SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

قلة الحيلة أم انعدام الرؤية أم فقدان الأمل    الأحد 19/5/2002

 

لا أدري لماذا خطر على بالي هذا العنوان الغريب؟ ولكني ببساطة أقول بأن الوضع العام المحيط بنا جميعاً غير واضح على الاطلاق، وأسئلة كثيرة تتزاحم في الأذهان: ماذا حل بنا؟ أين كنا وأين نحن الآن؟ إلىأين نحن متوجهون؟ ماذا بعد كل ما حدث؟ إلى متى يتألم الإنسان ويدفع الثمن دون أن يرى ثمرة ألمه ولا يجني ربحاً لما دفع؟ ما هو الحل؟ ما هي البدائل؟ وغيرها من الأسئلة تدل على الحيرة والقلق والاحباط وقد تصل إلى القنوط واليأس.

 

إن تحليلاً تأملياً متأنياً للحالة الحالية يقودنا إلى إحدى الاحتمالات الثلاث التي وردت في العنوان وكلها أمر من العلقم، سنحللها وسنحاول حلها إذا استطعنا إلى ذلك سبيلاً:

 

قلة الحيلة

 

كلمة الحيلة لا تعني فقط "الخدعة" أو "الاحتيال" ولكن ايضاً "القدرة والطاقة والامكانية" كما نقول "ليس في اليد حيلة" أي أن الموضوع خارج عن سيطرتي وليس بمستطاعي أو قدرتي حله. وهذا بالضبط ما نحن فيه هذه الأيام، والسبب واضح لأن كل المحاولات والوسائل استخدمت في ساحة المعركة ولم تنفع لعناد الطرف الآخر من جهة وعجز الطرف الثاني من جهة أخرى وتقاعس الأطراف الآخرى عن مد يد العون أو المساعدة الضرورية والكافية ليحدث توازن القوى الذي يقوم إما على تساوي القوة العسكرية أو تضافر الجهود السياسية لوقف الطرف المعتدي من الاستمرار في غيه. إن كل هذا أدى إلى حالة من الضعف العام إن لم نقل العجز.

 

إن مثل هذا الوضع خطير إذا ساد القلوب والنفوس وسيطر على الاذهان فإنه يقود إلى الاستسلام للخصم واقناع الذات بعدم جدوى أي جهود لأن "الكف لا تلاطم المخرز" لذلك تتولد عقلية "حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس". ومع ذلك نرى بأن الحالة السائدة لا تنحصر في هذا الموقف فرغم قلة الحيلة فإن المعنويات عالية في النفوس ولو من باب المكابرة ورفض الخنوع، فمن هنا نسمع "لن نركع حتى لو لم يبق فينا طفل يرضع" ونسمع عبارة "يا جبل ما يهزك ريح" بما أننا شعب الجبارين.

 

ولكن الموقف الصحيح الذي يجب أن لا يرضخ للاستسلام ولا أن يلجأ إلى المكابرة وهو موقف الثقة بالذات والايمان بقدرة الشعب على الثبات والصمود والتحدي لما فيه من طاقة كامنة وقوة خفية لو استخدمها بذكاء لتغلب على اعتى القوات مهما كانت مسلحة بالدبابات والصواريخ والمدافع والرشاشات، وهذه القوة تحدثنا عنها مراراً وتكراراً وتتلخص بكلمة "اللاعنف" والتي لم تستخدم جيداً إلى الآن لا بل ما زالت في طي الإهمال والكتمان أو النسيان.

 

انعدام الرؤية

 

بسبب غبار المعركة الذي ما زال متطايراً فقد أصيب الجو العام بالتلوث البيئي والفكري فانعدمت الرؤية السياسية وتلاشى الأفق المستقبلي وأصيب الجميع بقصر النظر لا بل بعمى البصر والبصيرة. لذلك ينتابنا شعور بأننا فقدنا الاتجاه إن لم نفقد الصواب، وتهنا في غياهب المناوشات العسكرية والكلامية من هنا وهناك وأخذنا نتلمس الطريق وإذا بنا في ضياع تام تماماً كالسفينة التي تتلاطمها الأمواج والتي لا يعرف ربانها كيف يتحكم بها أو يوجهها لدرجة أنه بدأ يصدمها بالصخور أو السفن الأخرى وتوشك على التحطم والغرق والهلاك.

إن الوضع يصبح خطيراً جداً عندما نفقد الثوابت الأساسية التي يجب أن تكون واضحة وضوح الشمس فنعرف ماذا نريد ونضع الاستراتيجية لتحقيق هذا الهدف. ففي حالتنا نحن نعرف بأن هناك احتلال يجب أن ينتهي وأن هناك شعب مظلوم يجب أن يستعيد حقوقه وحريته وأرضه وكرامته، والكل يعرف هذا وتقره قرارات الشرعية الدولية، ولكن المشكلة أن الجميع يتخبط في منذ شهور وأعوام وعقود وما زلنا حيث كنا لا بل قد تراجعنا إلى الوراء. إن الأمور بسيطة جداً من الناحية النظرية كما رأينا ولكنها معقدة جداً  من الناحية العملية كما نرى على ارض الواقع.

 

ما هو الحل من هذه الورطة وما هو المخرج من هذا المأزق؟ لا بد من فترة هدوء وراحة ليركد غبار المعركة، لا بد من شيء من الاستقرار والانتظار لكي تصفى الأجواء المشحونة والمكهربة، لا بد من فترة تأمل عميق في الذات ليقف المرء على حقيقة نفسه ويعرف ماذا حدث له ليجد الحلول العقلانية، لا بد من جلوس أصحاب الشأن وذوي الحل والربط حول مائدة الحوار وفتح الباب للأخذ والعطاء في عملية تقييم وتقويم لا بل مراجعة ومحاسبة وإذا اقتضى الأمر إلى المعاقبة. لا بد من أعادة الأمور المعكرة إلى صفائها كما يعود الماء الملوث إلى نقائه بعد أن يركد ولا يكفي الركود بل لا بد من التنقية، كما أن الذهب المخلوط بجميع أنواع الشوائب والمعادن لا ينقى إلا بنار البوتقة فيصهر ليعود إلى بريقه وألقه وتعلو قيمته ويغلو ثمنه. واخيراً لا بد من وضع الجماعة الدولية أمام مسؤولياتها ومطالبتها بتطبيق كل القرارات الصادرة عنها.

 

فقدان الأمل

 

إن فقدان الأمل أخطر من قلة الحيلة وانعدام الرؤية، لأن الحيلة تتعلق بالقدرة المادية، والرؤية مرتبطة بالوسائل الاستراتيجية، أما الأمل فمتعلق بالدافعية الداخلية التي تقوم بعمل "الدينمو" الذي يحرك كل شيء، من هنا القول الصحيح "لولا الأمل لبطل العمل" والقول السائد "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل". والواقع أن ظاهرة فقدان الأمل التي تؤدي إلى الاحباط واليأس موجودة عند الغالبية وحتى في صفوف الشبان الذين لا يرون مستقبلاً لهم في خضم الأحداث التي تتعقد يوماً بعد يوم. وإن هذه الظاهرة مرشحة للازدياد إذا لم تتوفر بوادر الانفراج في الأفق الضبابي لا بل السرابي.

 

إن خطورة فقدان الأمل أنها تقتل الإنسان من الداخل وتجعله يستسلم للواقع بحيث يقبل به ويكتفي بما هو موجود وهذا قتل للطموح، وقد يؤدي أيضاً إلى اللامبالاة بحيث "يبيعها برأسمالها حتى ولو بطلع خسران" كما نقول بالعامية "مثل ما شاحلت لاحت". ويمكن أن يهرب من الواقع بحثاً عن مكان آخر يحقق فيه مستقبله ومن هنا تتفاقم ظاهرة الهجرة "فهذا عالم ليس لنا" فإلى متى نبقى ونصارع دون فائدة. ويمكن أن يقوم المرء بالانغلاق على ذاته ويصاب بأمراض نفسية منها القنوط وقد تأخذ شكل فقدان الشهية للأكل والعمل والخروج من البيت، لا بل يمكن أن تؤدي بصاحبها إلى الاصابة بالجلطة القلبية والدماغية أو انهيار الأعصاب، إن لم تقده إلى الجنون أو الانتحار.

 

بما أن الأمر خطير إلى هذا الحد فما هو العمل؟ يجب أولاً وقبل كل شيء أن نبقي الأمل حياً في قلوبنا ليقيننا بأن قضيتنا عادلة وشريفة كما أن نضالنا شرعي مبني على قرارات الشرعية الدولية، يجب الاستمرار في المحاولة وابتكار كل الوسائل الكفيلة برفع المعنويات ووضع الخصم عند حده وعدم اعطائه الذرائع ليتحجج بالاستمرار في عدوانه. من المفيد أيضاً دراسة التاريخ وأخذ العبرة ممن سبقونا في درب النضال والتحرير ورؤية حتمية الانتصار لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه. يمكن اللجوء إلى الله وطلب العون من السماء فما خاب أمل من رجاه "لأن الرب حصن حياتي فممن أخاف". إذن، تشجع ولا تخف فعلى الله الاتكال!

 

                                                       الأب رائــــد عـــوض أبـو ســاحليــة