|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
طريق
آلام الشعب الفلسطيني الأحد
24/3/2002
لا بد للزائر لمدينة
القدس من السير في درب الآلام المشهورة التي سار عليها السيد المسيح قبل ألفي سنة
حاملاً صليبه. وهذه الدرب الصاعدة تحكي رواية أحداث الساعات الأخيرة من حياة يسوع
عبر مراحلها الأربعة عشرة التي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا شاهدة على ظلم
الإنسان لأخيه الإنسان مسطرة ملحمة الحب الإلهي لرفع الظلم وخلاص الجنس البشري من
العبودية.
وفي التقليد المسيحي
يقوم المسيحيون بإحياء ذكرى هذه المراحل بصلوات خاصة تقام كل يوم جمعة من الزمن
الأربعيني سواء في مدينة القدس في الأماكن ذاتها أو في الكنائس المختلفة عبر
العالم بتصوير هذه الأحداث بلوحات تعلق داخلها.
أما في بلادنا، وخاصة
في الظروف الحالية التي تشبه درب الآلام في رواية حية مستمرة نعيش أحداثها
المأساوية كل يوم، لذلك ابتكرت مخيلة الكثيرين من الكهنة طرقاً ابداعية جديدة
للاحتفال بهذه المراحل: فهذا زميلي الأب إياد طوال كاهن رعية بيرزيت قد احتفل بهذه
المراحل خارج الكنيسة منتقلاً مع جمهور المصلين من بيت إلى بيت ومن عائلة إلى
عائلة لأنه يرى بأن في كل بيت حكاية ألم وأن كل عائلة مرت بخبرة صليب، فالقيام
بهذه الصلوات في البيت يحول كل المدينة إلى جلجلة كبيرة ترتفع عليها صلبان كثيرة
تذكرنا بآلام المسيح وبآلامنا بموته وموتنا بانتظار قيامتنا على مثال قيامته.
أما كاهن رعية بيت لحم
الأب أمجد صبارة فقد وجد أن ساحات وشوارع مؤسسات بيت لحم هي خير مسرح لدرب آلام من
نوع آخر كانت حلقاته الأخيرة عندما تم اجتياح المدينة وما نتج عن ذلك من دمار
وخراب، لذلك فقد رأي بأن يبدأ درب الصليب من موقع المقاطعة المهدوم مروراً ببعض
البيوت المدمرة وصولاً إلى مستشفى العائلة المقدسة الذي قصف تمثال العذراء فوق
كنيسته ثم جامعة بيت لحم التي ضربت بالصواريخ وصولاً إلى مدرسة راهبات مار يوسف
التي طالتها القذائف. حقاً لقد تحولت مدينة مهد أمير السلام إلى جلجلة كبيرة أيضاً
وهذا ليس بغريب فمذود مغارة الميلاد الفقير كان التحضير المسبق لخشبة الصليب فوق
جلجلة القدس.
كل هذه الخبرات تقودني
إلى نص انجليزي وصلني مؤخراً من مركز وئام لفت إنتباهي كثيراً لأنه يشبه بين خبرة
الشعب الفلسطيني ومراحل درب الآلام الأربعة عشر، ورأيت أن أنقله لكم مع بعض
التعديل لأجعله مطابقأ تماماً للرواية الإنجيلية مضيفاً عليه مرحلة خامسة عشرة لا
بد منها عنوانها القيامة لأني أومن بأن الكلمة الأخيرة ليس للموت بل للحياة وليست
للاحتلال بل للحرية.
حكم بيلاطس على يسوع
بالموت على الصليب وهو بري، واليوم يحكم على الشعب الفلسطيني بشتى أنواع الموت
ويتهم بالإرهاب وهو البريء الذي يدافع عن حقه بالحياة والكرامة والحرية. اليوم
يحكم على الضحية بالموت بينما يصفق للجلاد!
حمل يسوع صليبه الثقيل
في شوارع القدس وسار نحو الجلجلة، واليوم يسير الشعب الفلسطيني على آثار يسوع
ويحمل الصليب مثله ووراءه، فلكل واحد منا صليبه ولا بد من حمله لكي يشارك شعبه في
آلامه لكي يكون مستحقاً للمشاركة في حريته واستقلاله وقيامته ومجده.
وقع يسوع تحت الصليب
للمرة الأولى، ووقع شعبنا عام 1948 في النكبة فأصبح ضحية ظلم تاريخي فهدمت أكثر من
380 قرية وشرد أكثر من 750 ألف فلسطيني أصبحوا لاجئين في أرض الشتات يعيشون في 66
مخيم، كما احتلت 78% من أرض فلسطين التاريخية.
قابل يسوع أمه في درب
آلامه احتضنته وعزته وشدت من أزره، التقى بها بين الجماهير الغفيرة التي أتت لتنظر
بؤسه، والشعب الفلسطيني التقى بأمته العربية في درب آلامه في مخيمات الشتات
احتضنته لاجئاً ولكن ما زالت تنظر إلى بؤسه ولم تستطع نجدته منذ 54 عاماً.
ساعد سمعان القيرواني
يسوع على حمل الصليب، ولا يمكن أن ننكر بأن بعض الدول حملت معنا الصليب مثل الأردن
ولبنان وسوريا وتونس والعراق، فإن يد العون تخفف الحمل ولمسة الحنان تمسح الدموع
وتضمد الجروح.
مسحت القديسة فيرونيكا
وجه يسوع بمنديل وأزالت عنه العرق الممزوج بالدم وخففت من جروحه وآلامه، ولا
نستطيع أن ننكر بأن الكثير من الأصدقاء في جميع أنحاء العالم، من كنائس ومنظمات
أهلية، يحاولون أن يقفوا معنا بأصواتهم النبوية الداعية إلى احقاق الحق.
يزداد ثقل الصليب على
جسد يسوع المنهك فيقع تحته للمرة الثانية، وهذا ما حدث مع الشعب الفلسطيني في حرب
1967 حيث وقع مرة ثانية تحت الاحتلال والنكسة، فاحتل الباقي من الأرض 22% وشرد
المزيد من اللاجئين وبعضهم للمرة الثانية ساروا في طريق الشتات.
التقى يسوع نساء كن
يبكين عليه فقال لهن: "لا تبكين علي بل ابكين على أولادكن"، ونحن
التقينا بالعالم في هيئة الأمم المتحدة لأول مرة عام 1974 حيث طالبنا العالم بأن
يطبقوا قرارات الشرعية الدولية ولا يدعوا غصن الزيتون يسقط من أيدينا.
لم يبق ليسوع حول ولا
قوة لذلك سقط تحت الصليب مرة ثالثة، وكذلك شعبنا فقد سقط للمرة الثالثة في بيروت
عام 1982 وحدثت مذبحة صبرا وشاتيلا وركب البحر من جديد في عباب الشتات وانطلق إلى
أرض بعيدة خارج المدينة.
وصل يسوع إلى جبل
الجلجلة وعري من ثيابه واقترع الجنود عليها ليروا لمن تكون، والشعب الفلسطيني جرد
من أرضه ومياهه بمصادرتها وزرع المستوطنات عليها ولم تسلم حرمة المقدسات.
حان وقت الاعدام وسمر
يسوع على الصليب ورفع عليه وسقي خلاً ممزوجاً بمرارة، وكم من مرة صلب الشعب
الفسطيني في المعتقلات، خلال الإنتفاضة الأولى والانتفاضة الحالية، كم من الجرحى
يحملون آثار جراحهم طوال حياتهم شهادة على نضالهم، وكم من الأمهات تجرعن مرارة
العلقم على أولادهن!
اعتلى يسوع صليبه
شامخاً وفي اللحظة الأخيرة صاح بأعلى صوته "يا رب بين يديك أستودع روحي"
فحنى رأسه وأسلم الروح. الشهداء بالمئات، البيوت المدمرة بالآلاف، الأشجار
المقلوعة وأشجار الزيتون المقطوعة، الحصار والاغلاق... أليس هذا كله موت بطيء لشعب
بأكمله يعيش في سجن كبير!
أنزل يسوع عن الصليب
ووضع في حضن أمه مريم، كم من أمهات احتضن أبناءهن الشهداء!؟ إن مريم العذراء هي
تجسيد أصيل لكثير من المريمات والأمهات الفلسطينيات اللواتي يعطين الحياة مرتين:
الأولى عندما يولدن أبناءهين للحياة والثانية عندما يقدمن أبناءهن شهداء.
دفن يسوع في قبر جديد
محفور في الصخر ودحرج على بابه حجر كبير وختم بالشمع الأحمر وأقيمت عليه حراسة
مشددة. واليوم قبور الشهداء مزروعة في كل مدينة وقرية ومخيم وفوقها نخلة الشهادة
تحرسها عيون الأباء والأمهات والاخوة والأخوات وتحيطيها العيون الدامعة والقلوب
الدامية.
وفي فجر الأحد قام
المسيح حقاً قام، وأصبحنا ننشد بملء أفواهنا "المسيح قام من بين الأموات
ووطيء الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور". هذه هي بشرى الفصح، بشرى
القيامة لشعبنا الفلسطيني بأن درب آلامه الطويلة ستكلل بالنصر الأكيد والقيامة
المجيدة والدولة العتيدة. فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر!