SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

ما أحوجنا إلى ابتسامة تغلب الموت!   الأحد 30/6/2002

 

وقعت خلال هذا الأسبوع على قصة رائعة، ورغم أنها خيالية إلا أنها غنية بالمعاني، يمكن أن تشحن النفوس بطاقة عظيمة في هذه الأجواء الضاغطة الخانقة المكهربة، لذلك لم أتمالك من أن أشارككم فيها وأنقلها لكم رغم أنها طويلة قليلاً، فأرجو أن يتسع صدركم لقراءتها لأنها شيقة وقد تزرع في قلوبكم الأمل وترجع إلى عقولكم السكينة وتطبع على شفاهم ضحكة أو ابتسامة:

 

حدث في الزمان الغابر البعيد عندما كانت الجبال لا تزال صبية تلهو وتلعب، أن وجد رجل صغير سعيد يحمل ابتسامة عجيبة يلقي بها كل أحد. فكان يبتسم للأطفال على صدور أمهاتهم وللطلبة في طريقهم إلى المدرسة. كان يبتسم للفجر وكان يبتسم للغروب كما كان يبتسم لظلال المساء. لم يكن في كل العالم إنسان أكثر سعادة منه.

 

وفي أحد الأيام عندما كان يتمشى بجانب الشواطئ الخضراء للنهر العظيم، وكانت الأشجار الكبيرة ترطب نفسها في المجرى، أبصر ستاراً من الظلام يقع على كتفيه فوقف وأحسَّ أن جسده يرتعش. كان الأمر غريباً. كان اليوم صاحياً بارداً. ولكنه لم يكن بارداً إلى الحد الذي يجعله يرتعش. التفت حوله بسرعة وهو يُعدُّ ابتسامته. ولكنه للمرة الأولى في حياته لم يستطع أن يبتسم!!

 

وسأل الرجل:"من أنت؟" فأجاب الغريب: "أنا الموت. وقد جئت لأنذرك أني سأعود إليك بعد سنة وشهر وأسبوع ويوم. ولذلك يحسن بك أن تتعجل استعدادك للقائي. إلى الآن لم يوجد من استطاع أن يهرب مني". ولما قال هذا اختفى، وكذلك اختفت كل الابتسامات من وجه الرجل الصغير. وقد قابل الأطفال على صدور أمهاتهم والطلبة وهم عائدون من مدرستهم وقابل الفجر والغروب... ولكن بدون ابتسامة!!

 

وكانت كلمات الموت ترن في أذني الرجل ليلاً ونهاراً "إلى الآن لم يوجد من استطاع أن يهرب من الموت". كان الرجل يقول لنفسه لا بد أن يكون هناك "أول من". لماذا لا أكون أنا "أول من" يهرب من الموت وينتصر عليه؟ تكلم بذلك للجبال. وتكلم بذلك للسحب الجميلة السابحة في الجو. ولكن لم يوجد من يخبره كيف يهرب من الموت. عندئذ قال إن الله أعظم من الموت... آه لو إنني أستطيع أن أتكلم إلى الله عن ذلك، لا شك في أنه يستطيع أن يخبرني عما يلزم أن أفعله!!! ولكن الله كائن عظيم وبعيد من الرجل الصغير ولذلك وقع صاحبنا في حيرة قاتلة!

 

أقبل الليل وصاحبنا يسير وقد نسي أن يعود إلى البيت. ولشدة تعبه غلبه النعاس فنام تحت شجرة البلوط العظيمة التي كانت ترسل أطراف أغصانها في جوف النهر. وكان نومه عميقاً وقد رأى في الحلم أنه ينام في جنة الله وقد جعل يتطلع نحو الملائكة ذوي البهاء وهم يتكلمون بصوت خافت الواحد مع الآخر. وأخيراً تمكن من أن يسمع بعض أحاديثهم!!

 

قال أحد الملائكة، لا شك أنه ليس من المحتم أن يموت. في الحق لا يمكن أن تموت ابتسامته!!

وسأل آخر، لكن كيف يكون ذلك؟ فأجاب الأول، ألا تعلم أن الابتسامات والضحك والمحبة لا يمكن أن تموت؟؟ وقال الملاك السائل، نعم أنا أعلم ذلك ولكن الرجل نفسه لا بد أن يموت!! فقال الأول: حتى أنت لا تفهم؟؟ إنه يستطيع أن يمرر ابتساماته وضحكه وكل معرفته للآخرين. في الحق يمكنه أن يمرر كل شيء صالح فيه للآخرين، وهم بدورهم يمررونه إلى أبنائهم الذي سيلدونهم. لا يمكن أن يموت. إن غلافه الخارجي فقط هو الذي سيموت!

 

واستيقظ الرجل الصغير، وهرع إلى بيته وجعل يبتسم! فابتسم للأطفال على صدر أمهاتهم!! وابتسم للطلبة في طريقهم إلى المدرسة!! ابتسم للعالم! نظر إلى الفجر وابتسم للغروب وقد بدا كما لو كانت الدنيا كلها تبتسم!

 

فلما حان ميعاد مجيء الموت لم يجد إلا غلافاً خاوياً لأن الرجل الصغير كان قد أعطى كل ما فيه للعالم، والعالم حمل ذلك إليك لتحمله في نفس الوقت للآخرين. ونظر الموت بانذهال إلى الغلاف الخاوي وهزَّ رأسه المستريب! هل مات الرجل حقاً، هل مات؟ كانت ابتسامته موجودة في كل مكان. لم يكن الرجل ميتاً. ولكن لم يكن أمام الموت ما يستطيع أن يحمله معه فالتقط الغلاف الخاوي وسار وقد تدلى رأسه إلى صدره وضحكت كل الدنيا لأن الموت صار من ذلك الوقت عاجزاً عن أن يقول إنه لم يوجد في العالم من استطاع أن يهرب منه!!

 

صحيح بأن القصة خيالية ولكنها ذات معاني رائعة ما أحوجنا إليها في هذه الأوقات الحزينة القاتمة الضبابية، حيث تتحالف قوى الظلم والظلمة والموت لتقتل في نفوسنا الهمة والحمية، وتنتزع من شفاهنا وشفاه أطفالنا الضحكة والابتسامة، ووسط الدمار والدموع والدماء نمر في مرحلة حرجة يسيطر عليها القلق والحيرة وعدم وضوح الرؤية. من هنا حاجتنا للضحكة والابتسامة حتى ولو كان القلب "حزيناً مطفياً"، علينا أن نأخذ العبر من هذه القصة:

1)   لا شيء يمكن أن يتغلب على روح شعب يؤمن بعدالة قضيته.

2)   علينا أن نهزأ بكل قوى الموت والدمار في العالم لأن الكلمة الأخيرة ليست لها بل للحق.

3)   نحن أقوى من الظروف الصعبة وبصمودنا واصرارنا يمكن أن ننتصر.

4)   في هذه الأوقات بالذات نحن بحاجة للفرح لكي يبقى الأمل يعمر القلوب.

5)   إن الروح المعنوية تغذي الروح الجماعية في المجتمع الذي يتعرض لهزة قوية.

6)   إن الآلام والتضحيات لا يمكن أن تذهب سدى بل تأتي بثمار جمة آجلاً أم عاجلاً، فصبراً.

7)   يمكن أن يأخذوا منا كل شيء حتى حياتنا ولكن لا يمكن أن يهلكوا روحنا.

8)   إن الأضرار والدمار يمكن أن تبنى وتعوض ولكن دمار الذهن والقلب لا يمكن أن يعوض.

9)   كلمة لطيفة وابتسامة عذبة وضحكة بريئة ونكتة ظريفة لا تكلف كثيراً ولكن فعلها كبير.

10) أن تتألم بفرح وتقبل الصليب مرفوع الرأس خير من أن يغلبك الألم ويكسر عنفوانك الصليب.

 

وأنهي هذا الحديث عن الفرح الداخلي بكلمات معزية رائعة من القديس بولس الرسول، إذ يحث المؤمنين على الفرح قائلاً: "افرحوا دائماً في الرب وأقول لكم أيضاً افرحوا، ليعرف حلمكم عند جميع الناس. إن الرب قريب. لا تكونوا في همِّ أبداً، بل ارفعوا حاجاتكم إلى الله كلما صليتم وابتهلتم وحمدتم، فإن سلام الله الذي يفوق كل إدراك يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع".

 

وسط الظلام ورغم الجراح، وبسبب الأحزان والآلام نحن بحاجة للفرح، لذلك نقول لكل واحد من أبناء هذا الوطن: ابتسم، اضحك، افرح، فأنت أقوى من الألم والحزن والموت.

 

                                                    الأب رائــد عــوض أبو ســاحلية