|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
كيف كان
يرى نعيم خضر فلسطين المستقبل؟ الأحد2/6/2002
"الأيام
تمر ولا ندري بها وأهلنا يموتون ولا نصحو عليهم. ونحن نمضي العمر بعيدين مفرقين.
هذه حياة شعب فلسطين. سنغيرها وسنغير مجرى التاريخ إذا لزم الأمر. سيموت الكثيرون
منا. ولكننا لن نموت. المهم أن يحيا شعب فلسطين".
هذه
الكلمات للشهيد نعيم خضر كتبها في رسالة بعثها من جنيف لصديق له في فلسطين بتاريخ
22/7/1978، وأنقلها لكم في الذكرى الحادية والعشرين على استشهاده في بروكسل بتاريخ
1/6/1981، وتعبر بصريح العبارة عن رؤية نبوية لما حدث ويحدث ولكن تحمل رسالة أمل
للمستقبل. أذكرها ليس فقط لأني من قريته الزبابده بل لأني فلسطيني لم يفقد الذاكرة
بعد وأخاف على الأجيال اللاحقة أن لا تتذكر قوافل الشهداء الأبرار الذين ضحوا
بحياتهم في سبيل الوطن. أذكرها لأن نعيم له رصيد عظيم في ذاكرتنا الوطنية لعب
دوراً مهماً في التحضير لهذه المرحلة الراهنة لا بل لما بعد هذه المرحلة لأنه
"عاش الزمان قبل الأوان".
لم
يخطر ببال نعيم خضر أن يرسم لوحة محددة لما يمكن أن تكون فلسطين المستقلة والتي
كرس حياته لخلقها، ومع ذلك نجد في كتاباته شرحاً وافياً لدولة ديمقراطية شبه
علمانية اشتراكية، لتحفظه على سمة العلمانية والإشتراكية لا بل شرحه الخاص لهاتين
الصفتين. ستكون فلسطين المحررة مسرحاً للتوترات والخصومات، سيتواجد فيها تيارات
سياسية واجتماعية مختلفة، وسيكون فيها لليسار مكاناً مميزاً ومهمات وطنية وعالمية.
ليس نعيم طبيباً ولا نبياً، بل يقدم في المقتطفات التالية، بحذر وبصراحة، بعض
التوقعات والفرضيات:
دولة
ديمقراطية على كل فلسطين:
أعتقد
شخصياً أن خلق دولة ديمقراطية على كل فلسطين سيمنح جميع سكانها، مسيحيون ويهود
ومسلمون، المساواة في الحقوق والواجبات. في تحليل أخير، إن مثل هذه الدولة
الديمقراطية هي التي ستمنح الحل العادل والدائم والشامل والوحيد، للشعب الفلسطيني
العربي كما وللإسرائيليين اليهود.
في
الحقيقة إني مقتنع من أن أي تسوية دون تحقيق هذه الغاية الإستراتيجية ستكون مؤقتة
وعابرة. إن حلاً مؤقتاً لا يكون خطوة نحو إنشاء الدولة الديمقراطية، يكون خطراً
على القوى الفلسطينية التقدمية والثورية، أو على الأقل سيكوّن الخطر الذي يقود إلى
حجزها. ومثل هذه العملية تستطيع بدورها اضعاف مجموع القوى التقدمية في الشرق
الأوسط وحتى في العالم العربي، بقدر ما تدعم تحقيق الفكر الصهيوني في فلسطين...
الحل
الديمقراطي، أي إنشاء دولة ديمقراطية، هو الحل الوحيد الذي يستطيع أن يضمن دمار
الحركة الصهيونية، ويقدم نظاماً مقبولاً من اليهود داخل اسرائيل ومن العرب
الفلسطينيين في المهجر ومن هؤلاء الذين يعيشون تحت الاحتلال. الدولة الديمقراطية
هي قضية تدافع عنها الجماعات التي تدعم الثورة الفلسطينية وخصوصاً منظمة التحرير
الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. تنبع هذه القضية من مفهوم
العدو الصهيوني الذي يجب محاربته، إنها تسمح بالتقرب من اليهود الإسرائيليين، من
الذين من المفروض علينا أن نعيش معهم بسلام وأخوة.
تتجاوز
هذه القضية فكرة الحرب والدمار والمجزرة. لأنها تتوافق مع تعاقب التاريخ، ولأنها
ترى أمامها مهام البناء بعد الحرب. تثبت هذه القضية بأن الفلسطينيين لا يحاربون
حباً بالحرب أو الانتقام، ولكن من أجل تحرير الأرض والإنسان مهما كانت ديانته. الانتقام،
في الحقيقة، هو سلبي ومدمر، بينما التحرير إيجابي وبناء. إننا لا نقاتل اليهود
لأنهم يهود، ولكن نقاتل كل محتل بشدة مهما كان دينه أو عرقه أو أصله.
إن
قضية الدولة الديمقراطية هي قضية إنسانية وثورية. تتطلب حركة التحرير ضد المستعمر
عادة طرد المحتل الغريب وعودة الشعب المنفي إلى وطنه. ومع ذلك، ولفهمنا للمسألة
اليهودية، واقتناعنا بأن الثورة تمر في تحرير الأرض والإنسان، فإننا نتخيل مشروعاً
لدولة ديمقراطية تعطي الإمكانية لكل إنسان يسكن فلسطين – من ضمنهم الغريب الذي جاء
محتلاً مستعمراً – أن يبقى فيها، ويعيش فيها معنا بسلام، ويساعدنا ويقبل مساعدتنا
لبناء مجتمع ديمقراطي يؤكد الحقوق والواجبات المتساوية لكل السكان دون تمييز بين
الجنس والدين أو اللون أو الدين.
لا
نشك في أن تكون دولتنا جمهورية وتحمل اسم فلسطين لأن هذا هو الإسم التاريخي الذي
حمله هذا البلد دائماً عبر العصور. لهذا السبب سندعوه "جمهورية فلسطين
الديمقراطية". إننا نتجنب النعت "علمانية" لئلا نترك انطباعاً
بأننا سنلغي الدين. إننا لا نريد أن نلغي الدين ولكننا نسعى إلى أن يكون الإيمان
شخصياً وأن لا يكون الدين عنصراً يضيف أو يلغي أياً من حقوق وواجبات المواطنين.
إذا
اقترحنا الصيغة "دولة علمانية" سيقود هذا إلى الغموض في الغرب لأن
العلمانية أخذت فيها شكل عرف ديني. إننا لا نتكلم عن دولة ملحدة وأسباب هذا واضحة.
إننا نتوق إلى دولة ديمقراطية حيث يبقى الدين مسألة شخصية، حيث يحترم العرف الديني
ولكن حيث الدين ليس له أي دور في قوة الحكومة أو المؤسسات الوطنية التي تتعلق
بالحقوق والواجبات.
إذا
لم نتكلم عن الإشتراكية، فذلك لأن هذا المصطلح وجد في عصرنا، ولا نستطيع تغيير
شكله. كم من جماعات ومنظمات تدعي بأنها تنتمي إلىالاستراكية، أفرغت الاشتراكية من
جوهرها؟ إننا نريد بالاشتركية التقسيم العادل للثروات، للميزات والمسؤوليات،
والسيطرة على السلطة بانتخابات حرة.
أليست
الديمقراطية هي الاشتراكية كما عرفناها الآن؟ إننا نتكلم هنا طبعاً عن الديمقراطية
الحقيقية. إننا نعتقد بأن جمهورية ديمقراطية تستطيع أن تسمح للقوي بظلم الضعيف،
وللغني أن يستغل الفقير، وللأقلية بأن تحدد مصير الأكثرية. نعتقد بأن الاشتراكية
لا تتحقق على أساس من الكلمات والألفاظ، بل على الأعمال الملموسة. إننا نفضل دولة
ديمقراطية تطبق الاشتراكية دون أن تحمل هذا الإسم، على دولة تدّعي أنها اشتراكية ولكنها
تطبق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية بمزاجيتها.
قد
يقول البعض بأن نعيم خضر كان يحلم، فهو يطالب بدولة على كل فلسطين وهذا غير مقبول
لدى الإسرائيليين لأنهم يخشون من ما يسمونه "بالقنبلة الديمغرافية
الفلسطينية" ولن يسمحوا أبداً بعودة اللاجئين، ثم إنه بالكاد يعطوننا ما
احتلوه عام 1967 كما أن القيادة ذاتها نسيت ما قبل ذلك ولم يعد مطروحاً للمفاوضات.
ولكن إذا تأملنا ملياً فيما يطرحه نعيم فإننا نرى بأنه لم يكن غبياً وأنه يحقق
آمال وتطلعات كل فلسطيني، رغم صعوبته كما يقول نعيم:
إن
الطريق الذي اخترناه مليء بالمخاطر، ولكن ميزان القوى الحالية لا يسمح لنا بطريق
آخر. إذا رأت هذه الدولة النور، فإن هذا سيتضمن بالرغم من كل شيء التزامات من
جانبها ومن جانب حليفتها الاسرائيلي، وهذا يعني نصراً للمقاومة.
لكن
ليس هناك أي شك: على الدولة الفلسطينية الحديثة الولادة أن تبرهن عن "حسن
سلوكها" أمام جيرانها الرجعيين أو التقدميين المزيفين. خوفاً من أن يكتفي جزء
من المقاومة باقامة دولة فلسطينية شبيهة بالدول العربية الأخرى، أي تقدمية
بالكلام. في هذا الاطار على اليسار أن يحافظ ويطور كل ما يتعلق بتنظيم وتسييس الكتل
حتى لا يتحول القياديون القدماء إلى دكتاتوريين جدد بسبب خطأ السيطرة الشعبية
الكافية. لذلك يجب ربح هذا الرهان لكي تتحقق الدولة الديمقراطية.
أنا
في هذا الحديث أعرض ولا أفرض أفكار نعيم خضر حول رؤيته لدولة فلسطين المستقبل
المستقلة، وأرى بأنه كان رجل رؤية ثاقبة ففي الوقت الذي لم يكن فيه مقبولاً حتى
الاعتراف بحق اسرائيل بالوجود، فأنه يعرض أفكاراً واضحة واسعة شاملة لا نطالب بجزء
يسير منها الآن، وأعتقد بأنه من الممكن الرجوع إليها حيث يعرضها نعيم بالتفصيل في
كتابه "نحو جمهورية فلسطين الديمقراطية" وقد عاد وطرحها البعض في الأيام
الأخيرة أمثال القذافي الذي يدعو إلى تسميتها "اسراطين" لدمج اسمي
اسرائيل وفلسطين وإنشاء دولة على كل أرض فلسطين التاريخية تكون أرضاً واحدة لشعبين
وثلاث ديانات. كما أن أخي الدكتور سامي أبو ساحلية، يقترح الرجوع إلى التسمية
القديمة لهذه الأرض ويقترح تسميتها "الجمهورية الكنعانية" نسبة إلى أرض
كنعان كما وعد الله ابراهيم، وبهذا يسكن أبناء ابراهيم، اليهود والمسيحيون
والمسلمون، تحت خيمة واحدة وفي أرض واحدة، وهذا أفضل بكثير من الكانتونات والجزر
والأثلاث والأرباع والأسداس التي يتفاوضون عليها.
وأنهي بجملة من
نعيم خضر يمكن أن تكون الأرضية الصلبة للمطالبة ببناء دولة ديمقراطية على كل
فلسطين: "القوة لا تمنح الحق لانسان ولا الاحتلال يولد الحق، لأن الحق يعلو
ولا يعلى عليه".
الأب رائـد عـوض أبـو سـاحليـة