SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

فرعون ونيرون وشارون... وعبر من التاريخ!       الأحد 14/4/2002

 

في بداية الانتفاضة الحالية كتب يوسي سريد مقالاً نشر في جريدة القدس شبه فيه السيد شارون بنيرون ولم يكن بعد رئيساً للوزراء، وجاء ذلك التشبيه لأن شارون أشعل فتيل الإنتفاضة بعيد زيارته الاستفزازية للمسجد الأقصى، وكان التشبيه بليغاً لأن نيرون كان قد أشعل النيران في روما وأحرقها لكي يكتب الشعر وهو يتأمل منظر اللهيب الشاعري ويعزف على القيثارة ألحاناً ملهمة من صراخ البشر الذين تبتلعهم نوبة جنونه.

 

كنت في تلك الأيام قد كتبت مقالاً بعنوان "شارون ونيرون" ولكني لم أتجرأ على نشره حينذاك من باب الحيطة والحذر ولكني أعود اليوم إلى درج مكتبي وأخرجه من جديد للنشر مع بعض التعديلات الطفيفة ليواكب الأحداث التي أثبتت لي بما لا يدع مجالاً للشك بأن هذه التشبيه أكيد، فكلاهما مصاب بجنون العظمة: فنيرون القرن الحادي والعشرين بزيارته الاستفزازية للحرم الشريف وبحربه الحالية واحتلاله للمدن والقرن والمخيمات الفلسطينية فإنه أشعل ناراً لم تطفأ بعد، وقودها الشهداء وعظام الأطفال وجماجمهم وصدورهم العارية التي تمزقها بنادق الاحتلال. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أبدعت مخيلته صنوفاً جديدة من التنكيل والتعذيب طالت الأخضر واليابس ودمرت الحجر والشجر والبشر، من هدم للبيوت وتجريف للممتلكات والأراضي الزراعية وقطع للأشجار، واغلاق للمدن وتقطيع للأوصال بالإضافة للحرمان من أبسط أشكال حقوق الإنسان من ماء وكهرباء وغذاء ودواء، والقائمة طويلة جداً تحتاج إلى توثيق ليحفظها التاريخ في سجل من العار لتشهد على هذا الدمار، كما يجب أن تسجل بطولات المقاومة بحروف من ذهب لكي تخلد التضحية والبطولة والانتصار.

 

وكان الإمبراطور نيرون قد ألقى اللوم في حرق روما على المسيحيين واتهمهم بالتآمر على الامبراطورية الرومانية فقاد آلاف المسيحيين إلى "السيرك" ليكونوا طعاماً للأسود الجائعة ولعبة في أيدي المصارعين وصنع من أجسادهم المعلقة على الأعمدة والصلبان مشاعل ليضيء بها عتمة "الكولسيوم" الذي ما زال قائماً في قلب روما  شاهداً على استشهاد ملايين المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى حيث كانت المسيحية ديانة ممنوعة ومطاردة تعيش في السراديب إلى أن رأت النور على عهد الإمبراطور قسطنطين عام 313 عندما منحهم الحرية الدينية. كان المسيحيون يسامون بجميع أنواع العذابات التي لا يمكن أن يتخيلها العقل، ولكنهم كانوا يتقدمون إلى الموت بشجاعة نادرة وهم يرنمون الأناشيد الدينية التي كانت توحد قلوبهم ويملأها بالقين بأن "دماء الشهداء بذار المسيحية".

 

وبعد ألفي سنة تتكرر المأساة: فشارون وحكومته وجنوده يسفكون دماء الشهداء ويدمرون البلاد والعباد ويلقون اللوم على الفلسطينيين ويجرؤن على القول بأنهم لا يتحملون المسؤولية عما يحدث فهم يدافعون عن أنفسهم ويحافظون على أمن جنودهم ومستوطنيهم ودولتهم. يستعملون آلات الحرب الحديثة والفتاكة في وجه الأطفال والشيوخ والنساء ويقولون بأنهم يؤمنون بالتعايش بين الشعبين وبضرورة التوصل إلى سلام شامل وانهاء الصراع، وبودنا أن نصدق هذه الادعاءات!

 

وفي المقابل نرى مشاهد التضحية والبطولة والشهادة التي يسطرها أبناء الشعب الفلسطيني. والسبب بسيط: هو الإيمان بالحتميات التاريخية التي تقول بأن الظلم لا يمكن أن يستمر وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه. وأنا هنا لا أمجد العنف على الإطلاق ولكني أقرأ التاريخ كما يحدث فإن العنف يولد العنف والظلم والقهر والاحتلال يولد الانتقام، كما أن الشاعر اليهودي المشهور بيالك عبر عن ذلك بوضوح "إن انتقام دم طفل صغير لا يمكن أن يتصوره حتى الشيطان" فصرخة الدم ترتفع أمام عرش الله تطلب العدالة والانصاف واحقاق الحق وابطال الباطل، وبالتالي "فدماء الشهداء بذار الحرية".

 

بدأنا بنيرون ونعود إلى فرعون وهما شخصيتان لعملة واحدة اسمها اليوم شارون: ففرعون يرمز في التاريخ، كما ورد في الكتب المقدسة، إلى رغبة السيطرة على ارادة شعب واستعبادة وانكار حريته. ويدخل موسى على الخط ويطالب بالحرية لشعبه من نير العبودية، ورغم قساوة قلب فرعون فإن الله يعين الشعب على الخروج بيد قديرة. وكلنا يعلم القصة القديمة لأننا تعلمناها منذ نعومة أظفارنا ويعلمها جيداً الشعب اليهودي لأنه يذكرها في كل عيد فصح لا بل فإنها القصة المحورية لهذا الشعب والقوة المعنوية الدافعة لوجوده واستمراره وحتى اقامته دولته المعاصرة أسرائيل. ولكن هذه القصة القديمة هي قصة جديدة متجددة نعيش فصولها وأحداثها اليوم على نفس الأرض ومع نفس الشعب، وكما قال موسى لفرعون يومذاك: "اترك شعبي يرحل" نقول نحن الآن لفرعون اسرائيل: "اترك شعبي يعيش" وإذا كان يعتقد أنه قوي لا يقهر فإننا نقول بأن لا قوي إلا الله ولا كبير إلا الله فهو وحده الأكبر، ونذكر كلام صاحب المزامير: "هؤلاء يتكلون على الجنود والخيول والمركبات أما نحن فعلى الله اتكالنا".  

 

ومنذ البداية ارتفع صوت البطريرك عالياً واضعاً اصبعه علىالجرح  فقد قال في رسالة للمؤمنين "بأن قراءة أولية للأحداث الأليمة والدامية التي نسهدها والتي اندلعت إثر تحدي المشاعر الدينية في الحرم الشريف تدل على شيء واحد، وهو أن الشعب الفلسطيني يطالب بالحياة الكريمة وبالحرية، وسوف تكون له الحياة والحرية عاجلاً أم آجلاً، ونرجو أن يكون ذالك عاجلاً لا آجلاً، لأنه لا يجوز أنيبقى العنف عنوان الحياة في هذه الأرض المقدسة، بل العدل هو عنوانها الوحيد. وحان الوقت لأن يدرك هذا الأمر كل حاكم لهذه البلاد، وأن المقدسات لا تمس ولا يمكن أن تقبل مقايضة أو مساومة. واصطفاف الجنود والدبابات والصواريخ لن يهديء الوضع، بل العدالة هي التي تهدئه. فليس عبثاً تفجر الوضع. هؤلاء الشباب والشيوخ الذين يضحون بدمائهم لا يعتدون على أحد بل يدافعون عن مقدساتهم وعن حريتهم وكرامتهم. الدماء المراقة تصرخ إلى الله تريد العدالة والكرامة".

 

هذا ما قاله غبطة البطريرك وما زال إلى يومنا هذا ساري المفعول لا بل هو مربط الفرس. فقد وصف الداء وقدم الدواء الشافي: الداء هو الاحتلال والدواء هو زواله بايجاد حل سلمي شامل وعادل بأسرع وقت ممكن ومرة واحدة وإلى الأبد، شريطة ألا يبقى حبراً على ورق بل ينفذ بحذافيره على أرض الواقع ضمن جدول زمنى محدد واضح يضمن استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقة المشروعة التي تضمنها له كافة قرارات الشرعية الدولية، وإلا ستكون الحلول التي تتمخض عن أي مفاوضات أنصاف حلول مؤقتة لا تنهي الصراع بل تؤجله لجولات مواجهة أخرى من العنف والدماء. العدالة وحدها هي الحل.

 

 أثبت التاريخ دائماً ما قاله الرئيس الفرنسي جاك شيراك: "لا يمكن اللعب بعواطف الشعوب ومشاعرهم ولا يمكن السيطرة على إرادتهم واخضاعهم". ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فباطل الأباطيل وكل شيء باطل. فحيث فرعون ونيرون اليوم سيكون شارون غداً، وإن كان الشعب مظلوماً اليوم فإنه سينال حريته غداً. وتعلو الحقيقة فوق كل شيء: "أن دماء الشهداء والأبرياء هي بذار الحرية والاستقلال" كما يقول شاعرنا محمود درويش "وسنبلة قمح تموت ستملأ الوادي سنابل".

 

                                                       الأب رائــد عـوض أبو ساحـليـة