|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
بعض الأساليب اللاعنفية لمواجهة
سياسة العزل والفصل الأحد 7/7/2002
لقد "طفح الكيل وبلغ
السيل الزبى" فإن شعباً محاصر ووطناً مصادر من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق
الى الغرب، كل قرية ومدينة ومخيم، كل شارع وزقاق وحارة. فإن سياسات الحصار
والإغلاق والفصل والعزل وفرض منع التجول وتقييد حرية الحركة بلغت حداً لا يطابق
ولا يقبل ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر مع بداية القرن الحادي والعشرين ولا حتى
في القمر أو المريخ. والعالم يرى ويسمع ولكنه صامت، فأمريكاً تؤيد بحجة حق الدفاع
عن النفس وأوروبا تخشى أن تقول كلمة حق، وإسرائيل تستبيح كل الحرمات وتسمح لنفسها
كل هذه الإجراءات بحجة محاربة الإرهاب وتوفير الأمن لمواطنيها، فها السور الفاصل
يبنى على طول الوطن يأكل أراضي المواطنين ويجرف أشجارها ومزروعاتها، وها الأسلاك
الشائكة تمتد حول مدينة القدس والقرى والمدن بالإضافة إلى الحواجز العسكرية التي
تقطع أوصال الطرقات ناهيك عن مئات الطرق الرئيسية والفرعية المغلقة بالأتربة
والمكعبات الإسمنتية.
كل شيء يصبح عادياً
طبيعياً في تصاعد متواصل ولا عودة إلىالوراء ولا تقدم إلى الأمام ولا بصيص أمل في
الأفق ولا خصلة نور في آخر النفق المظلم. إنها سياسة الأمر الواقع تتواصل وتنتك
أبسط حقوق الأنسان في حرية الحركة والعمل والتعليم وتجعل لقمة العيش مغموسة بالعرق
والدمع والدم، رامية بعرض الحائط كل مواثيق الشرعية الدولية التي تحمي الأرض
والإنسان وقت الإحتلال، إنها ببساطة جرائم حرب بكل معنى الكلمة، ولكن الفرق أنها
جرائم "عالمكشوف" كما نقول "على عينك يا تاجر" أو بالأحرى
"على عينك يا عالم" والمضحك المبكي أنها من غير حساب ولا عقاب، والويل
لمن يرفع الصوت ويتجرأ على قول كلمة ولو همساً فإن تهمة معاداة السامية ستلبسه
كظله إلىالأبد.
لا حاجة لمزيد من
الوصف، فإنكم تعرفون كل هذا وأكثر، لا بل تعيشونه كل يوم ليل نهار، وتعانون منه
وتختبرونه على جلودكم. لا يمكن السكوث أكثر، يجب أن نقولها وبالفم الملئان بأن هذا
ينبغي أن ينتهي مرة واحدة وللأبد وباسرع ما يمكن، خوفاً من أن يتحول نظام حياة
وأمراً طبيعياً وأي تخفيف أو تسهيل سيسمى مراعاة إنسانية أو بادرة حسن نية. إننا
لا نطلب المستحيل، ولا نشحد معروفاً أو إحساناً، وكأنهم يتمننون علينا بأن يخففوا
طوقاً أو يرفعوا منعاً للتجول أثناء النهار ويفرضونه ليلاً، إننا نطالب بأبسط حقٍ
طبيعي لنا وهبنا إياه الله تعالي "فكيف تستعبدون الناس وقد خلقهم الله
أحراراً". نعم، أنهوا الحصار، إرفعوا منع التجول، اخرجوا من المدن والقرى
والمخيمات، أوقفوا سياسة الفصل والعزل، أنهوا الاعتقالات والتصفيات، افرجوا عن
آلاف المعتقلين، ولتعد الحياة إلى طبيعتها وليتنفس الناس بحرية ويتحركوا بحرية
ويعملوا بحرية وليلعب الأطفال في الشوارع وعلى ركام البنايات التي دمرتموها
وينفضوا غبار الطرقات التي حطمتها جنازير دباباتكم.
ماذا حدث لنصل إلى هذه
الحالة التعيسة؟ إسمعوا هذه القصة: كان الفأر داخل القفص وفي داخل القفص فخ تقبض
عليه، رأى القط هذا المنظر فخشى على نفسه فالفأر خطير لا بل إرهابي، فقام بالدخول
إلى القفص ليحكم السيطرة ويشدد الحراسة، فدخل وقرر أن يبقى داخل القفص، ولكن هذه
المرة ليكتم الأنفاس كما يبدو! وماذا حدث للعالم الصامت؟ اسمعوا هذه القصة: دخل
الأسد إلى بيت الحماة وأوشك الانقضاض عليها، فقيل لزوج بنتها ما حدث، فقال "خليها
بتستاهل، ولكن خوفي على الأسد المسكين.. معلش الله يعين!". فما هو رأيكم:
ماذا سيفعل الفأر في القصة الأولى؟ وماذا ستفعل الحماة في القصة الثانية أمام هذا
الخطر الداهم؟ وما رأيكم بتصرف القط في القصة الأولى والأسد في القصة الثانية؟ هل
معهما حق ويستحقان الشفقة والتصفيق؟ أم أن على أهلها جنت براقش؟ ومن حفر حفرة وقع
فيها؟ أم حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس؟ أم بوس الإيد وادعيلها بالقطع؟ أم
اللي بوخذ إمي هو عمي؟ أم أن الكف ما يناطع المخرز؟ أم أن الحق للقوة أم القوة
للحق؟ أم أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة؟ أم أرجع سيفك إلى غمده فمن أخذ
بالسيف بالسيف يهلك؟
تعددت الأجوبة ولكن
الحل واحد لا لسياسة القط والفار، لا لسياسة الاحتلال، لا للعزل والفصل، لا للعنف
والارهاب، لا للأسد الزائر، لا لشريعة الغاب، لا للقوة الغاشمة، لا للغة السلاح،
لا لانتهاك حقوق الانسان، لا لاستعباد الأحرار، لا يمكن من الحق الفرار، فالحق
يعلو ولا يُعلى عليه، وفي نهاية المطاق لا يحق إلا الحق والباطل سيسقط ويذهب هباء
منثوراً.
وإننا من هنا ندعو ليس
فقط إلى رفع الصوت والتنديد والاستنكار ومناشدة دول العالم لرفع الحصار، بل للعمل
الجاد والفعال لرفع الظلم والمعاناة... فلا بد من اندحار الاحتلال وانتصار الحقيقة
والحرية والاستقلال. وأقترح بعض الخطوات العملية التي يمكن استخدامها كاستراتيجية
لاعنفية جديدة تتوافق والمرحلة الحالية علماً بأنها تحتاج إلى تغطية إعلامية
ومشاركة جماهيرية:
1) يجب كسر نظام منع التجول المفروض ليل نهار
والذي يرفع لساعات معدودات مما يشل حياة الناس الطبيعية، وذلك بالتوجه إلى الشوارع
يومياً بأعداد ضخمة دون الأخذ بالحسبان للتواجد العسكري شريطة عدم مواجهتها حتى
بالحجارة لتفويت الفرصة أمام ردة فعلها الممكنة.
2) يمكن رفع أعلام سوداء أو بلاليين ضخمة ملونة
فوق أسطح كل المنازل علامة احتجاج على سياسة تواجد الجيش في المدن الفلسطينية.
3) يمكن تنظيم أعداد كبيرة من الأطفال الذين
يحملون الورود أو تذاكر سفر رمزية أو رسائل وداعية يسلمونها للجنود في الشوارع
ومطالبتهم بالرحيل والعودة إلى تل أبيب مع الأمنيات بطيب السفر والعودة السالمة
إلى بيوتهم وعائلاتهم وعدم الرجوع إلى مدننا وقرانا ومخيماتنا.
4) يمكن قرع أجراس جميع الكنائس يومياً ولمدة
طويلة كما ورفع الآذان من المساجد مع رسالة واضحة برفض التواجد العسكري والدعوة
إلى صلوات جماعية جماهيرية في الشوارع والساحات حتى ولو كانت أمام الجنود
والدبابات والحواجز العسكرية.
5) يمكن اختيار أساليب الإزعاج التي تصدر أصواتاً
قوية وغريبة مثل السافرات أو قرع الطبول أو الطناجر والأدوات المنزلية حتى في داخل
البيوت أو أسطح المنازل وخاصة في فترات الليل ولمدة طويلة ومستمرة بحيث تقلقع راحة
الجنود المتواجدين في الأحياء السكنية.
6) وأخيراً، ومن أغرب الأفكار التي وصلتني من
صحفي يهودي صديق لي، فقد كتب يقول: "إني أرى بأن الشعب الفلسطيني يعيش الآن
في سجون ومعتقلات صغيرة داخل سجن كبير كما كنا نعيش نحن في معتقلات النازية، لذلك
فأنا أنصح بأن يلبس كل الفلسطنيين ملابس الاعتقال باللون الأبيض والأسود ويضعون
على أكتافهم نجمة داؤد لكي يقولوا لليهود بأنهم يعملون تماماً ما حدث معهم ويقولوا
للعالم بأن المأساة تتكرر والتاريخ يعيد نفسه ولكن ليس في ألمانيا وعلى يد النازية
ولكن في فلسطين وعلى يد اليهود".
هذه أفكار غريبة عجيبة
تحتاج إلى وعي وقيادة ومشاركة جماعية، أرجو أن تفيد في توجيه المسيرة ومواجهة
الهجمة الجديدة، بحيث تتحول إلى نهج لاعنفي سلمي يؤدي إلى تسريع نهاية الاحتلال
وابطال مفعول كل أجراءاته الظالمة، وإثبات أن سياسة العزل والفصل لن تحبط مسعى
الحرية ولن تثبط عزم الشعب على تحقيق الاستقلال. ومع ذلك فأنا أفضل أن يفهم
الاحتلال الرسالة ويسمع صوت الحق بأن سياسات العزل لن تؤدي إلى أية نتيجة تؤمن
الأمن والاستقرار للإسرائيليين والأجدر بهم أن يغيروا النهج أيضاً وينتقلوا من
الفصل إلى الوصل ومن العزل إلى الانفتاح، وليتعلموا دروس التاريخ بأن سياسة
الأبرتهايد في جنوب أفريقيا أصبحت في خبر كان وانتصر نيلسون مانيدلا كما أن سور
برلين انهار نهائياً واتحدت الألمانيتين، والحبل على الجرار والفجر أتٍ والباب
دوار، فيوم لك ويوم عليك، وكلمة الفصل هي للحق والحرية والاستقلال والانتصار، فليس
من هذه الحقيقة فرار!
الأب
رائـد عــوض أبـو ساحلية