|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
ماذا قال البطريرك في مؤتمر العرب المسيحيين؟ الأحد 17/3/2002
عقد
في عمان يوم الإثنين الماضي 11آذار 2002 مؤتمر المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين
وقد حضره عشرات من رجال الدين المسيحيين والمسلمين بالإضافة إلى مئات من الشخصيات
المسيحية من الأردن وفلسطين والجليل. وكانت جريدة القدس قد غطت هذا الحدث ونشرت
يون الثلاثاء البيان الختامي للمؤتمر بالإضافة إلى التوصيات التي انبثقت عنه. ولكي
لا نعيد الموضوع أود أن أشارككم فيما قاله غبطة البطريرك ميشيل صباح في كلمتة
الافتتاحية مبرزاً أهم معانيها لأنها جاءت شاملة معبرة عن حالنا وأحوالنا في الأرض
المقدسة وكانت بشهادة جميع الذين حضروا أهم كلمة ألقيت في المؤتمر لأنها عبرت عما
يختلج في صدور الجميع.
فقد
استهلها بالترحيب بصاحب الجلالة الملكَ عبدالله الثاني ابنَ الحسين المعظم باسم
إخوته بطاركة القدس للروم الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس، وكافة رؤساء الكنائس
الأورثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وباسم الجمع الغفير من العرب المسيحيين
من الأردن ومن الديار المقدسة الذين يشاركهم العديد من إخوتهم المسلمين: كلهم لبوا
نداءكم أن للعرب المسيحيين دورا عربيا في أمتهم، وأن تقلص أعدادهم هو موضوع قلق
مسيحي وعربي على السواء. وبعد ذلك عبر عن شكره لجلالة الملك على رعايه هذا المؤتمر
الذي يشكل انطلاقة جديدة لكي يعي المسيحي هويته المسيحية والعربية في الوقت نفسه،
ولكي يعي مسؤولياته تجاه مجتمعه العربي والمسلم.
تاريخ
عربي مشترك:
وبعد
أن استشهد بآية كريمة من رسائل القديس بولس في الكتاب المقدس: "كونوا على رأي
واحد وعيشوا بسلام، وإله المحبة والسلام يكون معكم" (2 قورنتس 13: 11). أكد
على أن العرب المسيحيين والمسلمين عاشوا عربا عبر العصور والأجيال، وبنوا معا
حضارة واحدة، واختلطت جهودهم ودماؤهم في الدفاع عنها عبر العصور وحتى اليوم في
الصراع الضاري الذي ما زال قائما في الأراضي الفلسطينية، وما زالوا يبحثون عن سلام
واحد، وهم كما قال الرسول يسعون إلى الرأي الواحد والقلب الواحد. ومن ثم فنحن نعي
أن مصيرنا ومستقبلنا مثل حاضرنا وماضينا هو تاريخ مشترك نصنعه معا وحضارة واحدة،
نبنيها وندافع عنها معا، المسلم والمسيحي على السواء.
ونحن
نقول لأبنائنا إننا مسيحيون ومخلصون لإيماننا المسيحي وفي الوقت نفسه مخلصون
لعروبتنا، وفيها نجد أصل هويتنا والبيئة الطبيعية التي نعيش فيها إيماننا المسيحي.
ونحن نعلم أن حياة كل مؤمن بالله هي مسيرة ومن ثم هي تقدم مستمر نحو الأفضل. ونحن
نعلم أن هذه المسيرة ليست في أوج كمالها بعد، وإنما هي سعي نحو الكمال، ولهذا
نَجِدُّ ونسير نحو الأفضل عبر كل التحديات التي تواجهنا معا سواء أتتنا من الخارج
أو من داخل ذاتنا المسيحية والمسلمة. نحن واعون أن التحديات التي تواجه الأفراد في
عيشهم وعلاقاتهم اليومية لن تكون عقبات دون توضيح ملامح الهوية العربية المسيحية
وتثبيتها، ولا دون الدفاع عما يتعرض له العالم العربي والإسلامي من هجمات، ولا
سيما إثر أحداث الحادي عشر من أيلول الماضي. فنحن جزء منه، وهو عالمنا. وما يوجه
إليه يوجه إلينا. وأما التحديات في البناء الداخلي فكلنا واعون لها، ومجهودات
الحوارات المختلفة على مختلف الأصعدة، رسمية أو معاشة، كلها تحاول أن تحقق يوما
بعد يوم، تجربة بعد تجربة، الاستقرار المنشود الذي يطمئن إليه كل عربي، المسلم
والمسيحي على السواء.
وإننا
نؤمن أن الله في كل مسيرة بناءة يفيض سلامه في قلوبنا، كما قال القديس بولس
الرسول: "فإن سلام الله الذي يفوق كل إدراك يحفظ قلوبكم وأذهانكم في المسيح
يسوع" (فيلبي 4: 7).
الخطر
الداهم المهدد للكيان المسيحي في الأراضي الفلسطينية اليوم هو الهجرة التي تقلص
الأعداد وتغرب العربي عن بلده وأرضه. والهجرة مصدرها عدم الاستقرار السياسي وظلام
المستقبل والتوق إلى سلام ولو في الغربة. ومن ثم صنع السلام في فلسطين وفي المنطقة
بأكملها هو العامل الأول لترسيخ العرب المسيحيين في أوطانهم. واستقرار البلاد وديموقراطيتها
وترتيب العلاقات العامة والخاصة، كل هذا له شأن في هذا الدفع نحو الخارج أو في
الحيلولة دونه.
فالحوار
الإسلامي المسيحي في سبيل عيش مشترك أفضل هو أيضا من العوامل التي تحد من الهجرة.
وهو حوار العيش معا، والبناء معا، ومواجهة التحديات معا، وهو معرفة متبادلة أفضل،
تؤدي إلى قبول للآخر على اختلافه، فلا يبقى في الوطن وفي الحضارة العربية الواحدة
آخر يؤمن إيمانا مختلفا، بل يصبح الآخر وإن اختلف في إيمانه المسيحي أو المسلم أخا
معه يبني ويتقدم ويواجه التحديات ويصمد في وجهها. لقد عشنا معا قرونا وأجيالا
مسلمين ومسيحيين. وها نحن نستمع اليوم إلى جلالتكم ينبهنا إلى ضرورة اتخاذ خطوات
جديدة لتقوية الروابط وترسيخ قاعدة الحضارة الواحدة والدفاع عنها. أمام التحديات
التي تواجهنا مسيحيين ومسلمين، نحن بحاجة إلى تربية جديدة تتثبت المسلم والمسيحي
في إخلاصه لإيمانه وأرضه معا، تؤمن بالمساواة وتعيشها. وفي التربية الجديدة يعرف
المسيحي أن المسلم هو أخوه وموضوع محبته واحترامه، ويعرف المسلم أن المسيحي أخ
وموضوع محبته واحترامه. ويعرف كلاهما معا أن للوطن وللحضارة العربية الإسلامية
عليهم حقًّا، ومن واجبهم الدفاع عنها. ومن ثم لمناهج التربية الدينية الإسلامية
والمسيحية في هذا دور كبير لا يمكن الاستعاضة عنه، كما وللكنيسة والمسجد، ووسائل
الإعلام.
لا
نستطيع في افتتاح هذا اللقاء إلا أن نقدر ونشكر الرؤية الأردنية في التعامل مع
رعاياها، ونذكر بكل تقدير وشكر، الشعار الذي نادى به والدكم الملك الحسين رحمه
الله أن الأسرة الأردنية أسرة واحدة لا تفرق بين أبنائها. ونحن مطمئنون لاستمرار
هذه التجربة التي نعيشها حتى اليوم.
في
فلسطين ما زال الشعب ورئيسه تحت الحصار. وتسمحون لنا يا صاحب الجلالة أن نحيي في
حضرة مقامكم السامي السيد الرئيس ياسر عرفات في الحصار المضروب عليه، ليأخذ الله
بيده ويملأه بقوته ويخرجه والشعب كله والمنطقة كلها من الشدة التي نحن فيها.
نلتقي
في هذا اليوم لنتباحث في البقاء العربي المسيحي. والبقاء العربي المسيحي والمسلم
يُسحَقُ في هذه الأيام في فلسطين. وآلة الحرب الإسرائيلية تتحرك لتسكت شعبا يطالب
بحريته وبسيادته. وبعض العالم تكلم وندد، هذا صحيح. ولكنه حتى اليوم لا يجرؤ أن
يُحِقَّ الحق، وذلك في الأراضي المقدسة حيث يجب أن يَحِقَّ الحق. شعب يطالب بحريته
يعطى حريته، فيَطمئِنُّ ويُطَمْئِنُ، ولا يواجَه بالتدمير والقتل. طرق الأمن للذات
هي الأمن للآخر، وليس العملَ على تدميره، لأن نفس الشعب لا تموت، وتبقى مصدر
تهديدٍ لأمن من اعتدى. والتقينا للتباحث في دور العربي المسيحي في قضايا أمته. هذا
أحد أدواره: أن يُسمِعَ كلمة حق وأن يستصرخ ضمير العالم فلا يبقى متفرجا على ما
يجري في الأراضي المقدسة، يعد القتلى ثم يعوض عن الخسائر المادية. الضمير العربي
المسيحي يقول إن الشعب الفلسطيني المسلم والمسيحي يستحق أن ينال حريته، وإن
الاحتلال للإنسان وللأرض بحسب شرع الله يجب أن ينتهي. وبنهايته تبدأ طمأنينة هذه
الأرض بكل من سكنها. وعلى الناس أن يمتثلوا شرع الله.
العدل
هو الطريق إلى الأمن
في
الأراضي المقدسة ما زالت الدماء تسيل بغزارة، تستصرخ من يوقفها. والعدل هو الذي
يوقفها. والحق العربي والفلسطيني هو الذي يوقفها وهو الذي يزيل العذر الذي يحاول
أن يبرر استمرار سفك الدماء أي الأمن الإسرائيلي. لأن الأمن الإسرائيلي له باب
واحد وسياج واحد. لا هو في الأسلحة ولا هو في تأييد العالم له. بل هو في العدل إذا
تحقق، وإذا المظالم توقفت. فتصير القلوب الصديقة، وهي فقط،
باب الأمن وسياجه المنيع.
مهمة
الكنيسة الدفاع عن الحق
إن
مهمتنا ككنائس مسيحية هي أن نقف إلى جانب كل مظلوم وفقير، إلى جانب كل مظلوم يطالب
بأرضه وحريته، لنكون صوتا وحمى له، مهما طالت المحنة وتنوعت. ومهمتنا أن نطلب
الأمن والسلام للجميع. وأن نبقي الأمل حيا في نفوس الناس حتى يحق الحق. وحتى يتم ذلك
كله، نضع رجاءنا في الله سبحانه وتعالى، ذاكرين ما قاله الرسول: "ليغمركم إله
الرجاء بالفرح والسلام في الإيمان لتفيض نفوسكم رجاء في الروح القدس" (روما
15: 13).
وقد
اختتم كلمته بهذا الدعاء: وإننا نسأل الله أن يسدد خطانا مسيحيين ومسلمين، لنستمر
في بناء أرضنا وحضارتنا العربية. نسأله تعالى أن يأخذ بيدنا ويسدد خطانا إلى كل
خير وصلاح. "وليكن سلام الله معنا أجمعين"
أعتقد
بأن هذا الخطاب الشامل يمكن أن يكون قاعدة صلبة لتفكير أعمق في هويتنا المسيحية
وعلاقتنا مع أخوتنا المسلمين وتفاعلنا مع قضايا مجتمعنا وأمتنا بحيث نلعب دوراً
بارزاً في صنع حاضرنا ونساهم في بناء مستقبلنا يداً بيد.