|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
المعضلات الوجودية التي ما انفك يطرحها الإنسان منذ
فجر التاريخ تبدأ بسؤال لماذا؟ لماذا الموت؟ لماذا الشر؟ لماذا الألم؟ فإن كان
الله إله أحياء وليس إله أموات فلماذا يسمح بالموت؟ وإذا كان مصدر الخير المطلق
فكيف يسمح بالشر؟ وإذا كان يحب الإنسان فلماذا يسمح بالمرض والألم؟ وفي هذا المجال
فإن السؤال التقليدي يدور حول ألم البريء والصمت عن تمادي الشرير في شره! فإن كان
الله عادلاً فلماذا لا يعاقب الشرير ويوقفه عند حده أو على الأقل ينصف البريء
وينصره على أعدائه؟
كل هذه الأسئلة وغيرها مطروحة في قراءات هذا الأحد:
ففي القراءة الأولى من سفر الحكمة نقرأ: "فأنت
أيها الرب عادل تعمل كل شيء بالعدل وترى أن الحكم على من لا يستحق العقاب منافياً
لقدرتك... ولأنك رب الجميع وجبروتك مصدر كل عدل فأنت تترفق بالجميع.. وبما أنت
عليه من القدرة تحكم بالإنصاف وتؤدبنا بمنتهى العطف وتمارس جبروتك ساعة تشاء..
ومنحت أبناءك رجاء كبيراً بإعطائهم فرصة للتوبة". يربط النص بين قوة الله
وعدله ورحمته، فبالرغم من أنه قوي وعادل إلا أنه رحيم يعطي فرصة للتوبة وتغيير
الحياة حتى للخاطئين الذين يستحقون العقاب... ولكنه في النهاية يمارس جبروته ساعة
يشاء، أي أنه يمهل ولا يهمل.
فعندما نرى ما يحدث من عنف وظلم وشرور أمام عيوننا
وعيون العالم، نصرخ إلى الله ونطلب العدل لا بل نطالب الله بالتدخل ووضع حد لما
يحدث من تعدٍ وكثيراً ما نسمع "منكم لله" أي أننا نوكل الله بأن يأخذ
حقنا وينصفنا أو ينزل العقاب بخصمنا. إن العبرة واضحة صريحة نجدها في نهاية الفصل:
"والذين لم يتأدبوا بمثل هذه السخرية ذاقوا من الله العقاب الذي
يستحقون". أي أنهم لن يفلتوا من العقاب، فلن يذهب من غير عقاب الشر الذي
يقترفونه يوماً بعد يوم، فلنسلم أمرنا لله "فلي الانتقام يقول الله".
وفي القراءة الثانية يشعر الإنسان بضعفه أمام الصعاب
والمحن ولا يعرف ماذا يفعل؟ فيأتي الجواب: "إن الروح يسرع لنجدة ضعفنا، فنحن
لا نعرف كيف نصلي كما يجب، ولكن الروح يشفع لنا عند الله بأنات لا توصف" أي
أنه يعرف حاجاتنا ويرى ما في قلوبنا ويلبي طلباتنا بما يوافق مشيئة الله. فلماذا
القلق أو الخوف "فنحن نعلم أن الله يسخر كل شيء لخير الذين يحبونه" فهل
نؤمن بأن الشدة الحاضرة ممكن أن تؤول إلى الخير؟ فلا تكرهوا شراً لعله خير! فإن
الله قادر أن يصنع من الشر خيراً.
وقمة الجدل حول الشر في بني البشر وفي العالم نراه في
الإنجيل حيث يضرب يسوع مثل الزؤان في الحقل: "يشبه ملكوت السموات رجلاً زرع
زرعاً جيداً في حقله. وبينما الناس نيام، جاء عدوه وزرع بين القمح زؤاناً ومضى.
فلما طلع النبات وأخرج سنبله ظهر الزؤان معه". فمن أين جاء الزؤان؟ وما هو
العمل؟ أراد الخدم أن يقلعوا الزؤان ولكن صاحب الحقل فضل الصبر "لا، لئلا
تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان، فاتركوا القمح ينمو مع الزؤان إلى يوم الحصاد،
فأقول للحصادين: اجمعوا الزؤان أولاً واحزموه حزماً ليحرق وأما القمح فاجمعوه إلى
مخزني".
هناك تفسيران لهذا المثل: تفسير حالي يتعلق بالحياة،
وتفسير أخروي يتعلق بالحياة الأخرى أو الدينونة، وفي كلا الحالتين فإن الزؤان (أي
الشر والأشرار) ليس له مستقبل غير الحرق، بينما القمح (أو الخير والأبرار) فإنه
يكافأ بالسعادة الأبدية: "هكذا يكون في نهاية العالم: يرسل ابن الإنسان
ملائكته، فيجمعون من ملكوته كل المفسدين والأشرار ويرمونهم في أتون النار، فهناك
البكاء وصريف الأسنان. وأما الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم".
نلاحظ في هذا المثل:
-
إن الله زرع أصلاً القمح الجيد في الحقل أي أنه زرع الخير في الإنسان وأراد
الخير العالم: "ورأى الله أن كل شيء كان حسن جداً". ولكن دخول الشر عن
طريق إبليس جاء نتيجة لخطيئة الإنسان. فهناك ثلاثة أسباب للشر: سبب خارجي وهو
إبليس أي الشيطان، وسبب داخلي في باطن الإنسان وهو الخطيئة أي الميل للشر، وسبب
محيط به وهو العالم أو حتى الآخر الذي يزعجنا في كثير من الأحيان ويقلق راحتنا
ويخطط ليل نهار لزرع الفساد والفتنة.
-
إن الله يسمح بالشر ولا يريده على الإطلاق، فهو يترك المجال للأشرار ولكنه
في النهاية سيحاسب كل إنسان على ما صنعت يداه خيراً كان أم شراً، فكل واحد سيؤدي
الحساب أمام عرش الله ولن يفلت منه أحد مهما كان عظيماً أو متجبراً.
-
يبدو أن الصراع بين الخير والشر جزء لا يتجزأ من سنَّة الحياة، فهذه
الثنائية ترافقنا من المهد إلى اللحد، فهناك الأبيض والأسود، وهناك الليل والنهار،
وهناك النور والظلمة وهناك الفرح والحزن، وهناك الحياة والموت، ولكن إيماننا
المسيحي يؤكد لنا بأن مصيرنا بأيدينا: "اليوم جعلت بين أيديكم الموت والحياة،
الخير والشر، البركة واللعنة، فاختر الحياة تحيا واختر البركة تتبارك أنت
وبنيك" بمعنى آخر إننا نحصد ما نزرع!
-
لن يضيع سدى أي عمل خير ولو صغير، فيسوع يعطينا في نفس السياق، مثل حبة
الخردل وهي أصغر البذور التي تصبح شجرة كبيرة، ومثل الخميرة التي أخذتها امرأة
ووضعتها في ثلاثة أكيال من الدقيق حتى اختمر العجين كله. وهذا دليل واضح بأن أصغر
الأعمال تأتي بأعذب الثمار، والعكس صحيح، فمهما صغر الشر فإنه يزرع الدمار فكما
النار تحرق غابة فكذلك الشر لن يفلت من العقاب مهما طال الزمان، فإن ضاع الحق في
هذه الأرض فلن يضيع في الآخرة، لأن الله رحيم ولكنه عادل.
من
هنا، نقول لاخوتنا في الجرح والألم، "إن الصبر هو مفتاح الفرج" فمهما
اعتقد الخصم بأنه مطلق اليد في الشر والظلم فإن الإنسان يجني ثمار ما تزرع يداه
خيراً كان أم شراً، فحبل الكذب قصير ودجاجة حفرت على راسها عفرت ولكل ظالم نهاية
ومن يزرع الريح يحصد العاصفة. وويل للمغلوب! من كان له أذنان، فليسمع!
الأب رائــد عــوض أبـو سـاحليـة