|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الإصلاح
والصلاح والمصالح وبعض النصائح
الأحد 26/5/2002
يحاول الكل أن يستخلص العبر مما حدث، ويجري الجميع مراجعة حسابات وكأننا في
عملية فحص ضمير جماعي، وهذا واجب وحق وعدل، فلا بد من التقييم إذا أردنا أن يتم
التقويم. فإن الشعب الفلسطيني، لأنه تألم لدرجة كبيرة وخلال عقود كثيرة، فإنه
يستحق أحسن نظام وأفضل سلطة ليتنعم أخيراً بالأمان والاطمئنان، ولا يقبل أبداً أن
يكتفي بالقليل بعد نضاله الطويل، ولا يسمح أن يكون كياناً هزيلاً يشبه الكيانات
العربية المحيطة الهشة والتي لا تمنح شعوبها أبسط الحقوق والخدمات. وإلا سيقال عنا
وبحق "تمخض الجبل فولد فأراً"!
فالذكي هو الذي يتعلم من أخطائه، كما أن المصاعب هي مصانع الرجال، والمحن
تشحذ الهمم، فمن كل محنة، ومن المحنة التي مررنا بها، شيء جديد يجب أن يولد.
فلنبدأ بالإصلاح:
الكل يطالب بالإصلاح، وأنا أتذكر كلام المسيح في الإنجيل عن الرجل العاقل
الذي بنى بيته على الصخر فبقي صامداً عندما نزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح
لأن أساسه على الصخر، أما الرجل الجاهل الذي بنى بيته على الرمل فقد انهار وسقط
عند أول هبة ريح وكان سقوطه عظيماً لأن لا أساس له. والسؤال الذي يتبادر إلى
الأذهان: هل بنينا على الصخر أم على الرمل؟ والآن بعدما انهار كل شيء: هل نكون من
العقلاء أم من الجهلاء في عملية اعادة البناء؟ فلا يلدغ المؤمن في جحر مرتين!
إذن أعني بالإصلاح اعادة البناء على الصخر، أي على الرجال العقلاء الأقوياء
الذين يقول عنهم غبطة البطريرك بالزاهدين في أنفسهم غير الطامعين بالمال ولا بالجاه
بل شعارهم الخدمة "فكبير القوم خادمهم". وبما أن المثل يقوم "لا
يصلح العطار ما أفسده الدهر" فإن الفاسدين يفسدون ولا يصلحون لتحمل المسؤولية
"لأن فاقد الشيء لا يعطيه" لذلك لا بد من التغيير الجذري والكلي وليس
استبدال الطرابيش على نفس الرؤوس بل استبدال الرؤوس بالكامل وبالتالي وضع الرجل
المناسب في المكان المناسب.
فلا
بد من الصلاح:
فالرجال
معادن، فإذا كان المعدن مصاب بالصدأ لا يكفي طليه بالدهان أو تغيير لونه أو شكله
بل يفضل استبداله بمعدن قوي أفضل منه. وكذلك الخشب فإذا نخره السوس وأكله الدود
فلا يصلح لشيء بل يلقى للنار فيحترق. لأن الشجرة الطيبة تعطي ثماراً طيبة والشجرة
الخبيثة تعطي ثماراً خبيثة، فمن الثمرة تعرف الشجرة. فلا بد من وضع الفأس على أصول
الشجر، فكل شجرة لا تثمر ثمراً طيباً تقطع وتلقى في النار. وكذلك البشر فمن فيض
القلب يتكلم اللسان ويتصرف الإنسان: الرجل الطيب من كنزه الطيب يخرج الطيب، والرجل
الخبيث من كنزه الخبيث يخرج الخبيث.
والصلاح
هي صفة في النفس نابعة عن عقلية سليمة وتربية قويمة ومسلكية حكيمة لا تنقاد إلى
الأهواء ولا تحابي الأغنياء بل تعطف على الفقراء، وتقود إلى الخدمة والتفاني
والعطاء وتنبذ أي تعصب وتطرف واستعلاء. والرجل الصالح هو البار النقي القلب
والطاهر السريرة والعفيف اليد واللسان والبعيد النظرة الواسع الأفق والثاقب
البصيرة. والصالح هو المؤمن بالله إيماناً عميقاً يجعله قريباً لأخيه الإنسان لا
بل خادماً له، بحسب قول السيد المسيح لتلاميذه: "تعلمون أن رؤساء الأمم
يسودونها، وأن أكابرها يتسلطون عليها. فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد أن يكون كبيراً فيكم، فليكن لكم
خادماً. ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لكم عبداً".
ونصل
إلى المصالح:
والمقصود
ليس المصلحة الشخصية بل المصلحة العامة، ليس مصلحة الفرد بل مصلحة الجماعة، ليس
مصلحة النفس بل مصلحة الشعب. فكثيراً ما يصبح الكرسي أهم من الإنسان بل يستخدم
الإنسان ويضحى بالإنسان من أجل مصلحة الحكام. ففي هذه المرحلة بالذات لا يجوز أن
تكون الأنانية سيدة الموقف لأننا بحاجة لكل الجهود والأموال للبناء وإلا ازداد
الغني غنى والفقير فقراً. إن روح الجماعة والتكافل والتضامن والمشاركة هي سر
النجاح في الأوقات الصعبة وهي المحك لقدرة أي شعب على التحدي والصمود والاصرار على
الاستمرار وإلا يضعف البناء مع تخلخل حجارته والاستفراد بها بدلاً من وحدتها
ولحمتها وثباتها.
إن
مجتمعنا الشرقي يمتاز بالإنفرادية وصعوبة العمل الجماعي أو روح الفريق، فالكل يقول
"اللهم نفسي" فأنا أفضل من غيري! وعندما يصل الأمر إلى القيادة يصبح
الجميع زعماء ويكثر المنافسون، وحتى إذا وصل أحدهم إلى الرئاسة يحكم بروح شيخ
القبيلة فهو الآمر الناهي "وكلمته لا تنزل الأرض ولا تصير كلمتين" وقد
يتحول الحكم في نظرة إلى جاهة ووجاهة مكتفياً بقشور الأمور لا بجوهرها، من هنا لا
بد من إعادة النظر في هذه المفاهيم بحيث يقوم الإصلاح باختيار الصالح الذي يعمل
لمصلحة الناس وليس المختار الذي يسعى إلى المشيخة ويعمل لمصلحته.
وهاكم
بعض النصائح:
كانت
هذه قراءتي الأولية وهاكم قراءة أعمق لغبطة البطريرك ميشيل صباح في أحدى عظاته
الأخيرة، ويمكن اعتبارها نصائح للتفكير والتأمل:
من
هذه المحنة نتعلم المحبة. ونتعلم القوة في الصبر. وقبول الحياة الصعبة بشجاعة،
وأملنا مبني على إيماننا بالله وبقوة محبته لجميع خلائقه. وكمسيحيين نتعلم أن نحلل
الأمور بعين الله وبنور الإيمان فنهيئ لمستقبل آمن ومطمئن.
من
هذه المحنة لا بد من ولادة جديدة للأرض كلها. ولادة جديدة للإسرائيليين فيعتبرون
بما صنعوا: هدموا وقتلوا واستباحوا. ولم يقتلوا روح شعب يطلب الحرية والعدالة
والأرض والكرامة. يعتبرون ويدركون أن ليس هكذا يصنع السلام، وأن الحرب ليست طريقا
للسلام، ولا الآلة العسكرية مهما عظمت وتجبرت تصنع السلام. فالأجساد والبيوت
والمتاع تهرصها الدبابات، وتبقى روح الشعب حية.
ومن جهتنا نحن نتعلم أن الثوابت تبقى على ما هي: المطالبة بالأرض وبالحرية
وبالكرامة. وأن الإستراتيجية في المطالبة يمكن أن تتبدل. والمقاومة تتخذ الطرق
التي تنتج سلاما وتلغي كل آلة عسكرية، بل وتحول كل رأي عالمي حتى الرأي العام
الإسرائيلي. ونتعلم أن قوة الروح يمكن أن ترغم
العدو على وقف آلته العسكرية وتجميدها، ويمكن أن تفتج طريق العدل والسلام. ونتعلم
أن نبني مجتمعا فلسطينيا سليما قويا بسلامته وبفرض العدالة على جميع أبنائه، لا
يستقوي فيه أحد على أحد، بل يقوى القانون على الجميع بالسواء. ويؤتمن على ذلك رجال
حكام زاهدون، اقوياء بزهدهم ونزاهتهم.
ونحن نتعلم أننا مسيحيون ونهتدي
بإيماننا. ويجب أن تعلمنا هذه المحنة أننا أحوج ما نكون إلى مسيحيين حقيقيين،
نتصرف بروح مسيحية، لا نحمل الاسم فقط لا ندرك عمق إيماننا وقوته. نحن نؤمن بالله،
وبأنه الأقوى والأكبر والأعلى. وهو موجود وهو سيد التاريخ، فسيكون يوما في هذه
الأرض وفي حياتنا الفردية والجماعية عدل وحرية وطمأنينة.
نتعلم في تعميق فهمنا
وزيادة معرفتنا لإيماننا أننا كلنا إخوة، في نطاق الرعية فتصبح الرعية عائلة واحدة
تتجاوز كل الحساسيات والأنانيات الفردية والعائلية؛ وفي نطاق المدينة والوطن كله.
ومن ثم في نطاق العلاقة بين المسلم والمسيحي، نسعى باستمرار إلى بلوغ التوازن
السليم في هذه العلاقة، فهي علاقة بين الإخوة وإن اختلف الدين، فنعمل معا إلى جعل
الدين وإن اختلف مبدأ أخوّة لا مبدأ نعرة وصراع. وكل واحد مسؤول. إننا كلَّنا
مسؤولون عن البناء.
الأب
رائــــد عــــوض أبــو ســاحليـــة