SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

الذين يزرعـون بالدموع يحصدون بالترنيم الأحد 14/7/2002

 

أتاحت لي جريدة "القدس" مشكورة كتابة هذه الزاوية منذ 25 شباط 2001 أي أني كتبت حوالي 72 حديثاً وقد تنوعت مواضيعها بين الدينية والاجتماعية والسياسية والإخبارية، وحاولت دائماً أن اقوم بقراءة مسيحية لأحداث الساحة الفلسطينية والعربية والعالمية، وستنشر هذه الأحاديث قريباً في كتاب بعنوان "أحاديث حول الأحداث: محاولة قراءة مسيحية فلسطينية" راجياً أن يكون مفيداً في توثيق هذه المرحلة المهمة والحاسمة من تاريخنا إذ أني أعتبر نفسي جزءاً لا يتجزأ من هذا الوطن ومن هذا الشعب، وما هدفي إلا المساهمة في طرح رؤية جديدة من زاوية مختلفة.

وأشعر بعد هذا المشوار الطويل بضرورة الاستمرار في الكتابة بصوت عالٍ ولكن باسلوب جديد: فبعدما كنت أنطلق من الأحداث وأصل إلى الرؤية المسيحية، فإني أريد أن أقلب الصورة وأنطلق من الرؤية المسيحية المبنية على الإنجيل المقدس  وأقرأ الأحداث بعيون الإيمان. وهذه الطريقة ليست سهلة لأنها قد تفسر "بخلط الأوراق"، فالبعض يرى بأن رجل الدين يجب أن يهتم فقط بأمور السماء ناسياً أمور الأرض، وأن يتكلم عن الله متناسياً هموم الناس، ولكني أرى الأمر عادياً لا بل ضرورياً، لأن الدين هو جسر بين السماء والأرض وبين الأرض والسماء، وقناة توصل تعاليم الله إلى الناس، وترفع حاجات أهل الأرض إلى الله، وبما أن هذا الحوار متواصل، فما زال الله يكلمنا "اليوم وهنا والآن" عبر كلمته الأزلية في الكتب المقدسة، فإن محاولتي هذه ممكنة وحالية.

وهاكم المحاولة الأولى وهي مستمدة من قراءات هذا الأحد الخامس عشر من زمن السنة العادي بحسب التقويم الليتورجي للكنيسة الكاثوليكية. وكذا ستكون سلسلة هذه الأحاديث القادمة مبنية على النصوص الإنجيلية المخصصة لكل يوم أحد ولو على آية واحدة، فكل كلمة تخرج من فم الله وزنها ذهب.

في قراءات هذا الأحد نقرأ من سفر أشعيا النبي هذه الكلمات: "وكما ينزل المطر والثلج ولا يرجعان ثانية إلى السماء، بل يرويان الأرض ويجعلانها تجود فتنبت نبتاً وتعطي الزارع زرعاً والآكل خبزاً، كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما شئت أن تعمله وتنجح في ما أرسلتها له" (55: 10-11). وهذا دليل اضافي على أن للسماء رسالة لأهل الأرض، وهذه الرسالة مهمة وفعالة وتأتي بثمار كثيرة إذا أصغينا إليها، لأن فيها قوة الله ونعمته، فلنفتح قلوبنا وعقولنا ومسام أجسادنا لهذه الكلمة ونستقبلها كما تستقبل الأرض المطر وتعطي الثمر. فالماء إذا نزل يروي الأرض وينعش الزرع والشجر ويروي الحيوان والبشر، وإذا سال عن الأرض الصلبة يكوِّن السيول والأنهار والبحيرات والمحيطات، وإذا اخترق جوف الأرض تتشكل المياه الجوفية والآبار الإرتوازية، وحتى إذا تبخر يكوِّن الغيوم والضباب وينزل على شكل الندى والمطر من جديد. إن الماء عماد الحياة وأساس دورة الطبيعة، وكذلك كلمة الله هي غذاء الإنسان وعماد حياة البشرية.

أما في الإنجيل فيروي لنا السيد المسيح مثل الزارع الذي خرج ليزرع فوقع بعض الحبِّ على الطريق فجاءت الطيور فأكلته، ووقع بعضه على الأرض الحجرة قليلة التراب فنبت ولكنه احترق مع الشمس لأنه كان بلا جذور فيبس. ووقع بعضه على الشوك وطلع الشوك وخنقه، ومنه ما وقع على على الأرض الطيبة، فأعطى بعضه مائة، وبعضه ستين وبعضه ثلاثين". وأنهى يسوع مثله بقوله "من كان له أذنان سامعتان، فليسمع" والواقع أن كل الناس لديهم أذنين ويستطيعوا أن يسمعوا إلا إذا كانوا مصابين بالطرش، ولكن العالم لا يسمع في هذه الأيام، بل يضع "في أذن طينه وفي الأخرى عجينه" ولا يريد أن يسمع كلمة الله لأنها تلزمه بأن يغير حياته وسلوكه وتوجهاته، وحتى إن سمع فالكلمة لا تستقر في قلبه بل "تدخل من أذن وتخرج من الأخرى". يبدو أن القلوب حجرة، مليئة بالشوك قليلة العمق.. فيا ليت العالم يسمع! "فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله!

 

ومن الغريب أن نعرف بأن كلمة الله لهذا الأحد تتكلم عن مخاض الأرض وليس فقط البشر: "وأرى أن آلامنا في هذه الدنيا لا توازي المجد الذي سيظهر فينا. فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر ظهور أبناء الله... فنحن نعلم أن الخليقة كلها تئن حتى اليوم من مثل أوجاع الولادة. وما هي وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئن في أعماق نفوسنا منتظرين من الله التبني وافتداء أجسادنا". ونفس القراءة تزرع الأمل وتنبيء بأن الأرض والخليقة "ستتحرر من عبودية الفساد لتشارك أبناء الله في حريتهم ومجدهم" ولكن هذه الحرية تحتاج إلى الانتظار والصبر "فإننا على الرجاء ننتظر وبالصبر نرجو". ونحن نرى تماماً بأننا نعيش مثل هذه الحالة في الحجر والشجر والبشر في هذه الأيام البالغة الصعوبة، وكأننا نمر في آلام المخاض، ولكن هذه الآلام هي التي تؤذن بالولادة الوشيكة، إذ يقول السيد المسيح في موقع آخر، بأن المرأة تفرح بعد الولادة لا بل تنسى آلامها لأن مولوداً قد جاء إلى الحياة.

 

إن قراءات هذا الأحد غنية جداً تركز على كلمة الله وتدعونا إلى الاصغاء إليها بآذاننا، وتأملها في عقولنا وحفظها في قلوبنا والعمل بها في حياتنا وإعلانها بأفواهنا. فلا نكتفي بقراءتها أو دراستها ولا حتى حفظها عن ظهر قلب، لأنها كلمة حياة وكلمة للحياة. ومن هنا ضرورة هذا التجاوب والتفاعل بأن نهيأ لها قلوبنا وحياتنا مثلما يحضر الفلاح أرضه للمطر بحرثها وتعزيلها من الحجارة وزراعتها بأفضل الحبوب لكي تعطي أحسن الثمار.

 

أما العبرة الثانية من كلمة الله فهي أن حالة الألم والأنين في الطبيعة، في الخليقة، في الحياة الشخصية والعامة هي جزء لا يتجزأ من الحياة، فلا يمكن الوصول إلى المجد إلا عن طريق الألم ولا يمكن بلوغ النجاح إلا عن طريق الجهد والجهاد، ولا يمكن أن نحصد إلا إذا زرعنا، فالذين يزرعون بالدموع يحصدون بالترنيم. إن الآلام هي مرحلة ضرورية لا بدَّ منها إذا أردنا الوصول إلى النتائج المرجوة. وفي حالتنا، إن الثمن الباهض الذي يدفعه شعبنا ثمناً لحريته هو الضريبة الحتمية التي لا بدَّ منها إذا أردنا استعادة كرامتنا وأرضنا، والحمد لله أن النتيجة الحتمية ستكون لا محالة النصر والاستقلال مهما طال المطال وعظم الانتظار، فلا بدَّ من الصبر قبل النصر "فالصبر مفتاح الفرج"! ولن تسقط كلمة من كلام الله على الأرض "فالسماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول" المعلم يقول!

 

                                             الأب رائــد عـوض أبـو سـاحليـة