|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الحُـكـم
حِكْمَـة وخِـدْمَـة الأحد 28/7/2002
تصور لو أن الله سبحانه وتعالى يظهر ويقول لك "أطلب ما أعطيك"
فماذا سيكون طلبك؟ أترك لكل واحد الاجابة، ولكن تعالوا نسمع ماذا طلب سليمان
الحكيم عندما تجلى له الرب في الحلم قبل أن يعتلي عرش أبيه داؤد بعد موته.
قال سليمان: "أيها الرب إلهي، أنت ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا غلام
صغير السن، لا أعرف أن أخرج وأدخل، وعبدك فيما بين شعب عظيم لا يحصى ولا يعد
لكثرته، فهب لعبدك قلباً فهماً، ليحكم بين شعبك ويميز بين الخير والشر". لقد
استحسن الله هذا الجواب الحكيم المليء بالتواضع فقال له: "بما أنك سألت هذا
الأمر، ولم تسل لك أياماً كثيرة، ولا سألت لنفسك الغنى، ولم تطلب نفوس أعدائك، بل
سألت لنفسك تمييزاً لتفقه الحكم، فهاءنذا قد فعلت بحسب كلامك، هاءنذا قد أعطيتك
قلباً حكيماً فهماً، حتى إنه لم يكن قبلك مثلك، ولا يقوم بعدك مثلك".
وبالفعل، نال سليمان الحكمة مع الغنى لدرجة أنه أصبح يضرب به المثل في
الحكمة والغنى وأصبح يلقب بسليمان الحكيم. إن هذه رسالة لكل حكام وملوك ورؤساء
وسلاطين العالم، فالحكم من الحكمة، وهذه أفضل تسمية أحسن من كلمة رئيس ورئاسة،
وملك ومملكة وسلطان وسلطة وسلطنة، لأنها كلها توحي بالسيطرة والتسلط والامتلاك
والتكبر والاستعلاء والتحكم بمصائر الشعوب والسيطرة على رقاب البشر. فكلمة الحكم
يمكن أن تدل على التحكيم أي القضاء بين الناس ومن هنا كلمة الحاكم، وتعني الحكم أي
إصدار الأوامر وتدبير شؤن الناس ومن هنا تأتي كلمة الحكومة، ويمكن أن تدل على
الحكمة أي الفهم والعلم والمعرفة ومن هنا كلمة الحكيم. وليس من الغريب أن نرى بأن
أفلطون قد عين فيلسوفاً على رأس جمهوريته لأن الفيلسوف هو محب الحكمة أو بالأحرى
الباحث عن الحقيقة.
ولكننا في هذه الأيام نرى بأن قادة العالم يحكمون ويرسمون ويتحكمون
ويستعملون المنصب للجاهة والوجاهة ويحتفظون بالكرسي لمصالحهم الخاصة ويتسلطون على
العباد. وهذا هو الفرق الشاسع مع المباديء الإنجيلية حيث يرى السيد المسيح
"بأن كبير القوم خادمهم"، إذ أنه أجاب أم التلميذين يعقوب ويوحنا التي
طلبت أن يجلس ابناها واحد عن يمينه وواحد عن يساره عندما يأتي في ملكوته:
"تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونها، وأن عظماءها يتسلطون عليها، فلا يكن هذا
فيكم، بل من أراد أن يكون عظيماً فيكم فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون الأول
فليكن لجميعكم عبداً". وقد أعطى يسوع من نفسه مثلاُ: "لأن ابن الإنسان جاء
لا ليخدمه الناس، بل ليخدمهم ويفدي بحياته كثيراً منهم".
وبالفعل، فهذا كان موقف يسوع عندما سأله بيلاطس: "هل أنت ملك؟"
فأجابه أنت قلت، إني ملك، ولكن مملكتي ليست من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا
العالم لدافع عني جنودي". إن يسوع يؤسس لملكوت جديد من نوع آخر، فمنذ بداية
رسالته أعلن :"توبوا فقد اقترب ملكوت السموات" وقال أيضاً: "إن
ملكوت الله فيما بينكم" ثم قال: "إن ملكوت الله في داخلكم" وعلمنا
أن نصلي "ليأت ملكوتك"، وهنا الملكوت تعني ليس فقط الحياة الأخرى حيث
الفرح الدائم لرؤية وجه الله ودار النعيم وجنة الخلد، ولكن الملكوت هو حضور الله
في العالم عندما يملك على القلوب وبين البشر فيصبح كلاً في الكل. عندما يكون له
مكان الصدارة وحصة الأسد في حياتنا.
لذلك فهو في إنجيل اليوم "يشبه ملكوت السموات، بكنز دفن في حقل، وجده
رجل فأعاد دفنه، ثم مضى لشدة فرحه فباع كل ما يملك واشترى ذلك الحقل". وقال
أيضاً: "ومثل ملكوت السموات، كمثل تاجر كان يطلب اللؤلؤ الكريم، فوجد لؤلؤة
ثمينة، فمضى وباع جميع ما يملك واشتراها". أي أن الإنسان يكرس كل جهده ويوجه
كل حياته وطاقاته نحو الهدف الذي يسعى إليه فيضع دم قلبه من أجله "فحيث الجثة
تجتمع النسور، وحيث كنزك فهناك قلبك". فملكوت الله هنا والآن وفيما بيننا ليس
بعيداً وراء السحاب في السماء!
قد يقول البعض إن مثال سليمان الحكيم، ومثال السيد المسيح لا ينفع كدليل
للحكم في وقتنا الحاضر حيث "السياسة بلا دين" لا بل فن الدبلوماسية
واللف والدوران والدسائس والمصالح والمؤامرات. يظهر بأن العالم يرجع إلى الوراء
بدلاً من التطور والتقدم إلى الأمام، حيث العدل والمساواة والتضامن والأخوة
البشرية، في عصر المعاهدات والاتفاقيات والأمم والمتحدة وحقوق الإنسان. إني أرى
بأن الحق للقوة، والقوي يسيطر على الضعيف والكبير يأكل الصغير، فالبقاء للأقوى
"كشريعة الغاب"، والغني يزداد غنى والفقير يزداد فقراً، والعالم الذي
أصبح قرية صغيرة في عصر العولمة أصبح عالماً مجرداً من القيم والأخلاق والمباديء
السوية والسليمة بل يسبح في دهاليز الظلم والظلمة.
من هنا حاجتنا لمراجعة كل شيء ووضع النقاط على الحروف وعلى أسس متينة:
-
الحكم
من الحكمة، ولذلك طلب سليمان قلباً فهماً ليميز بين الخير والشر. ولذلك قال جبران
"ويل لأمة سائسها ثعلب وفيلسوفها مشعوذ" وقال أيضاً "ويل لأمة تحسب
المستبد بطلاً وترى الفاتح المذل رحيماً". كم نحن بحاجة إلى مجلس حكماء وليس
لمجلس حكام ووزاء يتربعون على كراسيهم الفارهة ويحكمون في حكومة!؟
-
الحكم
خدمة، لذلك قال السيد المسيح: " من أراد أن يكون عظيماً فيكم فليكن لكم
خادماً" فيا ليتنا نتخلص من مفاهيم الرئاسة والملك والسلطنة ونؤسس لمفاهيم
الخدمة والتضحية والبذل والعطاء،
بحيث يكون القائد من يقود المسيرة وليس من يصدر الأوامر من مكتبة الفاخر في قصره
العامر حيث يلقب بصاحب السيادة والفخامة والجلالة والمعالي ويحاط بالخدم والحشم!!
-
الملك
لله والملكوت بيننا: إن الله وكل الإنسان بالأرض لينمو ويكثر وليس ليسخر البشر
والحجر والشجر، ولا ليزيح الله جانباً وينصب نفسه مكانه، الأرض ملكوت الله وكل
إنسان هو ابن لله وكلنا أخوة، فهل يمكن أن نبدأ الملكوت من الآن حيث يملك الله على
حياتنا وفي قلوبنا وبيننا؟!
-
وفي
حالتنا، فإن الصراع الدائر على الأرض أمر حقيقي وجدي وخطير، ولكن الناس يضيعون بين
الأرجل وعلى حساب مصالح ومكاسب السياسيين الذي يتمسكون بكراسيهم ويمارسون
فهلوياتهم الدبلوماسية وبهلونياتهم الحزبية بعيداً عن الحكمة والخدمة. فليجلس
القادة وجهاً لوجه ويطرحوا كل شيء على مائدة المفاوضات واضعين نصب أعينهم مصالح
شعوبهم لا مصالحم، فلماذا لا نعيش معاً على أرض واحدة دون حدود أ و قيود أو
حواجز!؟