SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

للمهـد طـفـل يحميـه     الأحد 21/4/2002

 

كثيراً ما نسمع العبارة "للبيت رب يحميه" والمقصود أصلاً هو البيت الحرام أو بيت الله مسجد كان أم كنيسة. ولكننا نرى في هذه الأيام بأن حرمة المساجد والكنائس تنتهك دون وازع ضمير ديني أو أخلاقي ولا حتى قانوني. والكثيرون يقولون لنا ماذا تفعلون لانقاذ كنيسة المهد من المحاولات المتكررة لانتهاك حرمتها من حصار وقنابل صوتية نهاراً وقنابل مضيئة ليلاً بالاضافة إلى الرصاص والأصوات المزعجة والمراقبة المتواصلة بالكاميرات، ولولا الحياء والدين من جهة والخوف من فضيحة أو مذبحة لهدمت فوق رؤوس الملتجئين إليها. ونحن نعود ونقول: إن الكنيسة مقدسة حقاً لأنها المكان الذي ولد فيه أمير السلام سيدنا يسوع المسيح بالإضافة إلى القيمة التاريخية ومكانتها الخاصة في العبادة المسيحية، ولكننا نقول أيضاً أن الإنسان أهم من الكنيسة فهو مقدس لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله فما دام في كنفها فهو يتمتع بحمايتها ولا يسلم لأحد إلا للحياة والحرية. لذلك فإننا نردد: "للمهد طفل يحميه"!

 

فيوم ميلاده رنمت الملائكة في سماء بيت لحم وبيت ساحور: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس الذين بهم المسرة" وزاره الرعاة يقدمون له الهدايا، ووصل من بعيد للسجود له المجوس حاملين كنوزهم من ذهب ولبان ومر وعندما شعروا بأن حياته معرضة للقتل عادوا إلى بلادهم من طريق أخرى دون المرور بهيرودس الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم عل الطفل يسوع يكون بينهم، ولكن الرب ظهر ليوسف في الحلم وقال له أن يأخذ مريم والطفل لأن هيرودس يطلب قتله، وهكذا هربوا إلى مصر. وارتكب هيرودس مجزرة الأطفال الأبرياء التي مازالت المغاير المتاخمة لمغارة الميلاد شاهدة عليها، وحيث يرقد بسلام ولو لزمن مؤقت رفات الشهيدين الذي سقطا داخل الكنيسة في الأيام الماضية ومنعوا من اخراجهم وتسليمهم لذويهم لدفنهم. إن المأساة تتكرر جيلاً بع جيل ويوما بعد يوم. ولكننا نكرر ونقول: "للمهد رب يحميه"!

 

فعندما اجتاح كسرى الفرس الأرض المقدسة عام 614 فإنه عاث فيها فساداً ودمر معظم كنائسها ولم تسلم حتى كنيسة القيامة في القدس ولكن كنيسة المهد لم يمسها الجند الغزاة لأنهم عندما دخلوها وجدوا على أعمدتها المرمرية صور المجوس فظنوا أن الكنيسة معبد للمجوس فلم يحرقوها ولا هدموها لذلك ما زالت تلك الأعمدة قائمة شامخة شاهدة منذ إنشائها في القرن الرابع الميلادي على يد هيلانة والد الأمبراطور قسطنطين على قداسة المكان لقداسة صاحبه أمير السلام، فالطقل الصغير الفقير الوديع الذي حل في المغارة يحمي المغارة، فللمهد من يحميه!

 

وعندما فتح العرب القدس ودخلها عمر بن الخطاب واستلم مفاتيحها من أسقفها القديس صفرونيوس أعطى أهلها "العهدة العمرية" التي تشهد على التسامح الأسلامي والتعايس مع المسيحين منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. ويقول التاريخ بأن عمر زار بيت لحم وزار كنيستها ولم يسمح للمسلمين بإقامة الصلاة فيها جماعة أو بحضور مؤذن بل فراداً لذلك نرى بأن جامع عمر يقوم اليوم قبالة كنيسة المهد كما يقوم جامع عمر بجانب كنيسة القيامة في القدس. ومع ذلك فإن التاريخ يذكر أيضاً بأن المسلمين كانوا يشاركون في احتفالات عيد الميلاد داخل كنيسة المهد وكان الجميع يعيشون بسلام وذلك لاحترام المسلمون لمكان ميلاد السيد المسيح. فالمهد إذن مكان للاحترام المتبادل والتعايش المشترك، فالطفل بريء لا يعرف المشاكل ولا الخصومات، فللمهد طفل يحميه!

 

ونقفز في التاريخ ليوم 22 آذار 2000، وفي خضم فرحة اليوبيل الكبير لمرور ألفي سنة على ميلاد السيد المسيح، وبعد أن لبست مدينة بيت لحم حلة قشيبة إثر ترميمات مشروع بيت لحم ألفين، فقد غصت ساحة الميلاد بالمؤمنين الذي رحبوا بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي اقام قداساً حبرياً احتفالياً كبيراً، وبعد العظة البليغة التي ألقاها، حان وقت آذان الظهر فساد صمت عميق في الساحة وعندما انتهى المؤذن من اعلان الصلاة ارتفع صوت غبطة البطريرك ميشيل صباح معلقاً بعفوية أمام الجميع: "صلي قداسة البابا فقلنا آمين وأذن سماحة الشيخ ونقول آمين، وهذا خير دليل على وحدة المسيحيين والمسلمين" وعم الساحة تصفيق حاد. وإذا بهذه الكلمات تدخل التاريخ وتعبر عن الواقع وتؤسس للمستقبل، ففي ساحة المهد التي تجتاحها الدبابات يجب أن تصمت كل الأصوات ويرتفع فقط صوت أجراس كنيسة المهد وآذان المسجد فعندما تتعانق الجرسية والمأذنة ترتفع الصلاة مع الآذان كالبخور إلى أعالي السماوات مع جوقات الملائكة، لأن للمهد طفل يحميه!

 

وفي تلك الساحة وفي ذلك القداس قال قداسة البابا كلمات خالدة ما زال يتجاوب صداها عبر التاريخ رغم ضجة الجند والآليات العسكرية والأصوات الجهنمية المزعجة، فقد ردد كلمات الملائكة للرعاة الخائفين: "لا تخافوا، ها إني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله. ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الرب" (لوقا 2: 10- 11). وعلق على هذا بإن الفرح الذي بشر به الملاك ليس أمرا من الماضي. بل هو فرح اليوم – يوم خلاص الله، وهو يوم الأبدية الذي يشمل كل الأزمان، الماضي والحاضر والمستقبل. نحن مدعوون في فجر الألف الجديد إلى أن نرى، وبوضوح، أن الزمان الحاضر له معنى، لأن الأبدية، هنا، دخلت التاريخ، والأبدية باقية فينا دائما. قد توضح كلمات الطوباوي "بيدا" هذه الفكرة حين يقول: "اليوم أيضا، وفي كل يوم وحتى نهاية الدهور، يُحمَلُ بالربِّ في الناصرة، ويُولَدُ في بيت لحم". كلُّ يوم في بيت لحم هو عيدُ ميلاد، ولذلك كلُّ يوم هو عيد ميلاد في قلوب المسيحيين. وكل يوم نحن مدعوون لننادي برسالة بيت لحم في العالم، وهي "بشرى الفرح العظيم": أنَّ كلمةَ الله الأزلي، إله من إله، نور من نور، صار بشرا وسكن بيننا (راجع يوحنا 1: 14).  ما أحوجنا إلى فرح الميلاد المفقود في بيت لحم، ومع ذلك فإن للمهد طفل يحميه!

 

وقد حاول قداسته سبر أغوار سر الله العظيم الذي رضي بأن يصبح طفلاً صغيراً فقيراً ضعيقاً يولد في مغارة حقيرة: "إن الله أخلى ذاته متخذا صورة العبد"، وفي الضعف أتمَّ عمل فدائنا: هذه حقيقة ليس من السهل قبولها. ولد المخلص في الليل، في الظلام، في الصمت وفي فقر المغارة في بيت لحم. قال أشعيا النبي: "الشعب السائر في الظلمة أبصر نورا عظيما، والمقيمون في بقعة الظلام أشرق عليهم نور" (9: 2). هذا مكان عرف نِيرَ الظلم وجبروتَه. كم مرة سُمِعَ صراخُ الأبرياء في هذه الشوارع؟ والكنيسة الكبيرة المبنية على مكان ميلاد المخلص تقف مثل قلعة تلاطمتها صراعات الأجيال. مذود يسوع يُرى دائما في ظل الصليب. الصمت والفقر حول الميلاد في بيت لحم هما مثل  الظلام والألم المحيطين بالموت على الجلجلة. المذود والصليب هما سر واحد، سر الحب الذي يَفدي ويخلص. والجسد الذي وضعته مريم في المذود هو الجسد نفسه الذي قُرِّبَ على الصليب". إذا لا نخافن من الصليب لأنه ظل القيامة كما أن المهد هو منبع الولادة.

 

وأخيراً حل لغز الواقع الذي نعيشه وعبر عن الأمل الذي يملأء قلوبنا بغد مشرق وعهد سلام وأمان بعد الحروب والآلام: "أين إذًا سلطان "المشير العجيب، الإله الجبار رئيس السلام" الذي يتكلم عليه أشعيا النبي؟ وما هو السلطان الذي يتكلم عليه يسوع عندما يقول: "إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض" (متى 28: 18)؟ إن مملكة يسوع "ليست من هذا العالم" (يوحنا 18: 36). إن مملكته ليست استعراض قوى وغنى وفتوحات تحدِّدَ معالمَ التاريخ البشري. بل هو السلطان الذي يهزم الشرير، هو النصر الأخير على الخطيئة والموت. هو السلطان لشفاء الجراحات التي تشوه صورة الخالق في خلائقه. سلطان المسيح هو السلطان الذي يحوِّلُ طبيعتنا الضعيفة ويجعلنا قادرين، بنعمة الروح القدس، أن نكون في سلامٍ كلُّ واحد مع الآخر، وأن نكون في شركة مع الله نفسه. "أما الذين قبلوه، وهم الذين يؤمنون باسمه، فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله" (يوحنا 1: 12). هذه هي رسالة بيت لحم اليوم وإلى الأبد. هذه هي الهبة الخارقة التي حملها إلينا رئيس السلام قبل ألفي سنة". فمتى يفهم حكام هذه البلاد وحكام العالم رسالة بيت لحم هذه رسالة طفل المغارة!؟

 

مع هذه التأملات المتفرقة من وحي ما يحدث حول وداخل كنيسة المهد أنهي حديثي بكلمات فيروز النبوية في أغنيتها الخالدة "زهرة المدائن" إذ تقول: "الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان لأجل من تشردوا من أجل أطفال بلا منازل، واستشهد السلام في أرض السلام وسقط العدل..." ونقول لها لكي لا نستسلم للقنوط والبكاء واليأس: "للمهد طفل يحمه"!

 

                                                        الأب رائـــد عـــوض أبــو سـاحليـة