SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

وثيقة كاثوليكية أرثوذكسية مشتركة حول حماية البيئة   الأحد 16/6/2002

تم التوقيع يوم الاثنين الماضي العاشر من حزيران على "إعلان البندقية" لحماية البيئة. وتم التوقيع بين قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان والزعيم الروحي للكنيسة الكاثوليكية في العالم وغبطة البطريرك برتلماوس الأول بطريرك القسطنطينية الذي يحمل لقب البطريرك المسكوني. وجاء التوقيع في نهاية أيام دراسية في رحلة بحرية دامت ستة أيام على متن سفينة في البحر الأدرياتيكي بعنوان "البحر الأدرياتيكي، بحر في خطر ووحدة الهدف" وقد حضرها العديد من رجال الدين من مختلف الديانات بالأضافة إلى مختصين في علم البيئة ورجال سياسة من مختلف الدول. وتم التوقيع في البندقية أثناء اتصال تلفزيوني مع قداسة البابا في مكتبه في الفاتيكان حيث قال: "إن هذا الاتصال الذي يتيح لنا التوقيع على هذا الاعلان دليل على وحدة الهدف، فبالرغم من بعد المسافات، فإننا نعبر عن رغبتنا المشتركة في الحفاظ على الخليقة، ودعم كل مبادرة تحسن وجه الأرض التي وهبها الله لنا لنحافظ عليها بحكمة ومحبة".

وفي نهاية خطابه ذكر البابا بلقاء الصلاة لأجل السلام في العالم الذي تم في مدينة أسيزي في شباط الماضي والذي شارك فيه غبطة البطريرك برتلماوس فقال: " يا صاحب الغبطة، في ذلك اليوم لبيت دعوتي، وبالمقابل، فإنه يسرني اليوم أن أنضم إليك للتوقيع على هذا الاعلان المشترك، لأني أعتقد بأن تبادل الزيارات والمبادرات هبة من الله تدلنا على أن روح التعاون تمكننا من إيجاد طرق جديدة للتعبير ملموس وصلب عن شهادة الشركة التي ينتظرها العالم منا".  

وقد وجه البطريرك حديثة للبابا ودعاه "بالأخ الكبير" قبل أن يلقي خطابه حول موضوع البيئة والذي ربطه بمفاهيم الشكر والتقشف والتضحية: الشكر لله على حسن الخلق الذي سلمه هدية وأمانة للبشر للمحافظة عليه والتمتع بجماله والاندهاش لعظمته واكتشاف طاقاته والاستفادة من خيراته ورفع الحمد والشكر لله على عظمة خلقه؛ أما التقشف فيعني الاكتفاء بما نحتاج إليه من الموارد الطبيعية خوفاً من استنزافها بحيث تكون مصدر رزق وحياة وليس مادة تجارية بحتة تدخل فيها أهواء النفس البشرية من طمع وجشع واستغلال وأنانية ومحبة للذات واشباع للشهوات. ومن هنا يصل إلى مفهوم التضحية والذي يجعل الخليقة سر محبة وليس فقط وسيلة ربح تجارية، بل أن نقدم لله ما هو من الله فنصل إلى المحبة والمشاركة والعطف على الفقراء والعدالة في توزيع الثروات والخيرات. فقضية البيئة ليست تقنيية بل أخلاقية تتعلق بالقلب البشري، فليس المهم أن نجد أسباب الأزمة خارجنا بل داخل نفوسنا وفي طريقة تفكيرنا وتصرفنا. "لن يحدث الخلاص للعالم، لا شفاء ولا رجاء بمستقبل أفضل بدون البعد المفقود للتضحية. فبدونها لن نتمكن من أن نصبح كهنة للخليقة للمحافظة عليها من التدمير البيئي".

أنقل هذا الحدث في هذا الحديث لأهميته في التقارب بين الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، فإن الحوار المسكوني يقطع بهذا شوطاً لا بأس به نحو الوحدة الكاملة بين المسيحيين، فإن كل هذه اللقاءات الودية والبيانات المشتركة التي بدأت هنا في القدس عام 1964 بين البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أنذاك اثيناغورس، تأتي ثمارها الآن وتقود في الإتجاه الصحيح أملاً بالوصول إلى بيانات مشتركة في أمور عقائدية لاهوتية بإذن الله.

وألخص فيما يلي أهم النقاط الواردة في البيان المشترك لأبين الأساسات اللاهوتية التي تستند عليها الكنيسة في معالجة هذه المسألة الحساسة والتي لا تبدو للوهلة الأولى قضية لاهوتية، وهذا دليل آخر على اهتمام الكنيسة والمسيحية في جميع مناحي الحياة التي تتعلق بالخالق والخليقة والخلائق، كما أن هذه المباديء الأساسية تفضح بوضوح الممارسات الخاطئة للعديد من الدول في انتهاك حرمة البيئة وخاصة الاجراءات الإسرائيلية الحالية التي تعتبر اعتداءات صارخة على البشر والحجر والشجر، على الأرض والموارد الطبيعية والمياه دون وازع أخلاقي ولا رادع من ضمير إنساني. فماذا ورد في هذا البيان من أفكار مبدئية حول قضية البيئة؟

يبدأ البيان بتحديد الأهداف: "نجتمع اليوم بروح السلام ولخير الأنام وحفاظاً على الخليقة. ففي هذه اللحظات التاريحية ومع بداية الألفية الثالثة، فإننا نحزن لرؤية آلام العديد من البشر بسبب العنف والمجاعة والفقر والأمراض. كما أننا ننظر بقلق للنتائج السلبية على البشرية الناتجة عن تدهور الموارد الطبيعية الأساسية كالنقص في الماء والتلوث في الهواء والتصحر في الأراضي، بسبب التقدم التكنولوجي والاقتصادي الذي لا يعترف بحدوده".

فإن الله خلق عالماً جميلاً متناغماً كتعبير عن حريته وحكمته ومحبته "ورأى الله وكان كل شيء حسن" (تكوين 1:1-25)، وقد خلق البشر الذين يتمتعون بالكرامة وميزهم عن باقي الخلائق بالنفس الخالدة مصدر الوعي والحرية  وجعلنا على صورته ومثاله مشاركين لله في عملية الخلق والحفاظ على الخليقة لتحقيق مخطط الله، إذ قال الله للبشر "إنموا واكثروا واملاءوا الأرض واخضعوها".

ثم يحدد الخلل: "أخطأ الرجل والمرأة في بداية التاريخ بعصيانهما لأوامر الله ولرفضهما لمخططاته على الخليقة. ونتج عن هذه الخطيئة تدمير لهذا التناغم الأصلي. وأذا تتبعنا بعناية الأزمة البيئية والإجتماعية التي تواجهها الجماعة البشرية في العالم، فإننا سنخلص إلى أننا ما زلنا نخون الانتداب الذي وكلنا الله به: بأن ندبر شؤون الخليقة ونتعاون مع الله في المحافظة عليها بقداسة وحكمة".

ويصل إلى العلاج: "إن الله لم يترك العالم ولم يتركنا يتامى. فإن إرادته ومخططه أن يعيد التناغم الأصلي  بتعاوننا معه في مخططه الألهي. فهناك وعي بيئي متزايد يجب تشجيعه، فالوعي بعلاقة الله مع الجنس البشري يدفع إلى تقوية العلاقة بين الجنس البشري والطبيعة التي هي خليقة الله التي وكلها لهم للحفاظ عليها بحكمة ومحبة".

فإن احترام الخليقة ينبع من احترام كرامة الحياة البشرية، فإن اعترافنا بأن الله خلق العالم يدفعنا إلى التوصل إلى صياغة قانون أخلاقيات بيئية. وفي هذا الإطار، فإن المسيحيي   وجميع المؤمنين ينبغي عليهم لعب دور هام لتطوير القيم الأخلاقية وتربية الشعب على الوعي البيئي، الأمر الذي يدل على تحمل المسؤولية نحو أنفسنا، نحو غيرنا ونحو الخليقة.

علينا القيام بفعل توبة وتجديد نظرتنا إلى الخليقة ضمن مخطط الله لها. فإن المسألة ليست تكنولوجية أو اقتصادية بل أخلاقية وروحية. فإن الحل يتبع من الداخل بتغيير الذهن والقلب يؤدي إلى تغير في أسلوب الحياة وخاصة فيما يتعلق بعقلية الانتاج والاستهلاك. إن الارتداد إلى الله عن طريق السيد المسيح يمكننا من تغيير أسلوب تفكيرنا وعملنا.

ويضع ثلاثة أسس قبل أن يصل إلى المباديء الأخلاقية:

علينا أولاً أن نتحلى بالتواضع والاعتراف بحدود القوة، وخاصة المعرفة. فقد اتخذنا قرارات وقمنا بأعمال واتبعنا قيماً جديدة قادتنا بعيداً عما يجب أن يكونه العالم وفقاً لمخططات الله، بعيداً عما هو ضروروي أو صحي لكرتنا الأرضية وسعادة شعوبنا. نحن بحاجة إلى اتجاه آخر وثقافة مختلفة، ترتكز على محورية الكائن البشري في الخليقة بوحي قيم أخلاقية بيئية نابعة من علاقتنا الثلاثية مع الله، مع أنفسنا ومع الخليقة. إن مثل هذه الأخلاقيات تعزز مباديء التضامن العالمي، العدالة الإجتماعية، المسوؤلية الجماعية والفردية، تؤدي إلى تعزيز ثقافة حياة حقيقية.

علينا ثانياً الاعتراف بصراحة بأن الجنس البشري عليه القيام بدور ايجابي فعال أفضل مما نراه حولنا الآن. وأن أطفالنا وأجيالنا المستقبلة تستحق عالماً أفضل، عالماً خال من الانحطاط، العنف وسفك الدماء، عالماً يسوده الكرم والحب.

ثالثاً، وايماناً منا بقيمة الصلاة، فإننا نتضرع إلىالله العلي القدير خالق كل شيء بأن ينير قلوب الناس أجمعين ويرشدهم إلى تحمل مسؤولية وواجب احترام الخليقة والمحافظة عليها بعناية.

لذلك فإننا ندعو كل الرجال والنساء إلى التفكير بأهمية المباديء الأخلاقية التالية:

1) التفكير بأطفال العالم عندما نتدارس ونقيم خياراتنا العملية.

2) دراسة القيم الحقيقية المبنية على القانون الطبيعي الذي يدعم أية ثقافة بشرية.

3) استخدام العلوم والتكنولوجيا بطريقة كاملة وبناءة معترفين بأن الاكتشافات العلمية يجب أن تقيم على ضوء العقل والصالح العام وفقاً للأهداف الحقيقية للخليقة. يمكن للعلم أن يساعدنا لتصحيح أخطاء الماضي لتدعيم الخير الروحي والمادي للأجيال الحاضرة والمستقبلة. إن حبنا لأبنائنا سيدلنا على الطريق الذي يجب أن نسلكه نحو المستقبل.

4) التواضع بما يختص بمفهوم الملكية والانفتاح على متطلبات التضامن. إن قوتنا الأخلاقية أو ضعفنا البشري يقوداننا إلى التنبه لنظرتنا لملكيتنا خلال اقامتنا القصيرة على هذه الأرض. لم نتسلم قدرة غير محدودة على الخليقة، إنما نحن مدبرون لإرث جماعي موروث.

5) الاعتراف باختلاف الأوضاع والمسؤوليات في العمل من أجل بيئة عالمية أفضل. فإننا لا نتوقع بأن يقوم كل شخص وكل مؤسسة بنفس العبء. فكل واحد جزء من المسؤولية، ولكن وبسبب متطلبات العدالة والمحبة، فإن المجتمعات الأكثر تقدماً يجب تتحمل عبأ أكبر إذ يطلب منها تضحية أكثر مما يمكن أن يطلب من الفقير. إن الديانات والحكومات والمؤسسات تواجه حالات مختلفة، ولكن مبدأ التكافل يوحدها في تحمل المسؤولية والقيام بالمهمات وبذل الجهود المشتركة.

6) التوصل إلى حلول سلمية للخلافات الناشبة في العالم حول كيفية العيش على هذه الأرض، كيف نتقاسمها ونستخدم ثرواتها، ماذا نغير فيها وماذا نحافظ عليه،. فليس الهدف الهروب من النزاعات حول البيئة لأننا نؤمن بقدرة العقل البشري بأن يصل إلى حلول واتفاقيات عبر قنوات الحوار والتفاهم. نلتزم باحترام وجهات النظر المختلفة وحتى التي تخالفنا ولا تتفق معنا، بحثاً عن حلول عبر التبادل المفتوح والصريح دون اللجؤ إلى الظلم والاستبداد.

إن الوقت ليس متأخراً، فإن عالم الله لديه قوة شفاء عظيمة. فبإمكاننا خلال جيل واحد أن نقود دفة الأرض نحو مستقبل أفضل لأبنائنا. فليبدأ هذا الجيل بالعمل الآن، بعون الله وبركته.

الأب رائــد عــوض أبــو ســاحليـة