|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
دعـوة
إلى تغيير الذهن والقلب الأحد
9/6/2002
تحتفل الكنيسة الكاثوليكية كل سنة في مثل يوم الجمعة الماضي بعيد "قلب
يسوع الأقدس" وهو يذكرنا بمحبة الله الفائقة للبشرية إذ أنه بلغ به الحب حتى
أنه أرسل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل ينال الحياة الأبدية. وقد أحب
الله العالم إلى أقصى الحدود إذ بذل ذاته حباً بنا "ما من حب أعظم من حب من
يبذل ذاته من أجل أحبائه" وقد تجلى هذا الحب على قمة الصليب إذ أن أحد الجنود
طعن جنبه بحربة، ويقول الإنجيل "فخرج لوقته دم وماء" وهذا دليل إضافي
على أنه أحبنا لآخر رمق ولآخر قطرة دم. وهذا هو الأساس الإنجيلي لهذا العيد الذي
يمكن أن نسميه وبحق "عيد الحب الإلهي".
وفي غمرة الأحداث المؤلمة التي نعيشها والتي تثقل كواهلنا وتهد حيلنا وتضغط
على صدورنا "مثل الهم على القلب" فإننا بحاجة لهذا الحب الإلهي إذ نسمع
السيد المسيح يقول لنا: "تعالوا إليَّ جميعاً، أيها المرهقون المثقلون، وأنا
أريحكم. إحملوا نيري وتتلمذوا لي، فإني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم.
لأن نيري لطيف وحملي خفيف". ولهذا الكلام معانٍ كثيرة أهمها: أن نلقي همومنا
وأثقالنا وأحمالنا على الله ونتكل عليه، أن نتعلم المحبة مثله فنحمل في صدورنا
قلوباً وديعة متواضعة مثل قلبه، أن نساعد غيرنا على حمل صلبانه وصعوباته فلا نكون
صليباً له وحملاً ثقيلاً عليه بل نخفف من حمله ومن همه. وأخيراً أن نرتمي في أحضان
رحمة ومحبة الله لأننا لن نعرف الراحة إلا هناك كما يقول القديس أغسطينوس:
"خلقتنا لك يا الله وقلبنا لا يعرف الراحة إلا اذا استقر فيك" وكما نرتل
في الأنشودة: "ربي قلبك وطني فيه يحلو سكني". إذن إننا نعيش السماء منذ
الآن عندما نستقر في قلب الله!
ومن قلب الله نرجع إلى مفهوم القلب في الكتاب المقدس إذ أنه لا يعني فقط
ذلك العضو الجسدي الصغير الذي نحمله في صدورنا وينعش الحياة في أجسادنا ويضخ الدم
من المهد إلى اللحد في أحشائنا، فعلى إيقاعاته نعيش وإذا توقف نموت. ففي العربية
ترادف كلمة القلب كلمة اللب أي باطن الإنسان، واللب عكس القشور أي كل ما هو عميق
وأصيل وجوهري وحميم وجواني، فهو يدل على المشاعر والذكريات والأفكار والمشاريع
والقرارات. فقلب الإنسان هو بالذات مصدر شخصيته الواعية، العاقلة والحرة، وموطن
اختياراته الحاسمة. والقلب هو الموضع الذي يلتقي في الإنسان مع الله ومع أخيه
الإنسان.
إن قلب الإنسان هو مجمع كل الانفعالات الإيجابية والسلبية: فمظهر الإنسان
الخارجي يدل عادة على ما يعمر به قلبه. فيعرف ما في القلب هكذا، بطريقة غير
مباشرة، بواسطة ما يبدو علىالوجه. وبما تنطق به الشفتان، أو ما تشهد به الأفعال.
ومع ذلك فبدلاً من الدلالة على ما في القلب، تستطيع الأحاديث والتصرفات أحياناً أن
تبقيه مستوراً. فالإنسان يتمتع بقدرة مخيفة على الازدواجية. ومن ثم فقلبه أيضاً
منقسم، لأن القلب هو الذي يترسم التعبير الخارجي المناسب مع ثبوته على قراراته
باستعدادات تختلف عن مرمى هذا التعبير كل الاختلاف. إن هذه الإزدواجية شر عميق
وخطير يستنكره الله مراراً وتكراراً في الكتاب المقدس، وقد يؤدي بلغة اليوم إلى
انفصام سلوكي في الشخصية. من هنا الحاجة إلى وحدة الإنسان في وحدة قلبه الذي يجب
أن يكون بسيطاً طاهراً نقياً مثل قلوب الأطفال التي لا تعرف الغش ولا الرياء.
لا يمكن أن نخدع ونغالط الله على نحو ما يمكن أن نغش ونغالط إنساناً. "إن الإنسان ينظر إلى الظاهر،
وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب". كما أن الله "يفحص القلب ويمتحن
الكلى" أي أنه يعرف أعماقنا ويعرفنا على حقيقتنا. وهو يفضح الكذب فيلاحظ
"إن هذا الشعب يكرمني بشفته وقلبه بعيد عني". لا بل فإن الله ينزعج من
الشعب ويقول عنهم "غلاظ الرقاب وقساة القلوب": غلاظة الرقبة تعني العناد
كما نقول بالعامية "راسه قاسي" أو "عقله تخين" أما قسوة القلب
فتعني انعدام الرحمة والشفقة وقلة الرقة والحنان. من هنا ضرورة الصدق في المحبة
لله وللبشر "فالصراحة راحة" وإلا كنا كالقبور المجصصة "ظاهرها رخام
وداخلها عظام".
بما أن القلب هو مصدر كل شيء كما يقول السيد المسيح فمن فضلة القلب يتحدث
اللسان "فمن القلب تنبعث مقاصد السوء، دواعي القتل والزنى، تلك التي تنجس
الإنسان" لذلك فنحن بحاجة إلى قلب جديد كما يقول الرب على لسان حزقيال النبي:
"فأطهرهم من جميع أصنامهم، وأعطيهم قلباً جديداً، وأجعل في أحشائهم روحاً
جديداً، وأنزع من صدورهم قلب الحجر وأزرع قلباً من لحم". وكأن الله طبيب ماهر
يعرف منذ أقدم العصور عمليات زراعة القلب قبل اكتشافها قبل عقود قليلة. ويمكن أن
نتبع تقنية التنقية للدم بالتصفية لكل أدران القلب وأفكار الذهن بحيث تكون أفكاراً
ايجابية لا سلبية.
وإذا وصلنا إلى الأوضاع الحالية التي نمر بها نجدنا بأشد الحاجة للتغيير في
جميع مناحي الحياة، فإننا نشاهد بأن اليأس والاحباط والمرارة والحقد والغضب تملأ
القلوب وتعمر الصدور، لا بل الهموم مثل الغيوم الملبدة في سماء حياتنا ناهيك عن
الأكدار والصعاب والمشاكل والملل والضجر والزعل والفقر والطفر. فإننا بأشد الحاجة
لقلوب قوية طاهرة نقية تصمد وتتحمل وتقاوم لئلا تصاب بالصدمات والأمراض والجلطات،
كم من الناس لم تتحمل قلوبهم هول ما يحدث لهم من مصائب ومصاعب فيضعف قلبهم ويعجز
عن الخفقات وتتوقف نبضاته. يجب أن نفصح عما في قلبنا ولا نمتثل للمثل "بالقلب
يسطح ولا على السطح يفضح" فإن التعبير عن هموم الذات والمشاركة في الأفكار
توضحها وتنقيها وتزيل الضباب والغموض عنها، وقد تهون منها وتجد الحلول لها
والمخارج منها.
إننا بحاجة إلى أفكار سلام لكي ننعم بالسلام، بحاجة إلى تغيير الذهن لكي
نهنأ بحياة وادعة مستقرة. وقد يقول قائل ما هذا التخريف؟ فكيف تريد منا أن نعيش في
الأحلام والأوهام وحياتنا معقدة وطرفنا مغلقة، ولقمة عيشنا بالعرق والدم مغمسة،
وأشجارنا مقلوعة وبيوتنا مهدومة وماضينا مهزوم وحاضرنا مظلوم ومستقبلنا معدوم؟
وأقول بأن مصيرنا في أيدينا، لأن "النية تسبق العمل" كما يقول الفلاسفة،
فعندما تكون أفكارنا واضحة ومطالبنا عادلة ورؤيتنا ثاقبة ستكون استراتيجيتنا سليمة
حكيمة ناجحة وسنأخذ الوسائل الصحيحة للوصول إلى الأهداف النبيلة. يا جماعة الله
يرضى عليكم، ليس هكذا تورد الإبل، من أراد أن يصل إلى الحرية والاستقلال، يتخذ
الوسائل النبيلة الشريفة للوصول إلى هذه الأهداف النبيلة الشريفة، فالعنف لا يولد
إلا العنف، والدم لا ينادي إلا الدم، والانتقام لا يولد إلا الانتقام، والقتل يولد
القتل. أزرعوا محبة تحصدوا سلام، إن هذا حقيقة وليس مجرد كلام!
إننا بأمس الحاجة إلى أفكار سلام كما يقول القديس بولس: "فإن سلام
الله الذي يفوق كل ادراك يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" وهذا بصراحة
ووضوح يعني أن السلام في الحياة ينبع من السلام في الأفكار والسلام في القلب، لأن
القلب هو مصدر كل الأفكار والمقاصد والأعمال "فالإناء ينضح بما فيه".
"الأشياء الجميلة لا ترى بالعين المجردة بل بالقلب". هكذا قال
أنطوان دي سانت أكسبري في كتابه الأمير، وهكذا نقول اليوم بأن الأهداف الجميلة
النبيلة لا يمكن نيلها بقلب مليء بالغضب والحقد والعداء بل بقلوب تفعمها المحبة والرحمة
والغفران والرجاء. ويقول القسيس متري الراهب: "الإنسان الحكيم هو من يستطيع
أن يحول عدوه إلى جار وليس من يحول جاره إلى عدو" وهذا لا يمكن أن يتم إلا
بلغة القلب وليس بلغة السلاح.
لذلك فإن دعاءنا اليوم وفي كل يوم: "قلباً نقياً اخلق فيَّ يا ألله
وروحاً مستقيماً جدد في أحشائي" ونداءنا لكل إنسان، صديقاً كان أم عدواً
"أحبب أحبب ثم أحبب فأنت بالحب وحده لا بغيره إنساناً تكون".