|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الشروط
الأساسية لنجاح المقاومة اللاعنفية
الأحد 12/5/2002
قلنا مراراً وتكراراً
بأن العنف يولد العنف والدماء تنادي الدماء والحلقة المفرغة مستمرة والحبل على
الجرار. وها نحن نحصد ما زرعنا من دمار ودموع ودماء. يا جماعة نحن لا ننادي
بالخنوع، لا نطالب بالاستسلام ولا حتى وقوف المقاومة، بالعكس نطالب باستمرارها
ولكن بتغيير الاتجاه وتبني استراتيجية مختلفة تؤدي إلى نفس الهدف النهائي بطرق
أخرى أكثر فعالية وأقل دموية، انطلاقاً من مبدأ المثل "هل تريد العنب أم أن
تقاتل الناطور!" نحن نريد العنب، الحرية، الاستقلال، انهاء الاحتلال، استعادة
الأرض، تحرير الشعب، بناء الدولة، كل هذا صحيح وشرعي ولا أحد يعارضه على الاطلاق
فهو جزء من الحق المبني على قواعد الشرعية الدولية.
لقد تحدثنا مراراً عن
استراتيجية غصن الزيتون للمقاومة السلمية لاستمرار الانتفاضة الحالية، وقد حان
الوقت الآن لأخذ القرار بتبني هذا النهج الجديد، ولكن ما هي الشروط الأساسية لنجاح
هذه المقاومة السلمية؟
1- التربية أو العقلية:
لا شك بأن اللاعنف سلاح
صعب لأنه يقوم بالأساس على ضبط النفس أمام العنف والظلم واتخاذ الوسائل السلمية
للمقاومة كاستراتيجية مبدئية انطلاقاً من الايمان بعدالة القضية التي يناضل المرء
من أجلها وفقاً للشرعية الدولية. فرد الفعل الطبيعي والأولي أن يقابل الإنسان
العنف بالعنف انطلاقاً من المبدأ "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"،
رغم يقيننا وإيماننا بقول المسيح: "أرجع السيف إلى غمده فما أخذ بالسيف بالسيف
يؤخذ" بمعنى أن "من يزرع الريح يحصد العاصفة" أو بمعنى آخر
"لا تدع الشر يغلبك بل اغلب الشر بالخير". ولكن عند اختلال ميزان القوة
العسكرية فإن استخدام قوة أقل يؤدي إلى استقواء الجانب القوي والمتفوق على الضعيف
والحاق أكبر قدر من الخسائر في جانبه لاضعافة وتلقينه درساً بأنه لا يستطيع أن
يهزم جيشاً جراراً مسلحاً بأحدث التقنيات الحربية ارتكازاً على قاعدة "مقابلة
الصاع بصاعين". من هنا يجب تحييد القوة العسكرية واللجوء إلى قوة من نوع آخر
وهي قوة الشعب وقوة الحقيقة وقوة المحبة، وهذه القوى لا تهزم حتى أمام اعتى الجيوش
لأنها ببساطة تقوم باصابة القوة المادية بالشلل بقوة أعظم هي قوة روحية وأخلاقية.
ولكن هذه المباديء
بحاجة إلى تربية وإلى عقلية، وأعني بذلك تدريباً ايدويولوجياً للشعب ابتداء من
القاعدة صعوداً إلى القمة انطلاقاً بالصغار وصولاً إلى الكبار بحيث يصبح هذا التفكير
نهج حياة ويتخذ هذه الطريق كخيار استراتيجي جذري وحيد للمقاومة. وقد تلعب في تدعيم
هذا الفكر القيم الدينية والأخلاقية الإيجابية في الديانات السماوية من جهة ودراسة
نماذج مماثلة في المقاومة استخدمت عبر التاريخ. بطبيعة الحال إن الأمر لا يمكن أن
يحدث في ليلة وضحاها ولا يمكن التحول إليه بسرعة البرق ولكنه بحاجة إلى وقت وتمرين
ومناهج دراسية ومعسكرات تدريب وتعبئة جماهيرية، ولكن يمكن على الأقل تبنيه من حيث
المبدأ والتوجه نحو تحقيق ما يمكن تحقيقه بالسرعة الممكنة، وهذا بحد ذاته انجاز
عظيم لشعب عرف أن يناضل بالحديد والنار وسيعرف أن يكمل النضال بالروح والحق!
2- القيادة
الكاريزماتية أو الموهوبة:
إن الأشجار الشامخة لا
تبدأ بالثمار والأغصان ولكنها تبدأ من البذور والجذور ثم تنمو وتكبر وتعطي الثمار،
وكذلك الأفكار فهي تبدأ من القاعدة ومن الحاجة طبقاً للمبدأ "الحاجة أم الاختراع".
إن بذار السلام موجودة في كل النفوس وهي بحاجة إلى تنمية وحماية ورعاية، والحاجة
الى تبني النهج السلمي في المقاومة في نمو متزايد لأن الجميع يشعر بخيبة الأمل من
الخسائر والدمار في الممتلكات والأرواح مع تحقيق نتائج ضيئلة حتى أن البعض قد يصل
إلى الاحباط وفقدان الأمل والعجز عن العمل بحيث يقول هل نحن نتقدم إلى الأمام أم
نتأخر ونتراجع إلى الوراء؟
ولذلك أقول وبصراحة بأن
وجود قيادة كاريزماتية تجمع حولها ذوي النوايا الحسنة وتعيد تنظيم الأمور يمكن أن
تنجح في استقطاب الكثير لا بل حشد الجماهير. فنحن بحاجة إلى غاندي فلسطيني أمثال
الزعيم الهندي المهاتما غاندي أو الزعيم الأمريكي الأسود القس مارتن لوثر كينغ
والزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا. لقد كان عندنا مبارك عوض مؤسس المركز
الفلسطيني لدراسات اللاعنف وكان فاعلاً في الانتفاضة الأولى وزرع بذور حركة
لاعنفية نشيطة ولكنه أبعد إلى أمريكا بعد أن سجن، وكان لدينا الشهيد فيصل الحسيني
الذي تمتع برصيد نضالي يعود إلى جده ووالده وما اكتسبه من خبرة وحنكة في النضال
الشعبي على الأرض لدرجة أنه أصبح عنواناً للقدس وقد فقدته المدينة وفقدناه تاركاً
فراغاً لا يعوض.
والآن نحن ننتظر هذا
الزعيم الذي ينبغي أن يتمتع بكل صفات القيادة التاريخية والذاتية، وبما أنه لم
يظهر بعد على الساحة الفلسطينية ويمكن أن لا يظهر في المستقبل القريب فإني أرى بأن
تتحول القيادة الحالية بزعامة الرئيس ياسر عرفات وتقوم بهذا الاختيار التاريخي
بتحويل المقاومة إلى الوسائل السلمية اللاعنفية فقط لدرجة التخلي عن السلاح وحتى
الاعلان عن اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح بالأساس. وأسباب هذا الطرح ليس فقط
الحاجة والاختراع بل توفر الرصيد النضالي والتاريخي والتأييد الشعبي والدولي له إذ
أنه حاصل على جائزة نوبل للسلام، مما يمنح الرئيس عرفات الأهلية والإمكانية لقيادة
الجماهير في طريق جديدة مختلفة شريطة اجراء التعديل اللازم واتخاذ الخطوات الكفيلة
بهذه الاستراتيجية الجديدة. لو كنت مكان القيادة الفلسطينية الحالية لدعوت السيد
نيلسون مانديلا وغيره من الأخصائيين في مجال اللاعنف لعقد دورات تدريبية في هذا
الفن النضالي الراقي الذي يفوق كل التدريبات العسكرية والحربية!
3- الجماهير أو
المشاركة الشعبية:
إن سر نجاح سلاح
اللاعنف هو قوة الشعب وقوة الجماهير فهي كالنار الآكلة التي لا تطفئها مياه
الطوفان الغامرة. ومن هنا ضرورة تجنيد الجميع في هذا الكفاح صغاراً وكباراً رجالاً
ونساء، بحيث لا يتحمل عبئ الكفاح قلة من الأطفال الذين كان يرمون الحجارة كما كان
في الانتفاضة الأولى أو ثلة من المسلحين الذين يطلقون النار في وجه الدبابات
العسكرية في الانتفاضة الثانية، وتبقى الجماهير الغفيرة تتفرج وتعاني وتتألم وتدفع
الثمن في أرواحها وممتلكاتها نتيجة الانتقام المضاعف من قوات الاحتلال. كما أن هذا
النضال يجب أن لا يقتصر على جماعات ومنظمات السلام المقتنعة بهذا الأسلوب، لهذا
نرى بأن جهودها المشكورة تذهب هباء بعد أي هبة ريح عنف من أي طرف كان، فكم كانت
مظاهرات حاشدة تسير في شوارع تل أبيب تطفيء حماسها وتقضي على فعاليتها عملية
استشهادية واحدة في الشارع المجاور.
إن قوة الشعب تعني نزول
الجميع إلى الشارع وانتقال هذه العدوى إلى شارع العدو وصفوفه باكتساب الأصدقاء
والمناصرين وأن تقطع الحدود المجاورة إلى الدول العربية والإسلامية الشقيقة لا بل
تجاوزها إلى بلدان العالم الصديقة التي تناصر قضيتنا العادلة. إن مشاركة الشعب بكل
فئاته واتجاهاته في جميع مدنه وقراه ومخيماته ستحدث حالة ارباك في الجانب الآخر
وتشل حركة قواته ودبابته وتجعل من أسلحته ألعاب أطفال غير قابلة للاستخدام، وإن تجرأ
على ذلك سيلام ويدان أمام العالم ويقع في فخ وسائل الإعلام. وقد سبق بعض الجنرالات
من تحذير الحكومة الإسرائيلية بأن لجوء الجانب الفلسطيني إلى سلاح اللاعنف
الجماهيري سيشل حركة الجيش لذلك يجب منع الفلسطينين من استخدام هذا السلاح لسبب
بسيط واضح أن لدينا جيش مدرب للحرب والقتال وليس لمواجهة الشعب الأعزال، لذلك فإن
استخدامنا للقوة والعنف والسلاح يعطي ذريعة للجيش الإسرائيلي لتبرير اللجوء إلى
استخدام أقسى درجات القوة بحجة الدفاع عن النفس.
4- الوقت أو
الإستمرارية:
وهذا العنصر ضروري
جداً، فلا يكفي القيام بمظاهرة أو مسيرة أو اعتصام ثم اعلان الافلاس وتحديد موعد
آخر بعد شهور، لا بل يجب التعبئة الجماهيرية مع الاصرار على الثبات والاستمرارية
لتحقيق الأهداف المرحلية أو الاستراتيجية أو النهائية مع العلم بأن الأمر قد
يستغرق وقتاً ويتطلب صبراً. لذلك لا بد أيضاً من الأفكار الإبداعية التي تعتمد على
الرمزية وتنويع أساليب النضال اللاعنفي واستخدام كافة الأسلحة في ساحة المعركة،
وهنا لا بد من دراسة هذه التقنيات المعروفة عبر التاريخ وابتكار أخرى مناسبة
لواقعنا تتكيف مع المتغيرات وتتلاءم مع تطورات الأحداث. المهم في الأمر عدم اليأس
ولا فقدان الهمة واحياء الأمل في القلب بأن من سار على الدرب وصل وما ضاع حق وراءه
مطالب وأن الحق سينتصر في نهاية المطاف مهما طال الانتظار. وأعتقد في هذه المجال
أننا أصبحنا خبراء في الجلد والتحمل والصبر والانتظار، فقد جربنا كل الوسائل منذ
أكثر من قرن وانتظرنا طويلاً فلماذا لا نجرب الآن هذه الوسيلة عالمين وواثقين بأنه
إن لم تنفع عاجلاً في تحقيق الأهداف فإنها لا بد من انتصارها آجلاً، كما أننا إن
لم نحقق كل الأهداف النهائية دفعة واحدة فسنأخذ بالقليل ونطالب بالكثير علماً
بأننا إن لم نربح كل شيء فإننا لن نخسر شيء، لن نخسر كرامتنا، ولن ندمر بيوتنا،
ولن نسفك دماءنا ولن نفقد إنسانيتنا لا بل نرفع رأسنا ونسترجع إنسانيتنا ونعيد
لعدونا إنسانيته ونرجعه إلى رشده.
5- وسائل الإعلام أو
الصحافة:
إذا اعتبرنا أن وسائل
الإعلام الحديثة هي القوة الرابعة في العالم إن لم تكن الأولى، واذا اخذنا
بالحسبان أنها وصلت إلى درجة عالية من الدقة والسرعة والفعالية بحيث تصل إلى كل
الشعوب في كل أقطار العالم والجهات الأربعة من الكرة الأرضية، فإنه يجب استخدامها
بذكاء وحنكة. إن هذا العنصر مهم جداً لأسباب عديدة: إن صورتنا الحالية مشوهة للأسف
الشديد، فبالرغم من النضال البطولي فإننا نوصف بالإرهاب، وبالرغم من عدالة قضيتنا
فإن العالم لا يفهمها لا بل لديه فكرة مغلوطة مقلوبة عنها، وبالرغم من كثرة أموال
البترول فإن العالم العربي لم يؤسس قنوات اعلامية عالمية تغطي على أو تنافس
القدرات الإعلامية الموجهة والمكرسة لخدمة الدعاية اليهودية وبالتالي فإنها مجردة
من الموضوعية لا بل تمتاز بالتحيز الصارخ.
ولا أقول هذا من باب
الدعاية والإعلان، ولا من باب تجميل الصورة أو تقديمها بطريقة مصطنعة، ولكن فقط
تقديم الحقيقة كما هي ومخاطبة العالم بلغة جديدة يفهما بعيداً عن الخطابات الرنانة
والصورة التقليدية، لا بد من خلق الصورة الجديدة المبتكرة المبدعة، آخذين بعين
الاعتبار أن الإعلام هو فن الاثارة والتنويع لتأمين عنصر الجذب، لذلك لا بد من
تجنب التكرار والروتين. إن العالم يتعود على كل شيء حتى على الحرب والموت فيصبح
طبيعاً، فقد مل صور رماة الحجارة، ومل صور مطلقي النار ويمتعض من العمليات
التفجيرية، لقد سئم صورة الجنازات التي رغم قدسيتها وتضحية أصحباها أصبحت تقدم
بطريقة تدل على العنف مع الصرخات العالية والقبضات في الهواء وأصوات طلقات الأسلحة
النارية... إن معركتنا هي معركة اعلامية بالقدر ما هي معركة سياسية فهلا فهمنا لما
للاعلام من أهمية في معركة المقاومة اللاعنفية؟! لا بل هي جزء لا يتجزأ من المعركة
بالذات! فلا بد من مكتب إعلامي وكفاءات متخصصة بالإضافة الى الأموال والتقنية
الحديثة.
هذه المقومات الضرورية
غير متوفرة للأسف في الوقت الحاضر ولكن من الأفضل أن نبدأ الخطوة الأولى قبل أن
يكون الوقت متأخراً جداً لأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.