبشر ببريق أمل يلوح في الأفق إذا طبقت، وبذلك يفتحون آفاقاً جديدة ويرسمون رؤية مشرقة لرجال السياسة وحكام العالم الذين فقدوا البصر والبصيرة ويقودون العالم وشعوبهم معهم إلى الهاوية. فكم نحن بحاجة إلى رؤية جديدة تفتح لنا أبواباً لمستقبل أفضل في عالم جديد. فهل نستيقظ يوماً وقد تحققت هذه الأمال العريضة أم أننا نغرق فقط في الأفكار الطوباوية ونعيش في الأحلام الوردية‍‍؟‍‍

 

                                            الأب رائـــد عـــوض أبــو ســاحليــة