|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
لقد طالعتنا جريدة
القدس بنداء وقع عليه العديد من الشخصيات الوطنية والثقافية بضرورة مراجعة
الحسابات بخصوص العمليات التي تستهدف المدنيين، وقد كانت الحجج الرئيسية لهذا
النداء أن هذه العمليات تكرس البغض والحقد والكراهية بين الشعبين وتعمق الهوة
بينهما وتحطم امكانية العيش بسلام كما أنها لا تحقق الحرية والاستقلال بل تعطي
المبررات للحكومة الإسرائيلية للرد بعنف أكبر واستمرار العداون على شعبنا...
وغيرها من الأسباب المنطقية التي نؤيدها بطبيعة الحال.
وبالرغم من أن هذا
النداء لاقى ترحيباً وتأييداً من أوساط محلية وإسرائيلية وعالمية إلا أنه لاقى
انتقادات كثيرة لأنه في الأيام الأولى لنشره كان يوحي بمعارضة المقاومة ويركز فقط
على العنف الفلسطيني متجاهلاً العنف الإسرائيلي الذي يولد دائرة العنف الحالية
الناتجة عن الاحتلال. وقد استدرك هذا الأمر بنشر توضيح للنداء يوم الجمعة جاء فيه:
"غني عن القول أن كافة الموقعين على هذا النداء يدينون بشدة كافة الاجراءات
الإسرائيلية القمعية ضد أبناء شعبنا، بما فيها سياسة الاجتياحات والاغتيالات
والحصار، مؤكدين أن الاحتلال هو أساس المأساة التي يتعرض لها شعبنا وأن مقاومته هي
حق كما هي واجب".
لقد كان هذا التوضيح
ضرورياً ولكني أعتقد بأنه غير كاف، فلا يكفي التنديد بالعنف دون طرح رؤية بديلة
للخروج من هذه الدوامة التي لا يمكن أن تستمر للأبد. لذلك فنحن نقولها بصراحة:
"نعم لنداء وقف العمليات ولكن مع بعض التعديلات".
نعم لوقف العمليات:
قد يرى البعض بأن جميع
أنواع المقاومة مشروعة، ونحن نقول بأن مقاومة الاحتلال مشروعة ولكن ليس كل أشكال
المقاومة مشروعة، فيجب مراعاة الجانب الأخلاقي والديني والإنساني بالإضافة إلى
الهدف الاستراتيجي المبتغى تحقيقه.
·
نعم
إن مثل هذه العمليات قد تكون السلاح الوحيد المتوفر الآن أمام الآلة العسكرية
الضخمة لتحقيق "توازن الرعب" أمام "عدم توازن القوة" ولكن
هناك أسلحة بديلة اقترحنا مراراً وتكراراً اللاعنقية والسلمية منها بحيث يشارك كل
أبناء الشعب بها.
·
نعم
إن الاحتلال بغيض ولا يرحم ويبالغ في استخدام القوة، ولكننا لا يجب أن ننزل إلى
مستواه لأننا بذلك نصبح مثله ونفقد "قوة الحقيقة" المبنية على شرعية
قضيتنا وعدالتها، وتفقدنا التأييد العالمي وتشوه صورتنا في وسائل الإعلام علماً
بأن الرأي العالمي مهم جداً، إذ أننا للأسف أصبحنا المذنبين رغم أننا الضحية وندعى
بالأرهابيين رغم أننا نقاوم الاحتلال.
·
نعم
إن العمليات قد تشكل نوعاً من الضغط على الحكومة الإسرائيلية إذ أنها لا تفهم إلا
لغة القوة ويجب أن تأكلها بجلدها لتحس بظلمها، ولكننا نرى بأن الموقف الإسرائيلي
يزداد صلابة وعناداً لا بل يتجه نحو التطرف، وقد نفقد التأييد القليل الموجود بين
بعض حركات السلام التي تتعاطف مع قضيتنا، فمن المهم جداً التأثير ايجابياً على
الرأي العام الإسرائيلي وكسبه لصالحنا.
·
نعم
إننا فقدنا كل شيء ولا نخشي من فقدان ما يتبقى حفاظاً على الكرامة كما أن الحرية
لها ثمن يجب دفعه كضريبة حتمية للاستقلال، ولكن يجب وزن الأمور بميزان الربح
والخسارة، فإن الدمار والحصار يضعف المقاومة الشعبية ويفرض ثمناً باهضاً لن يتحمله
الشعب اذا استمر الوضع على هذا الحال. كما أن الدعوة إلى تبديل أشكال المقاومة لا
يعني اطلاقاً الضعف أو التنازل عن الحق في الأرض والاستقلال والكرامة والحرية بل
بالعكس الاصرار عليها والمطالبه بها بطرق ذكية.
·
نعم
إن العالم ما لبث يتفرج علينا ولا يفهم قضيتنا، ولكننا بهذه الطريقة سنفقده كلية
لأننا نرى بوضوح بأن العالم لا ولن يفهم مثل هذه العمليات، وخاصة الاعتداء على
المدنيين، فهذه معركة خاسر "على طول الخط" وسنحتاج إلى سنوات لتغيير
الصورة وتحسين العلاقات، علماً بأننا نجد تفهماً وتعاطفاً عالمياً متزايداً في
الآونة الأخيرة بدأ يتلاشى تقريباً بسبب هذه الصورة التي تفلح جيداً وسائل الإعلام
في نقلها والترويج لها.
من أجل كل هذه الأسباب،
نقول بصراحة، ينبغي إعادة النظر في الموضوع وتبني استراتيجية بديلة.
اقتراحات لبعض
التعديلات:
نؤيد النداء، ولكن مع
بعض التعديلات التي نراها ضرورية حتى يكون الموقف موضوعياً، معتدلاً، متوازناً
ومقبولاً:
·
لا
يكفي التنديد بالعنف وادانته بل يجب رسم استراتيجية بديلة لأن وقف المقاومة دون
تحقيق الأهداف المرجوة، يمكن أن يفسر بالفشل الذريع بعد كل هذه الخسائر الفادحة.
ونحن نقترح بأن تتبنى القيادة والقاعدة استراتيجية غصن الزيتون كوسيلة مقاومة
لاعنفية سلمية كخيار جذري ورسمي. فلا بد من اعلان وقف كل أشكال العنف، حتى ولو من
جانب واحد، واطلاق حملة شعبية جماهيرية لمقاومة الاحتلال، نحافظ فيها على
مصداقيتنا ونحظى بدعم العالم لنا ونحسن صورتنا ونكسب خصمنا.
·
بما
أن المقاومة ليست هدفاً بحد ذاتها بل تهدف إلى تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني
بالحرية والاستقلال والانعتاق من الاحتلال، وبما أن المستوى السياسي الرسمي لم
يطرح بعد خطة سلام واضحة المعالم، يمكن للحملة الشعبية أن تطرح تصوراً ابداعياً
لخطة سلام مبينية على قرارات الشرعية الدولية، والمبادرة السعودية التي تبنتها
القمة العربية، بحيث تكون ذات اطار عمل دقيق وجدول زمني محدد لا يتعدى الستة أشهر
للمفاوضات والسنة لتنفيذ الاتفاقيات خوفاً من الوقوع مجدداً في متاهة اتفاقيات
أوسلو أو المقترحات الأمريكية المزمع الاعلان عنها باقامة ما يسمى "بدولة
مؤقتة" لأن هذا سيؤدي حتماً إلى تضييع الوقت والقفز عن المستحقات والمماطلة
في تنفيذ القرارات.
·
إن
"المبادرة الوطنية الفلسطينية"التي أطلقها في السابع عشر من الشهر
الجاري في مؤتمر صحفي عقد في رام الله كل من الدكتور حيدر عبد الشافي والدكتور
مصطفى البرغوثي والدكتور ابراهيم دكاك، يمكن أن تكون قاعدة صلبة لانطلاقة جديدة في
العمل الوطني الراشد نحو تحقيق الأهداف المنشودة، لذلك يرجي توحيد الجهود ودمج كل
هذه الأفكار البناءة واتخاذ الوسائل الفعالة لتحويل الحلم إلى حقيقة، لأن إرادة
الشعب تعلو فوق الأصوات الشاذة وتحقق المستحيل. يجب على هذا الشعب أن ينهض من وسط
الرماد كطائر الفينيق ويسمو فوق الجراح ويحلق من جديد نحو المعالي في مصاف الشعوب
التي حققت الاستقلال والحرية. فنحن لسنا أقل قوة أو حظاً أو استحقاقاً من غيرنا.
·
أعتقد
بأنه يجب وضع الجماعة الدولية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد
الأوروبي والأمم المتحدة أمام مسؤوليتها للضغط على الطرفين للاسراع في انهاء العنف
والعودة إلى طاولة المفاوضات والالتزام بخطة سلام موافقة للشرعية الدولية، وإلا
فإننا سنبقى في دائرة التحيز الواضح والأعمى مع الجلاد ضد الضحية.
إن هذا الشعب الذي تألم
طويلاً وما زال، يحتاج إلى رؤية سلام وأفق أمل وشعاع نور في نهاية هذا النفق
المظلم، وإلا سيكتوي بنار الحيرة والقلق والتململ بالإضافة إلى نار الاحتلال
والحصار والفقر. لذلك فإننا نأمل بأن يتسع نطاق التأييد لهذاالنداء، الذي لا يدل
فقط على التعب من الأوضاع المحبطة، ولكن أيضاً الرغبة الحقيقية بالسلام وتحقيق
أحلام الاستقلال والحرية بالإضافة إلى الوعي الأخلاقي والإنساني باعادة تقييم المسيرة
لتقويمها واتخاذ الطرق الفعالة والكفيلة بتحقيق الأهداف الوطنية، "فالاعتراف
بالذنب فضيلة" كما أن "الخطأ من الإنسان أما الاستمرار في الخطأ فمن
الشيطان".