|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الـفـصــح
والـصـفـــح الأحد 31/3/2002
تستغربون أني أتحدث عن
الصفح والغفران ونحن نتعرض للصفع والعدوان بشتى الأشكال والألوان، وتقولون: هل
تعيد علينا تعليم السيد المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له
الأيسر"؟ وهل هذا التعليم ينفع ونحن نضرب ليس فقط على الخد الأيمن بل في كل
مكان؟ ومع ذلك أصر وأقول: بأن أساس البلى هو الكبرياء وعدم القدرة على التسامح.
وهذا ما يخيفني في هذه الأيام أكثر من الدمار المادي فإني أخشى من الدمار الإنساني
الذي ينخر النفوس ويملآها بالحقد والبغض. يمكننا أن نعمر ما يهدم من ممتلكات ولكننا
سنحتاج إلى أجيال لنبني ما يدمر في القلوب.
ولكنك تصل متأخراً فهذه
معادلة أكل عليها الدهر وشرب وتنفع في مكان آخر وزمان آخر مع إنسان مختلف؟ كما أن
الأمر مستحيل في الظروف الحالية ومع الحكومة الحالية لأنها لا تعرف معنى الرحمة
والغفران ولا تعرف سوى لغة القتل والعدوان؟ ومع ذلك أصر وأقول بأن لا حل غير هذا
في نهاية المطاف لأن سير الأحداث يثبت بأن الاستمرار في نفس النهج يؤدي إلى الهلال
لأننا أمام صراع ارادات قبل أن نكون أمام صراع قوات عسكرية: فالإرادة الفلسطينية
لن تنكسر بسبب ايمانها بعدالة قضيتها رغم ضعف امكانياتها العسكرية، والإرادة
الإسرائيلية لن تنكسر بسهولة خوفاً على كبريائها بسبب قوة آلتها العسكرية، إذن نحن
أمام قوة الحق وطغيان القوة، أمام كرامة شعب يطالب بالحرية وقوة جيش بجبروته
العسكري، والمعركة مستمرة ومتصاعدة تكبر وتتوسع يوماً بعد يوم ككرة الثلج وتتدحرج مخلفة
الدمار والدماء في دائرة عنف جهنمية مفرغة.
أعرف بأن هذا صعب لا بل
مستحيل من الناحية البشرية، ولكنه ليس مستحيلاً من الناحية اللاهوتية والروحية إذ
أننا ونحن نحتفل بعيد الفصح فإننا نجد في سيدنا يسوع المسيح قدوة حسنة في هذا
المجال إذ أنه علم الصفح وعمل به: ففي خطبته الشهيرة على الجبل علم محبة الأعداء:
"أحبوا أعداءكم وصلوا من أجل مبغضيكم واغفروا للذين يسيئون إليكم" ويأتي
هذا الكلام ليس من باب الضعف والخنوع أو الخوف من العدو وجبروته ولا من باب
التنازل عن الحق بل من باب اتقاء شره من جهة وتحويله إلى خير من جهة أخرى بحيث
يتحول العدو إلأى صديق إذ يكتشف شره ويرجع إلى إنسانيته التي يفقدها بسبب ظلمه
وعدوانه، فإنك عندما تحب عدوك كأنك ترمي الجمر في حضنه وترشق ماء باردة في وجهه.
وأما الموقف الأعظم من هذا التعليم فكان على قمة الجلجلة وفوق الصليب بالذات، فقد
صلى يسوع لصالبيه: "يا أبتي اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون". وهذا
هو معنى الفصح الحقيقي، أن يسوع جاء ليغفر للبشرية خطاياها وذنوبها وينقذها من
شرورها وعثراتها، غير مستعمل لغة القوة بل قوة الضعف ولا حاملاً الحديد والنار
والسلاح بل قوة المحبة التي تغلب وتستر جماً من الخطايا. وبذلك حول الضعف إلى قوة
والموت إلى حياة وظلمة القبر إلى نور قيامة.
إلى أين تريد أن تصل في
هذا الهذيان، أنت في واد ونحن في واد؟ أعرف هذا ولكن هنا بيت القصيد ومربط الفرس:
إن الصراع الدائر من عقود لن يحل بالقوة والعنف والدمار والدماء بل بقوة الصفح
والغفران والمصالحة، هذا هو الفصح الحقيقي لكلا الشعبين، فالفصح يعني العبور
والانعتاق والحرية، لذا فإن طريق الفصح لا يمكن إلا أن تمر بالصفح إذا أردنا أن
تؤدي إلى القيامة والحرية، وأنا أعني ما أقول: فبعد استعمال كل أنواع السلاح وأعتى
أشكال القوة سيأتي وقت تضع فيه الحرب أوزارها ويرجع العقلاء إلى رشدهم ومن ثم إلى
طاولة المفاوضات وتناقش كافة الخيارات والاشكالات وسيتوصل الطرفان إلى حل يقوم على
الحق والعدل والشرعية الدولية يعطي كل ذي حق حقه، وحتى لو توصلنا إلى ذلك أيضاً
فإن الأمر لن يكون نهائياً إلا إذا تمت ليس فقط المصافحة بين الرؤساء والحكام بل
المصالحة بين الشعوب، ليس إذا تم التوقيع على اتفاقيات على الورق بل إذا تمت في
قلوب الشعوب. فعندما أدعو إلى الصفح والغفران فإني أتبنى أقصر الطرق للوصول إلى
االسلام الشامل والعدل الحتمي بدلاً من اللف والدوران في متاهات القوة ولغة العنف.
إن هذه المعادلة تذكرنا
بأصول عيد الفصح اليهودي والذي كان صرخة حرية قالها موسى في وجه فرعون: "اترك
شعبي يرحل" وبهذا خلص الرب الشعب اليهودي من عبودية مصر عبر الصحراء حيث
تاهوا مدة أربعين سنة حتى وصلوا إلى أرض الميعاد أي أرض الحرية. وأما المعنى المسيحي
للفصح فيتمثل بذبيحة دموية تمت على الصليب إذ قدم السيد المسيح ابن الله الوحيد
ذاته ضحية فداء عن البشرية لكي يعتقها من نير العصيان والخطيئة، وكان الصليب خشبة
الخلاص التي امتدت بين السماء والأرض، بين الله والإنسان وكان المسيح الجسر الذي
نمر عليه إلى الله ونتنعم بفرح السماء بعدما كانت أبوابها مغلقة في وجوهنا بعد
خطيئة آدم وحواء وعصيانهما أوامر الله في بداية الخليقة. وقد تمت هذه المصالح بين
الله والبشرية عن طريق السيد المسيح الذي أصبح فحصنا وصلحنا، وقد أوكل إلى الكنيسة
اليوم رسالة المصالحة هذه فأصبحنا سفراء لله بين البشر، لهذا فإننا اليوم ونحن
نحتفل بعيد الفصح الذي تحول إلى عيد القيامة، فإننا ندعو إلى المصالحة بين شعبينا
على أساس العدل والشرعية الدولية، ندعو إلى الأمن والحرية لكلا الطرفين، ندعو إلى
قيامة الشعب الفلسطيني من نير عبودية الاحتلال وحرابه، ندعو إلى سلام بين الأديان
السماوية التي تعيش في الأرض المقدسة، ندعو إلى استعمال لغة الحوار والتفاوض بدلاً
من لغة السلاح والدمار، ندعو إلى أنهاء جميع أشكال العنف التي تشوه صورة الإنسان
وكرامته وتهين مشيئة الله الذي خلقه على صورته، بكلمة واحد ندعو إلى المصالحة الشاملة
والكاملة.
إننا مع موسى نصرخ في
وجه فرعون الجديد "اترك شعبي يعيش" ونطالب برحيل الاحتلال، إننا مع موسى
نشد الرحال إلى أرض الميعاد وكلنا ثقة بأنه مهما طالت رحلة شتاتنا وعذابنا سنصل
إلى الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وإننا مع السيد المسيح على الصليب ننادي "إلهي
إلهي لماذا تركتني" ونناشد امتنا العربية والمجتمع الدولي بأن لا يتركوا
شعبينا يتناحرا بل يسرعا لنجدتهما ويرشدوهما إلى طريق السلام، إننا مع كنائسنا في
العالم نقف أمام صليب السيد المسيح ونستلهم منه الصبر والقوة وكلنا يقين بأن كلمة
الأخيرة ليست للموت بل للحياة وليست للقبر بل للقيامة، إننا مع مؤمنينا نبشر شعبنا
بأن فجر الحرية والاستقلال والقيامة على قاب قوسين أو أدنى وأن اليوم السابع على
الأبواب يوم الراحة والهدوء، واليوم الأول لمستقبل مشرق نعيش فيه بكرامة وحرية
كباقي شعوب العالم.
نأمل بأن يكون فصحه
فصحنا وقيامته قيامتنا.
الأب رائــد عــوض أبــو ساحلية