SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

جـلـجــلـــة بـيــــت لـحــــم     28/4/2002

 

تقع الجلجلة في مدينة القدس وفي قلب كنيسة القيامة، فعليها صلب السيد المسيح ومات ثم أنزل ليوضع في القبر الجديد المحفور في الصخر في البستان المجاور. وتأتي كلمة الجلجلة من الكلمة الآرامية "جلجثة" أي "الجمجمة" لأنها مكان عالٍ بارز يراه جميع المارة كان يقع على مدخل المدينة ويصلب عليه المحكومون بالموت من المجرمين. أما الجلجلة التي أتكلم عنها فتقع في بيت لحم فهي كنيسة المهد التي أصبحث منذ أربعة أسابيع محط أنظار العالم لا بل يمكن أن نتكلم عن بيت لحم كلها التي أصبحت جلجلة كبيرة يصلب عليها آلاف المواطنين المحاصرين الذين يعيشون تحت نظام منع التجول الظالم.

 

واستعمال كلمة جلجلة بالنسبة لبيت لحم ليس من اختراعي بل استعملها قبلي قداسة البابا في كلمته التي وجهها من نافذته المطلة على ساحة القديس بطرس يوم الإثنين الذي يلى عيد الفصح، فقد قال: "إني أطلب منكم اليوم أن تصلوا بالخصوص من أجل بيت لحم المدينة التي ولد فيها يسوع، والتي تمر في هذه اللحظات ساعات عصيبة وتتعرض لخطر داهم. لقد وصلتنا تقارير محزنة عن أجواء عيد الفصح هناك، الذي من المفروض أن يكون عيد سلام، فرح وحياة. إن قداسة البابا قريب جداً من هؤلاء الأخوة والأخوات، وكذلك الكنيسة بأسرها تصلي وتعمل لانهاء جلجلة بيت لحم الأليمة".

 

وبالفعل ففي يوم الإثنين ذاك كانت الدبابات الإسرائيلية تحيط بالمدينة مثل السوار بالمعصم وفي صباح يوم الثلاثاء اجتاحتها بالكامل وبدأت جلجلة المدينة وجلجلة كنيسة المهد منذ الساعات الأولى للاجتياح وما زالت إلى يومنا هذا مخلفة الموت والرعب بسبب سياسة الحصار المحكم للكنيسة أذ أضحى المحتمون فيها من رهبان وراهبات وفبسطينين دون غذاء وماء ودواء وكهرباء، كما أنهم يتعرضون إلى شتى أنواع الترهيب ضمن الحرب النفسية المستمرة ليل نهار دون انقطاع، مما أدى إلى استشهاد قارع أجراسها وأربعة آخرين من الفلسطينيين وجرح العديد منهم بما فيهم راهب أرمني.

 

كما أن دائرة الجلجلة تتسع فتشمل بالدرجة الأولى العائلات التي تقطن البيوت المحيطة بالكنيسة من كل الجهات اذ أنهم ومنذ بداية الحصار مفروض عليهم منع تجول كامل ولم يتمكن أحد من توصيل الغذاء والدواء لهم، إنها لمعاناة جسمية غير مسبوقة في تاريخ المدينة وغير مقبولة اخلاقياً على الاطلاق. وتتسع الدائرة إلى كافة أبناء المحافظة في مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والدوحة، ومخيمات الدهيشة والعزة وعايدة بالإضافة إلى قرى الخضر وأرطاس وغيرها.. الذين يحظر عليهم التجول ويرفع عنهم فقط لساعات معدودة من يوم لآخر، وبذلك فإن الحياة لأكثر من مائة ألف إنسان مشلولة بالكامل، فلا أشغال ولا مدارس ولا مرافق وخدمات عامة... إن هذه الإجراءات كلها انتهاك واضح وصريح لكل الاتفاقيات الدولية التي تضمن حقوق المدنيين حتى في أوقات الحرب، وهي دليل أكيد على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان دون وزاع أخلاقي أو إنساني أو ديني، ويجعل من "الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان"!

 

 وما انفك قداسة البابا بالدعوة لانهاء حصار الكنيسة يوما بعد يوم فقد أدلى بأكثر من 15 تصريحاً علنياً بالإضافة إلى التحركات الدبلوماسية لسكرتارية دولة الفاتيكان على كافة الأصعدة، وأذكر فقط آخرها على سبيل المثال لا الحصر، إذ قال يوم الأربعاء الماضي وبالحرف الواحد: "إن أفكاري موجهة دائماً إلى كنيسة المهد في بيت لحم حيث الرهبان والعديد من الفلسطينين ما زالوا تحت الحصار الذي مر عليه 22 يوماً. فإن أوضاعهم أصبحت مأساوية مع نقص الماء والغذاء والكهرباء وتزداد سواءً مع انقطاع الاتصالات الهاتفية. إننا نواصل صلاتنا التي نرفعها للرب لإيجاد حل سريع لهذا الوضع غير الإنساني، ولكي يتم التوصل إلىالسلام في تلك المنطقة العزيزة على قلوب كافة المؤمنين". وكان قداسته قد قال يوم الأحد الماضي "يجب أن يوضع حد لحصار الكنيسة لكي تعود إلى مكان صلاة وحج لكافة المؤمنين".

 

وبالفعل فإن هذه الكنيسة، وللإسبوع الرابع على التوالي، ولأول مرة في التاريخ، لم تقم فيها صلاة الأحد، وهذا أيضاً انتهاك واضح وصريح لحق المؤمنين في حرية العبادة وممارسة شعائرهم الدينية في كنائسهم وأماكنهم المقدسة. لذلك لا به من إيجاد حل سريع وسعيد لهذه الأزمة التي أصبحت معضلة دولية. وأقول هذا لأني أصبت بالذهول لمرور ثلاثة أسابيع لكي يجلس الطرفان للحديث عن حل للأزمة، وها هم يجتمعون منذ أسبوع ولم يجدوا هذا الحل بعد، وأنا أتساءل: إذا كانت مسألة بسيطة كهذه تحتاج لكل هذه الأسابيع فما حال المفاوضات عندما تصل إلى مناقشة تفاصيل الحل النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟! كم من السنوات يتطلب الأمر للوصول إلى حلول، وكم من السنوات لتطبيق الاتفاقات؟ وليس الأمر غريباً أن نفهم بأننا أضعنا عشر سنوات منذ بداية مسيرة السلام وما زالنا في درجة الصفر لا بل ما تحت الصفر بدرجات؟! يظهر بأن الدبلوماسية هي فن المناورة وتضييع الوقت كما أن السياسة هي فن المراوغة والتضليل واعلان الحروب والتدمير وسفك الدماء واستعباد الشعوب المغلوب على أمرها لمصلحة حكام لا يعرفون إلا قيمة الحفاظ على الكراسي. لذلك أقولها وبدون تحفظ: لسنا بحاجة إلى دبلوماسية ولا لسياسة، نحن بحاجة للحقيقة ولا شيء غير الحقيقة!

 

اقترح الكثيرون حلولاً عديدة لمعضلة حصار كنيسة المهد، وقد استلمنا مئات الرسائل وآلاف المكالمات الهاتفية التي تعرب عن القلق على المهد وأهله وبيت لحم وسكانها، ومما لفت انتباهي دعوة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني لزيارة المدينة ودخول الكنيسة، وفكرة أخرى تطالب البابا بإرسال موفد شخصي من طرفه للسيد شارون، وفكرة ثالثة تطلب بقرع أجراس الحزن في جميع كنائس العالم يومياً عند الساعة الثانية عشرة ظهراً. واقترح البعض اغلاق جميع الأماكن المقدسة في الأرض المقدسة إلى أن تخرج القوات الإسرائيلية من محيط الكنيسة ومن بيت لحم بكاملها... وفكرة أخرى تدعو مندوب منظمة التحرير في الأمم المتحدة باستصدار قرار من مجلس الأمن بخصوص كنيسة المهد يدعو إلى "التوقف الفوري عن حصار الكنيسة لكي يتمكن رجال الدين والمسيحيين من الصلاة فيها والاحتفال بالشعائر الدينية وخاصة عيد الفصح المجيد للطوائف الشرقية"...

 

كل هذه الأفكار وغيرها تدل على غيرة الجميع وقلقهم حول ما يجري من انتهاكات صارخة... ولكن لا حياة لمن تنادي، إذ أنها ولو طبقت فلن تحقق شيئاً لأنها تتحطم كأمواج البحر أمام عناد وتعنت شخص واحد اسمه شارون لا يخضع لأي قانون دولي على الإطلاق لأنه فوق القانون أو ببساطة يضرب كل القوانين في عرض الحائط غير حاسب حساب لأي إنسان في العالم. ومع ذلك نقولها وبصراحة: إن ما يحدث هو وصمة عارٍ في جبين البشرية تعلق خاصة على صدر الحكومة الإسرائيلية إلى الأبد، فإن التاريخ سيحفظ هذه الصفحات السوداء من الاجراءات القمعية لقوات الاحتلال في كنيسة المهد وبيت لحم وغيرها من المناطق الفلسطينية، وإن كان العالم مصاب بقصر النظر وفقدان الذاكرة فإن التاريخ لا يرحم إذ أن لا شيء يضيع هدراً. ونقول أيضاً لشارون: إن كنت تعتقد بأنك سيد العالم لأنك تملك قوة الجيوش الجرارة وتريد أن تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فاعلم بأن الله أكبر وأقوى وأقدر، كما أن أبواب المهد صغيرة ضيقة قصيرة لا يمكن أن يدخلها جيشك بدباباتك.. والأفضل أن تتعلم من طفل المغارة درساً في التواضع والبراءة وتعلم بأن ما كان واقفاً فليحذر من السقوط، فسيكون سقوطه عظيماً!

 

وأما اخوتي المحاصرين الصابرين الصامدين في كنيسة المهد ومدينة بيت لحم، فإن أقول لهم: اعلموا بأن الجلجلة في ايماننا المسيحي لا تؤدي إلى الموت بل إلى الحياة كما أن ظلمة الليل تتبدد بضياء فجر يوم جديد وإشراقة شمس بهية. وتذكروا ما قاله قداسة البابا في بيت لحم ذاتها: "مذود يسوع يُرى دائما في ظل الصليب. الصمت والفقر حول الميلاد في بيت لحم هما مثل الظلام والألم المحيطين بالموت على الجلجلة. المذود والصليب هما سر واحد، سر الحب الذي يَفدي ويخلص. والجسد الذي وضعته مريم في المذود هو الجسد نفسه الذي قُرِّبَ على الصليب". إذن لا نخافن من الصليب لأنه ظل القيامة كما أن المهد هو منبع الولادة؛ وإن كان المخاض مؤلماً عصيباً فإنه يؤدي إلى ولادة حياة جديدة. فنحن في موعد مع الفجر والحياة، مع القيامة والحرية!

                                           

الأب رائـــد عـــوض أبــو ســاحليــــة